فهرس الكتاب

الصفحة 7405 من 11127

5001 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، أبو عبد الله العَبدي البصري، قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنُ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) أي النَخَعي (عَنْ عَلْقَمَةَ) أي ابن قيس النَّخعي، أنَّه (قَالَ كُنَّا بِحِمْصَ) هي بكسر المهملة الأولى وسكون الميم، بلدةٌ مشهورةٌ من بلاد الشام غير منصرف على الأصحِّ، ظاهره أنَّ علقمة حضر القصَّة، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن محمد بن كثير، شيخ البخاري فيه. وأخرجه أبو نعيم من طريق يوسف القاضي، عن محمد بن كثير فقال فيه عن علقمة قال كان عبد الله بحِمْص. وأخرجه مسلم من طريق جرير، عن الأعمش، ولفظه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال (( كنت بحِمْصَ فقرأتُ ) )، فذكر الحديث.

وهذا يقتضي أنَّ علقمة لم يحضر القصَّة، وإنما نقلها عن ابن مسعود رضي الله عنه، وكذا أخرجه أبو عَوانة من طرق عن الأعمش، ولفظه (( كنتُ جالسًا بحمص ) ). وعند أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش قال عبد الله (( إنَّه قرأ سورة يوسف ) )، ورواية أبي معاوية عند مسلم، لكن أحال بها.

(فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه، وقد قيل إنَّه نهيك بنُ سنان الذي تقدمت له قصة غير هذه مع ابنِ مسعود رضي الله عنه [خ¦775] (مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ) وفي رواية مسلم (( فقال لي بعضُ القوم اقرأ علينا فقرأتُ عليهم سورة يوسف، فقال رجلٌ من القوم ما هكذا أنزلت ) )، فإن كان السائل هو القائلُ، وإلَّا فمنهم آخر.

(قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء؛ أي قال ابنُ مسعود رضي الله عنه (قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)

ج 22 ص 74

أي كذا. وفي رواية مسلم (( فقلتُ ويحكَ والله لقد أقرأنيْهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (فَقَالَ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَحْسَنْتَ وَوَجَدَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (مِنْهُ) أي من الرجل (رِيحَ الْخَمْرِ) هي جملة حالية. وفي رواية مسلم (( فبينما أنا أكلمه إذ وجدتُ منه رِيْحَ الخَمْر ) ) (فَقَالَ) له (أَتَجْمَعُ) وفي نسخة (أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ؟ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ) أي فضربه ابن مسعود رضي الله عنه حدَّ شُرْبِ الخَمْر. وفي رواية مسلم (( فقلت لا أبرحُ حتى أجلدَك، قال فجلدتُه ) ).

قال النَّووي هذا محمولٌ على أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه كانت له ولايةُ إقامة الحدود نيابةً عن الإمام إمَّا عمومًا وإمَّا خصوصًا، وعلى أنَّ الرجل اعترفَ بشربها بلا عذرٍ، وإلَّا فلا يجب الحدُّ بمُجَرَّدِ رِيْحِها. وعلى أنَّ التَّكذيب كان بإنكار بَعْضِهِ جاهلًا، إذ لو كَذَبَ به حقيقةً لكَفَر، فقد أجمعوا على أنَّ من جحدَ حرفًا مُجْمَعًا عليه من القرآن كَفَرَ. انتهى.

والاحتمال الأوَّل جيد، ويحتملُ أيضًا أن يكون قوله فضربَه الحدَّ؛ أي رفعَه إلى من له ولاية إقامةِ الحدِّ؛ أي الأمير؛ فضربَه؛ فأسندَ الضَّرب إلى نفسهِ مجازًا؛ لكونه سببًا فيه.

وقال القرطبي إنما أقامَ عليه الحدَّ؛ لأنَّه جعلَ له ذلك من له الولاية، أو لأنَّه رأى أنَّه قام عن الإمام بواجب، أو لأنَّه كان ذلك في زمان ولايتهِ الكوفة، فإنَّه وليها في زمان عمر رضي الله عنه، وصَدْرًا من خلافةِ عثمان رضي الله عنه. انتهى.

والاحتمال الثاني موجَّه في الأخير غفلةً عمَّا في أول الخبر أنَّ ذلك كان بحِمْص ولم يَلِها ابنُ مسعود رضي الله عنه، وإنما دَخَلَها غازيًا، وكان ذلك في خلافة عمر رضي الله عنه.

وأمَّا قول النَّووي على أنَّ الرجل اعترف بشربها بلا عذرٍ وإلَّا فلا يُحَدُّ بمجرَّد ريحها، ففيه نظرٌ؛ لأنَّ المنقول عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يرى وجوب الحدِّ بمجرد وجود الرَّائحة، وقد وقع مثل ذلك لعثمان رضي الله عنه في قصَّة الوليد بن عقبة.

ووقع عند الإسماعيلي إثرَ هذا الحديث النقلُ عن عليٍّ رضي الله عنه أنه أنكرَ على ابن مسعود رضي الله عنه جلده الرجل بالرَّائحة وحدها إذا لم يقر أو لم يشهد عليه.

وقال القرطبيُّ في الحديث

ج 22 ص 75

حجَّة على من يمنع وجوب الحدِّ بالرائحة كالحنفية، وقد قال به مالك وأصحابهُ وجماعةٌ من أهل الحجاز، والمسألة خلافيَّة شهيرة، وللمانع أن يقول إذا احتملَ أن يكون أقرَّ سقط الاستدلال بذلك، ونفس الرِّيح ليس بقطعي الدِّلالة على شربِ الخمر، فلا يثبت إلَّا بشهادة أو اعتراف.

وأمَّا قول النَّووي على أنَّ التَّكذيب. .. إلى آخره، فجيِّد، لكن يحتمل أن يكون ابن مسعود رضي الله عنه كان لا يرى بمؤاخذة السَّكران بما يصدر منه من الكلام في حال سكره.

وقال القرطبي ويحتمل أن يكون الرجل كَذَّبَ ابنَ مسعود رضي الله عنه ولم يكذِّب القرآنَ، وهو الذي يظهر من قوله ما هكذا أُنْزِلتْ، فإنَّ ظاهرهُ أنَّه أثبت إِنْزَالَها ونَفَى الكيفيةَ التي أوردَها ابنُ مسعود رضي الله عنه، وقال الرجل ذلك إمَّا جهلًا منه، أو قلَّةَ حفظ، أو عدم قصد، بَعَثَه عليه السُّكْرُ، وسيأتي مزيدُ بحثٍ في ذلك في (( كتاب الطَّلاق ) ) [خ¦5269 قبل] إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت