فهرس الكتاب

الصفحة 7393 من 11127

4992 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) المصري المذكور في السَّند السابق [خ¦4991] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) أي ابن سعد (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابنُ خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوام رضي الله عنه (أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، أي ابن نوفل الزُّهري، والمِسْوَر بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو، كذا رواه عُقيل ويونس وشعيب وابن أخي الزُّهري، عن الزُّهري. واقتصرَ مالك عنه على عروة فلم يذكر المِسْوَر في إسنادِهِ، واقتصرَ عبد الأعلى عن مَعمر، عن الزُّهري فيما أخرجه النَّسائي على المِسْوَر بن مَخْرمة، فلم يذكر عبد الرحمن.

وذكر عبد الرَّزَّاق عن مَعْمر فيما أخرجه الترمذيُّ، وأخرجه مسلم من طريقهِ، لكن

ج 22 ص 45

أحالَ به، قال كرواية يونس، وكان أخرجه من طريق ابنِ وهب، عن يونس فذكرهما، وذكر البخاريُّ المحال به عن اللَّيث عن يونس تعليقًا.

(وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ) بالتنوين غير مضاف إلى شيءٍ (الْقَارِيَّ) بتشديد التحتية، نسبة إلى قارة، بطنٌ من خزيمة بن مدركة. والقارة لقبٌ، واسمه أُثَيع، بالمثلثة مصغرًا، ابن مُلَيح، بالتصغير وآخره مهملة، ابن الهُون، بضم الهاء، ابن خزيمة.

وقيل بل القارة هو الدِّيْش، بكسر المهملة وسكون التحتية بعدها معجمة، من ذرِّية أُثَيع المذكور، وليس هو منسوبًا إلى القراءة. وكانوا قد حالفوا بني زُهرة وسكنوا معهم بالمدينة بعد الإسلام، وكان عبد الرحمن من كبارِ التابعين. وقد ذُكِرَ في الصَّحابة؛ لكونه أُتِيَ به إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو صغير. أخرج ذلك البغويُّ في «معجم الصحابة» بإسنادٍ لا بأس به، ومات سنة ثمان وثمانين في قولِ الأكثر. وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وقد ذَكَرَه في (( الإشخاص ) ) [خ¦2419] ، وله عنده حديث آخر عن عمر رضي الله عنه في (( الصيام ) ) [خ¦2010] .

(حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ) أي ابن حرام الأسدي، له ولأبيه صُحبة، وكان إسلامُهما يوم الفتح. وكان لهِشامٍ فَضْلٌ، ومات قبل أبيه، وليس له في البخاريِّ رواية، وأخرجَ له مسلم حديثًا واحدًا مرفوعًا من رواية عروة عنه، وهذا يدلُّ على أنَّه تأخَّر إلى خلافة عثمان وعلي رضي الله عنهما. ووهمَ من زعم أنَّه استُشْهِدَ في خلافة أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما.

وأخرجَ ابن سعد عن مَعن بن عيسى، عن مالك، عن الزُّهري كان هشامُ بن حكيم يأمرُ بالمعروف، وكان عمر رضي الله عنه يقول إذا بلغه الشيء أما ما عشتُ أنا وهشام فلا يكون ذلك.

(يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ) لا سورة الأحزاب كما توهَّم، إذ هو غلط (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ) بالمهملة،

ج 22 ص 46

أي آخذه برأسه، قاله الحَربي. وقال غيرُه أي أواثبه وهو أشبه. قال النابغة

~فَبِتُّ كَأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِيلَةٌ مِنَ الرَّقْشِ فِي أَنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعٌ

أي واثبتْني.

وفي بانت سعاد

~إِذَا يُسَاوِرُ قِرْنًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْقِرْنَ إِلَّا وَهْوَ مَجْدُولُ

ووقع عند الكُشْمِيْهَني والقَابسي في رواية شعيب الآتية بعد أبواب [خ¦5041] بالمثلثة بدل المهملة. قال القاضي عياض والمعروف الأوَّل. وقال الحافظ العسقلاني لكن معناها صحيح، ووقع في رواية مالك (( أن أعجل عليه ) ).

(فِي الصَّلاَةِ، فَتَصَبَّرْتُ) أي تكلَّفت الصبر (حَتَّى سَلَّمَ) أي فرغ من صلاته، وفي رواية مالك ؛ أي من الصلاة، كقوله في هذه الرواية (فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ) بفتح اللام وتشديد الموحدة الأولى، في الفرع وأصله. وقال القاضي عياض التَّخفيف أعرف؛ أي جمعت عليه ثيابه عند لبَّته؛ لئلا ينفلتَ مني، وكان عمر رضي الله عنه شديدًا في الأمر بالمعروف، وفعل ذلك عن اجتهادٍ منه؛ لظنِّه أنَّ هشامًا خالف الصَّواب، ولهذا لم يُنْكِرْ عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، بل قال له أرسلْه.

(فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ) بحذف الضمير؛ أي تقرأها (قَالَ) وفي رواية الأَصيلي بالفاء؛ أي قال هشام (أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ كَذَبْتَ) أي قال عمر رضي الله عنه فقلت كذبت. فيه إطلاق ذلك على غلبة الظَّن، فإنه إنما فعل ذلك عن اجتهادٍ منه؛ لظنِّه أنَّ هشامًا خالف الصَّواب، وساغَ له ذلك؛ لرسوخِ قِدَمه في الإسلام وسبْقهِ، بخلاف هشام فإنَّه من مُسْلِمةِ الفَتْح، فخشيَ أن لا يكون أتقنَ القراءة، بخلاف نفسه فإنَّه كان قد أتقن ما سَمِعَ. أو المراد بقوله (( كذبت ) )أخطأتَ؛ لأنَّ أهل الحجاز يُطلقون الكَذِبَ في مَوْضِع الخطأ.

(فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَنِيهَا) وفي نسخة بزيادة لفظ قد (عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ) ولعلَّ عمر رضي الله عنه لم يكن سَمِعَ حديث (( أُنْزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرف ) )قبل ذلك (فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ) كأنَّه لما لبَّبه بردائه صار يجرُّه، فلذا كان قائدًا له، ولولا ذلك؛ لكان يسوقُه، ولهذا قال له النَّبي صلى الله عليه وسلم لما كان وصلا إليه أرسله.

(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ) يا رسول الله (إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ) بباء الجر، ويروى

ج 22 ص 47

(عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسِلْهُ) بهمزة قطع، أي أَطْلِقْه (اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ) بها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي) بها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ) وقال الحافظُ العسقلاني لم أقفْ على تعيين الأحرف التي اختلفَ فيها عمر وهشام في سورة الفرقان.

نعم، جَمَعَ ما اختُلِفَ فيها من المتواتر والشَّاذ من هذه السُّورة، وسبقَه لذلك ابنُ عبد البر، ثمَّ قال والله أعلم بما أنكرَ منها عمر على هشام، وما قرأَ به عمر رضي الله عنه.

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أورده النَّبي صلى الله عليه وسلم تطمينًا لقلبِ عمر رضي الله عنه؛ لئلا يُنْكِرَ تصويبَ الشيئين المختلفين. وقد وقع عند الطَّبري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جدِّه قال قرأَ رجلٌ بغير ما قرأ عليه فاختصما عند النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل ألم تُقْرِئْنِي يا رسول الله، قال (( بلى ) )، قال فوقعَ في صدر عمرَ شيءٌ عرفه النَّبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، قال فضربَ في صدره، قال (( ابْعِدْ شيطانًا ) )قالها ثلاثًا، ثم قال (( يا عمرُ، القرآن كلُّه صوابٌ ما لم تجعلْ رحمة عذابًا، أو عذابًا رحمة ) ).

ومن طريق آخر (( أنَّ عمر رضي الله عنه سَمِعَ رجلًا يقرأ ) ). فذكر نحوه، ولم يذكر فوقع في صَدْرِ عمر، لكن قال في آخره (( أُنْزِلَ القرآنُ على سَبْعةِ أحرفِ كلُّها كافٍ شافٍ ) ).

