5000 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) كذا في رواية الأكثر، وحكى الجيَّاني أنَّه وقع في رواية الأَصيلي عن الجُرْجاني وهو خطأ مقلوبٌ، وليس لحفص بن عمر أب يروي عنه في «الصحيح» ، وإنما هو عمرُ بن حفص بن غياث؛ بالغين المعجمة والتحتانية والمثلثة، وكان أبوه قاضي الكوفة. وقد أخرجَ أبو نُعيم الحديث المذكور في «المستخرج» من طريق سهل بن بحر، عن عمر بن حفص بن غياث، ونسبَه، ثمَّ قال أخرجه البخاريُّ عن عمر بن حفص.
(حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بنُ غياث، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران، قال (حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو وائل. وفي رواية مسلم والنَّسائي جميعًا عن إسحاق، عن عَبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن أبي وائل، وهو شقيق المذكور.
(قَالَ خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُوُدٍ) رضي الله عنه، ثبت لفظ < ابن مسعود> في رواية أبي ذرٍّ (فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي) أي من فم (رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعًا) بكسر الموحدة وسكون الضاد المعجمة، وهو ما بين الثلاث إلى التِّسع (وَسَبْعِينَ سُورَةً) وزاد عاصم، عن زرٍّ، عن عبد الله رضي الله عنه
ج 22 ص 71
(( وأخذتُ بقيَّة القرآن عن أصحابه ) ). وزاد إسحاق بن راهويه في أوَّله {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران 161] ثمَّ قال على قراءة من تأمرونني أن أقرأ، وقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث.
وفي رواية النَّسائي وأبي عَوَانة وابن أبي داود من طريق ابنِ شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل قال خطبنَا عبد الله بن مسعود على المنبر، فقال {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران 161] غُلُّوا مصاحِفَكُم وكيف تأمرونني أن أقرأَ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأتُ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.
وفي رواية خمير، بالمعجمة مصغرًا، ابن مالك بيانُ السبب في قول ابنِ مسعود هذا؛ ولفظه (( لمَّا أُمِرَ بالمصاحف أن تُغَيَّرُ وتُكْتَبَ على المصحف العثماني ساءه ذلك، وقال أفأترك ما أخذتُ مِنْ في رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). وفي رواية له فقال (( إنِّي غالٌّ مصحفي فمن استطاع أن يغُلَّ مصحفَه فليفعل ) ). وعند الحاكم من طريق أبي ميسرة قال (( رحتُ فإذا أنا بالأشعري وحذيفة وابن مسعود، فقال ابن مسعود والله لا أرفعه؛ يعني مصحفه، أقرأني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ) )، فذكره.
(وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ) ووقع عند النَّسائي من طريق عبدةَ، وابن أبي داود من طريق ابن شهابٍ كلاهما، عن الأعمش، عن أبي وائل (( إني أعلمُهم بكتاب الله ) )، بحذف من، وزاد (( ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلتُ إليه ) ). وهذا لا ينافي إثبات من فاته نفي الأعلميَّة ولم ينف المساواة. وفيه جوازُ ذكر الإنسان نفسه بالفضيلةِ للحاجة، وإنما النَّهي عن التَّزكية إذا كانت للفخر والإعجاب.
(وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ) يعني ما أنا بأفضلهِم، إذ العشرة المبشَّرة أفضلُ منه بالاتفاق، ويستفادُ منه أنَّ الزيادة في صفة من صفات الفضل لا تقتضِي الأفضليَّة المطلقة؛ لأنَّ كثرة الثَّواب لها أسباب أخر من التَّقوى والإخلاص
ج 22 ص 72
وإعلاء كلمةِ الله مع أنَّ الأعلميَّة بكتاب الله، لا تستلزمُ الأعلميَّة المطلقة، بل يحتملُ أن يكون غيرُه أعلمَ منه بالسُّنة، وبعلومٍ أخر.
فلهذا قال وما أنا بخيرهِم، على أنَّ لفظ (من) صريح بأنَّ جماعة كانوا مثله، وسيأتي في هذا بحث في باب (( خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه ) )إن شاء الله تعالى [خ¦5027] .
(قَالَ شَقِيقٌ) أي بالإسناد المذكور (فَجَلَسْتُ فِي الْحَلَقِ) بفتح الحاء المهملة واللام (أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا) أي عالمًا يرد؛ لأنَّ ردَّ الأقوال لا يكون إلَّا للعلماء؛ يعني لم يَسْمَعْ من يخالف ابنَ مسعود رضي الله عنه (يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ) أو المراد من يرد قوله ذلك، والغرضُ أنَّ أحدًا لم يَرُدَّ عليه هذا الكلام، بل سَلَّموا.
وفي رواية مسلم قال شقيقٌ فجلستُ في حَلَقِ أصحابِ محمد صلى الله عليه وسلم فما سمعتُ أحدًا يَرُدُّ ذلك ولا يعيبه. وفي رواية ابن شهابٍ فلمَّا نزلَ عن المنبر جلست في الحَلَق فما أحدٌ ينكر ما قال، وهذا تخصيص عموم قوله أصحاب محمد، بمن كان منهم بالكوفة.
ولا يعارضُ ذلك ما أخرجَه ابنُ أبي داود من طريق الزُّهري، عن عبيدِ الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فذكر نحو حديث الباب، وفيه قال الزُّهري فبلغني أنَّ ذلك كَرِهَه من قول ابنِ مسعود رضي الله عنه رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه محمول على أنَّ الذين كرهوا ذلك من غير الصَّحابة الذين شاهدهم شقيق بالكوفة.
ويحتمل اختلافَ الجِهَةِ، فالذي نفى شقيق أنَّ أحدًا ردَّه أو عابَه وصف ابن مسعود بأنَّه أعلمُهم بالقرآن، والذي أثبتَه الزُّهري ما يتعلَّق بأمره بغلِّ المصاحف.
وكأنَّ ابنَ مسعودٍ رضي الله عنه رَأَى خلافَ ما رَأَى عثمانُ رضي الله عنه، ومن وافقَه في الاقتصار على قراءةٍ واحدةٍ، وإلغاء ما عدا ذلك، أو كان لا ينكرُ الاقتصار على قراءةٍ واحدةٍ؛ لما في عدمهِ من الاختلاف، بل كان يريد أن تكون قراءتُه هي التي يعوَّلُ عليها دون غيرها؛ لما له من المزية في ذلك ممَّا ليس لغيره، كما يؤخذُ ذلك في ظواهر كلامه،
ج 22 ص 73
فلمَّا فاته ذلك ورأى أنَّ الاقتصار على قراءة زيد ترجيح بغير مرجِّح عنده اختار استمرار القراءات على ما كانت عليه، على أنَّ ابن أبي داود ترجمَ باب رضا ابن مسعود بعد ذلك بما صنعَ عثمان رضي الله عنه، لكن لم يورد ما يصرِّح بمطابقة ما ترجمَ به.
ومطابقة الحديث للترجمة تُؤخذ من ظاهر الحديث. وقد أخرجه مسلم في الفضائل، والنَّسائي في فضائل القرآن.