ووقع لجماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم نظير ما وقع لعمر مع هشام رضي الله عنهما، منه ما وقعَ لأبيِّ بن كعب مع ابنِ مسعود رضي الله عنهما في سورة النحل [1] ، كما تقدَّم [خ¦4977] .

ومنه ما أخرجه أحمدُ عن أبي قيس، مولى عَمرو بن العاص، عن عَمرو أنَّ رجلًا قرأ آية من القرآن، فقال له عَمرو إنما هي كذا وكذا، فذكروا ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم، فقال (( إنَّ هذا القرآن أُنْزِلَ على سبعة أحرفٍ، فأي ذلك قرأتُم أصبتُم، فلا تماروا فيه ) )، إسناده حسنٌ.

ولأحمد أيضًا وأبي عُبيدة والطَّبري من حديث أبي جَهم بن الصِّمَّة (( أنَّ رجلين اختلفا في آية من القرآن كلاهما يدَّعي أنَّه تلقَّاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، فذكر نحو حديث عَمرو بن العاص.

وللطَّبري والطَّبراني عن زَيدِ بن أرقم قال (( جاءَ رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 22 ص 48

فقال أقرأني ابنُ مسعود سورةً أقْرَأَنَيِهْا زيدٌ وأقرأنيها أبيُّ بن كعب، فاختلفت قراءتُهم فبقراءةِ أيِّهم آخذُ؟ فسَكَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه إلى جنبهِ، فقال عليٌّ ليقرأْ كلُّ إنسانٍ كما عَلِمَ، فإنَّه حسنٌ جميلٌ )) .

ولابن حبَّان والحاكم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة من آلِ حَم، فرحت إلى المسجد، فقلت لرجل اقرأها، فإذا هو يقرأُ حروفًا ما أقرؤها، فقال أَقْرَأَنِيْها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم [فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم] [2] فأخبرناه، فتغيَّر وجهه، وقال (( إنَّما أهلكَ مَن كان قبْلَكم الاختلافُ ) )ثمَّ أسرَّ إلي عليٍّ رضي الله عنه شيئًا، فقال عليٌّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركُم أن يقرأَ كلُّ رجلٍ منكم كما عَلِمَ، قال فانطلقنا، فكلُّ رجلٍ منَّا يقرأ حروفًا لا يقرأها صاحبه.

وقد روى الحاكمُ عن سَمُرة رضي الله عنه رَفَعَه (( أُنْزِلَ القرآنُ على ثلاثة أحرف ) )، فقال أبو عبد الله تواترتِ الأخبار بالسَّبعة إلَّا في هذا الحديث. وقال أبو أسامة يحتمل أن يكون بعضُه أُنْزِلَ على ثلاثة أحرف كجَذْوة، والرَّهْب، أو أراد أُنْزِل ابتداءً على ثلاثة أحرف، ثمَّ زيدَ إلى سبعةٍ توسعةً على العباد، وقد مرَّ ما يتعلَّق بذلك، والأكثر على أنَّها محصورة في السَّبعة، وهل هي باقيةٌ إلى الآن يقرأ بها أمْ كانَ ذلك ثمَّ استقرَّ الأمر على بعضها، وإلى الثاني ذهبَ الأكثر كسفيان بن عُيينة وابن وهب والطَّبري والطَّحَّاوي.

وهل استقر ذلك في الزمن النَّبوي أم بعده؟ والأكثر على الأوَّل، واختاره القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب وابن عبد البر وابن العربي وغيرهم؛ لأنَّ ضرورة اختلاف اللُّغات ومشقة النُّطق بغير لُغتهم اقتضتِ التَّوسعة عليهم في أوَّل الأمر، وتدريبِ الألسن، وتمكَّن النَّاس من الاقتصار على الطَّريقة الواحدة، فعارضَ جبريل عليه السلام النَّبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرَّتين في السَّنة الأخيرة.

واستقرَّ على ما هو عليه الآن، فنسخَ الله تعالى تلك القراءة المأذون فيها، واقتصرَ على هذه القراءة التي تلقَّاها الناس، وسيأتي لذلك مزيد تفصيل إن شاء الله تعالى.

(فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) قال الإمامُ القسطلاني أي من الأحرفِ المنزل بها فالمرادُ بالتَّيسير في الآية غيرُ المراد به في الحديث؛ لأنَّ الذي

ج 22 ص 49

في الآية القلَّة والكثرة، والذي في الحديث ما يستحضره القارئ من القراءات، فالأوَّل من الكمية، والثاني من الكيفية.

وقال الحافظ العسقلاني وفيه إشارة إلى الحِكْمة في التَّعدد المذكور، وأنَّه للتيسير على القارئ، وهذا يقوي قول مَن قال المرادُ بالأحرف تأدية المعنى باللَّفظ المرادف، ولو كان من لغةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اخْتَلَفَتْ قراءتهما، نبَّه على ذلك ابنُ عبد البر، ونقلَ عن أكثرِ أهل العلم أنَّ هذا هو المراد بالأحرف السَّبعة. وذهبَ أبو عبيد وثعلب، وحكاهُ ابن دُريد عن أبي حاتم، وبعضهم عن القاضي أبو بكر، وقال الأزهري وابن حبَّان إنَّه المختار. وصحَّحه البيهقي في «الشعب» وهو مختار ابنِ عطيَّة إلى أنَّ المرادَ اختلافُ اللُّغات، وتُعُقِّبَ بأنَّ لغات العرب أكثر من سَبْعٍ. وأُجيبَ بأنَّ المراد أفصحُها. وقال أبو حاتم السِّجستاني نزل بلغة قريش وهذيل وتيم والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر، متفرِّقة في القرآن، فبعضُه بلغة قريش، وبعضُه بلغةِ هذيل، وبعضُه بلغة هوازن، وكذلك سائر اللُّغات، ومعانيها واحدة. وقيل نزل بلغةِ مضر خاصَّة؛ لقول عمر رضي الله عنه (( نزلَ القرآن بلغة مضر ) ). وعين بعضُهم فيما حكاه ابنُ عبد البر السَّبع من مضر أنهم هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرَّباب، وأسد بن خُزيمة، وقريش.

فهذه قبائل مضر تستوعبُ سبع لغاتٍ، وبعضُ اللُّغات أكثر نصيبًا من بعض. وقيل في تعيين اللُّغات غيرُ ذلك، واستنكرهُ ابن قتيبة، واحتجَّ بقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم 4] .

وأُجيب بأنَّه لا يلزم من هذه الآية أن يكون أُرْسِلَ بلسان قريش فقط؛ لكونهم قومه، بل أُرْسِلَ بلسان جميع العرب، ولا يرد عليه كونُه بُعِثَ إلى النَّاس كافَّة عربًا وعجمًا؛ لأنَّ القرآن أُنْزِلَ باللُّغة العربيَّة، وهو بلَّغَهُ إلى طوائفِ العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم.

ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنَّه قال أُنْزِلَ القرآنُ أولًا بلسان قريش، ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثمَّ أُبِيْحَ للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرتْ عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظِ والإعراب، ولم يُكَلَّف أحدٌ منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقَّة، ولما كان فيهم من الحميَّة، ولطلب تسهيل فهم المراد، كلُّ ذلك مع اتِّفاق المعنى كقولهم هلم، وأقبل، وأسرع، واذهب، وعجِّل، وعلى هذا يتنزَّل اختلافهم في القراءة وتصويب الرَّسول صلى الله عليه وسلم كلاًّ منهم. انتهى.

ج 22 ص 50

ولا يذهب عليك أنَّ الإباحة المذكورة لم تقع بالتَّشهي أنَّ كلَّ أحدٍ يقرأ الكلمةَ بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السَّماع من النَّبي صلى الله عليه وسلم كما يُشير إلى ذلك قولُ كلٍّ من عمر وهشام في حديث الباب أقرأني النَّبي صلى الله عليه وسلم.

لكن ثبت عن غيرِ واحد من الصَّحابة أنَّه كان يقرؤها بالترادف، ولو لم يكن مسموعًا له، ومن ثمَّة أنكر عمر رضي الله عنه على ابن مسعود قراءته (( عتى حين ) )؛ أي {حَتَّى حِينٍ} ، وكتب إليه إن القرآن لم ينزلْ بلغة هذيل، فأقرئ النَّاس بلغة قريش، ولا تُقرئهم بلغة هذيل، لكن كان ذلك قبل أن يَجْمَعَ عثمانُ رضي الله عنه الناسَ على قراءةٍ واحدةٍ موافقةٍ للعَرْضَةِ الأخيرة.

وقال ابنُ عبد البر بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بإسناد [3] حسنٍ يحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار، لا أنَّ الذي قرأَ به ابن مسعود رضي الله عنه لا يجوز. قال وإذا أبيحتْ قراءتُه على سبعةِ أَوْجُهٍ أنزلت جازَ الاختيار فيما أنزل.

وقال أبو شامة ويحتمل أن يكون مراد عمر رضي الله عنه، ثمَّ عثمان بقولهما نزلَ بلغة قريش أنَّ ذلك كان أوَّل نزوله، ثمَّ إنَّ الله تعالى سهَّل على الناس فجوَّز لهم أن يقرؤوه على لغاتهم على أنْ لا يخرج ذلك عن لغات العرب؛ لكونه بلسان عربيٍّ مبين، فأمَّا من أراد قراءته مِنْ غيرِ العَرَبِ فلا اختيار له، بل هو يقرؤه بلسان قريش؛ لأنَّه الأولى.

وعلى هذا يُحْمَلُ ما كَتَبَ به عمرُ رضي الله عنه إلى ابنِ مسعود رضي الله عنه؛ لأنَّ جميعَ اللُّغات بالنَّسبة إلى غير العربي مستويةٌ في التَّعبير، فإذًا لا بُدَّ من وَاحِدَةٍ، فلتكنْ بلغة قريش لغة النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وأمَّا العربي المجبول على لغة، فلو كلِّف قراءته بلغةِ قريش يعسرُ عليه التَّحول مع إباحةِ الله له أن يقرأهُ بلغته، ويشيرُ إلى هذا قوله في حديث أُبَيٍّ كما تقدَّم (( هوِّن على أمَّتي ) )وقوله (( إنَّ أمَّتي لا تطيقُ ذلك ) )وكأنَّه انتهى عند السَبْع؛ لعلمه أنَّه لا يحتاج لفظ من ألفاظهِ إلى أكثر من ذلك العدد غالبًا، وليس المرادُ أنَّ كلَّ لفظة منه تُقْرَأ على سبعة أوجه.

قال ابنُ عبد البر وهذا مُجْمَعٌ عليه، بل هو غير ممكن، بل لا يوجدُ في القرآن كلمةٌ تقرأُ على سبعة أوجه

ج 22 ص 51

إلَّا الشَّيء القليل، مثل و {عبد الطَّاغوت} [المائدة 60] . وقد أنكَر ابنُ قتيبَة أن يكون في القرآن كلمةٌ تُقْرأُ على سبعةِ أَوْجُهٍ. وردَّ عليه ابنُ الأنباري بمثل عبد الطَّاغوت، ولا تقلْ لهما أفٍّ، وكونُ المراد من الأحرف السَّبعة هي اللُّغات هو المختار. وقال ابنُ العربي لم يأت في ذلك نصٌّ ولا أثرٌ.

وقال ابن حبَّان إنه اختُلِفَ فيها على خمسةٍ وثلاثين قولًا. قال المنذريُّ إن أكثرَها غير مُختار. وعن الخليل بن أحمد سبع قراءات. وهذا أضعفُ الأقوال؛ فقد بين الطَّبري وغيره أنَّ اختلاف القراء إنما هو حرفٌ واحدٌ من الأحرف السبعة.

وقال أبو شامة ظنَّ قوم أنَّ القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدتْ في الحديث، وهو خلاف إجْمَاعِ أهل العلم قاطبةً، وإنما يظنُّ ذلك بعض أهل الجَهل.

وقال ابن عمَّار أيضًا لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكلَ الأمر على العامة؛ لأنَّ كلَّ من قلَّ نَظَرُه يظنُّ أنَّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذا اقتصرَ على بعض السبعة أو زاد؛ ليزيل الشُّبهة. ووقع له أيضًا في اقتصاره عن كلِّ إمام على راويين أنَّه صار من سمع قراءة راوٍ ثالث غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهرُ وأصحُّ وأظهرُ، وربما بالغَ من لا يفهم فخطَّأ وكفَّر.

وقال الكواشيُّ كلُّ ما صحَّ سندُه واستقامَ وجهه في العربيَّة، ووافقَ لفظه خطَّ مصحف الإمام فهو من السَّبعة المنصوصة. فعلى هذا الأصل بُنِيَ قبولُ القراءةِ عن سبعةٍ كانت أو سبعة آلاف، ومتى فُقِدَ شرطٌ من الثلاثة فهو الشَّاذ.

وقيل سبعة أنواع كلُّ نوع منها من أجزاءِ القرآن، فبعضُها أمرٌ ونهيٌّ ووعدٌ ووعيدٌ، وقصص وحلالٌ وحرام، ومحكمٌ ومتشابه وأمثال، وفيه حديث ضعيفٌ من طريق ابن مسعود، رواه البيهقيُّ بسند مرسل، وهو قولٌ فاسد.

وقال ابنُ الجوزي تتَّبعت القراءات صحيحَها وشاذَّها، وضعيفَها ومنكَرَها، فإذا هي ترجع إلى سبعة أوجه من الاختلاف، لا تخرج عن ذلك، وذلك إمَّا في الحركات بلا تغير في المعنى والصُّورة نحو البخل بوجهين، أو بتغير في المعنى فقط، نحو {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة 37] . وإمَّا في الحروف بتغير المعنى لا الصُّورة نحو تبلو، وتتلو، وننجيك، وننحيك ببدنك، أو عكس ذلك نحو بسطة وبصطة، أو بتغيرهما نحو أشدَّ منكم، ومنهم، ويأتل، ويتألَّ، وفاسعوا، وفامضوا إلى ذكر الله [4] . وإمَّا في التَّقديم والتَّأخير نحو فيقتلون ويقتلون، وجاءتْ سكرة الموت بالحقِّ، وسكرة الحقِّ بالموت. أو في الزِّيادة والنُّقصان نحو أوصى ووصَّى، وما خلق الذكر والأنثى، والذكر والأنثى.

وأمَّا نحو اختلاف الإظهار والإدغام ممَّا يُعَبَّر عنه بالأصول؛ فليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللَّفظ أو المعنى؛ لأنَّ هذه الصَّفات في أدائه لا تخرجه أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن فُرِضَ يكون من الأوَّل. انتهى.

وقد أطنبَ الحافظ العسقلاني في هذا المقام إطنابًا شديدًا خارجًا عن التَّقرير والتَّحرير، فتركناه خوفًا من السآمة والملال.

وقد مضى حديث الباب في (( كتاب الخصومات ) ) [خ¦2419] . ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ.

[1] كذا قال ولعل صوابها (سورة الناس) .

[2] ما بين معقوفين زيادة من الفتح.

[3] في هامش الأصل بسنده. ووضع عليها علامة صح.

[4] في هامش الأصل روى البيهقي عن ابن مسعود عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( كان الكتاب الأوَّل ينزل من بابٍ واحدٍ على حرف واحد، ونزلَ القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عمَّا نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه ) )، وقولوا {آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران 7] ، وأخرجه أبو عبيد أيضًا. قال ابن عبد البر هذا حديث لا يثبت؛ لأنَّه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، ولم يلق ابنَ مسعود، وقد ردَّه قومٌ من أهل النَّظر؛ منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت