5003 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بنُ الحارث، أبو عُمر الحوضي، قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى العَوْذِي، بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة، البصري الحافظ، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة السَّدوسي (قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ) أي جَمَعَه أربعة (كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ) وفي رواية الطَّبراني من طريق سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة في أوَّل الحديث افتخرَ الحيَّان الأوس والخزرج فقال الأوس منَّا أربعة من اهتزَّ له العرشُ سعد بن معاذ، ومن عدلتْ شهادتُه شهادةَ رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غَسَّلَته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدَّبر عاصم بن ثابت،
ج 22 ص 77
فقال الخزرج منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعْه غيرُهم فذكرهم (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) من بني النَّجار (وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) من بني الخزرج (وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) من بني النَّجار (وَأَبُو زَيْدٍ) واختلف في اسمه فقيل سعد بن عُبيد بن النعمان بن قيس من الأوس، وقيل قيس بن السَّكن الخزرجي، وقيل ثابت بن زيد الأشهلي، وقيل اسمُه معبد أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومات ولا عَقِبَ له.
وتقدَّم في (( مناقب زيد بن ثابت ) ) [خ¦3810] من طريق شعبة، عن قتادة (( قلتُ لأنس رضي الله عنه من أبو زيد؟ قال أحدُ عمومتي ) ).
واستبعد ابنُ الأثير أن يكون هذا ممَّن جَمَعَ القرآن، قال لأنَّ الحديث يرويه أنسُ بن مالك وذكرهم وقال أحدُ عمومتي أبو زيد، وأنس من بني عدي بن النَّجار وهو خزرجي، فكيف يكون هذا وهو أوسي؟ انتهى.
وليس في ظاهر الحديث ما يدلُّ على الحصر، ولا مفهومَ له؛ لأنَّه عددٌ، لكن رواية سعيد التي ذُكِرَتْ آنفًا عند الطَّبراني صريحة في الحصرِ، وسعيد ثَبْتٌ في قتادة، ويحتمل مع ذلك أنَّ مرادَ أنس لم يجمعْه غيرهم؛ أي من الأوس بقرينة المفاخرة المذكورة، ولم يرد نفي ذلك عن المهاجرين، ثمَّ في رواية سعيد أنَّ ذلك من قول الخزرج، ولم يُفْصِحْ باسم قائل ذلك لما أوردَه أنسٌ، وكأنَّه هو القائل به ولاسيَّما هو من الخزرج.
وقد أجابَ القاضي أبو بكر الباقلَّاني وغيره عن حديث أنس رضي الله عنه هذا بأجوبة
أحدها أنَّه لا مفهومَ له فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جَمَعَه.
ثانيها أنَّ المراد لم يجمعْه بجميع وجوهه ولغاتهِ وحروفهِ، وقراءاته التي أنزلها الله عزَّ وجلَّ، وأذن للأمة فيها وخَيَّرَهم في القراءة بما شاؤوا منها.
ثالثها أنَّه لم يَجْمَعْ ما نُسِخَ منه بعد تلاوتهِ وما لم يُنْسَخْ إلَّا هؤلاء الأربعة، قاله أبو بكر بن العربي.
رابعها أنَّ المراد بجَمْعهِ تلقِّيه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بواسطةٍ، بخلاف غيرهم، فيحتملُ أن يكون تلقَّى بعضَه بالواسطة.
خامسها أنَّهم ظهروا به وانتصبوا
ج 22 ص 78
لتلقينهِ وتعليمهِ فاشتهروا به، وخفيَ حالُ غيرِهم عمَّن عَرَفَ حالَهم فحصرَ ذلك فيهم بحسب علمهِ، وليس الأمر في نفسِ الأمر كذلك، والسَّبب في خفائهم أنهم خافوا غائلةَ الرِّياء والعُجْبِ، وأَمِنَ ذلك مَنْ أَظْهَره.
سادسها أنَّ المراد بالجمع الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرُهم جَمَعَه حفظًا عن ظهرِ قلبه، وأمَّا هؤلاء فجمعُوه كتابةً وحفظوهُ عن ظهر قلبٍ.
سابعها أنَّ المراد أنَّ أحدًا لم يُفْصِحْ أنَّه جَمَعَه بمعنى أكملَ حفظه في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا أولئك، بخلاف غيرهم فلم يفصحْ بذلك؛ لأنَّ أحدًا منهم لم يُكْمِلْه إلَّا عند وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت آخر آية منه.
ثامنها أنَّ المرادَ بجَمْعِه السَّمعُ والطَّاعةُ له، والعملُ بموجبه، وقد روى أحمد في «الزهد» من طريق أبي الزَّاهرية أنَّ رجلًا أتى أبا الدَّرداء فقال إنَّ ابني جَمَعَ القرآن فقال اللَّهم غفرًا إنما جَمَعَ القرآن من سَمِعَ له وأطاع، وفي غالب هذه الاحتمالات تَكَلُّفٌ، ولا سيَّما الأخير فإن الخلفاء الأربعة وغيرَهم من الصَّحابة رضي الله عنهم كلهم كانوا سامعين مطيعين.
وقد مرَّ احتمال أنَّ المرادَ إثباتُ ذلك للخزرج دون الأوس فقط، فلا ينفي ذلك عن غيرِ القَبيلتين من المهاجرين ومن جاء بعدهم.
والذي يظهرُ من كثير من الأحاديث أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان يحفظُ القرآن في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم فقد تقدَّم في المبعث أنَّه بنى مسجدًا بفناء دارهِ، وكان يقرأ فيه القرآن. وهو محمولٌ على ما كان نزل منه إذ ذاك، وهذا ممَّا لا يُرتاب فيه، مع شدَّة حِرْصِ أبي بكر رضي الله عنه على تلقِّي القرآن من النَّبي صلى الله عليه وسلم وفراغ بالهِ له، وهما بمكَّة وكثرة ملازمة كلٍّ منهما للآخر حتى قالت عائشة رضي الله عنها كما تقدَّم في الهجرة (( أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يأتيهِم بكرةً وعشيَّةً ) ).
وقد صحَّح مسلم حديث (( يؤمُّ القومَ أقرأهم لكتابِ الله ) )، وتقدَّم أنَّه صلى الله عليه وسلم أمرَ أبا بكر رضي الله عنه أنَّ يؤمَّ في مكانه لما مَرِضَ، فيدلُّ على أنَّه كان أقرأهم، وتقدَّم عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه جمع القرآن على ترتيب
ج 22 ص 79
النُّزول عَقِبَ موت النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج النَّسائي بإسناد صحيحٍ عن عبد الله بن عَمرو قال جمعتُ القرآن فقرأتُ به كلَّ ليلة، فبلغ النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( اقرأهُ في شهر ) )، الحديث، وأصله في «الصحيح» . وتقدَّم في الحديث الذي مضى ذِكْرُ ابنِ مسعود وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وكل هؤلاء من المهاجرين.
وذكر أبو عُبيد القرَّاءَ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فعدَّ من المهاجرين الخلفاءَ الأربعة وطلحةَ وسعدًا وابنَ مسعود وحذيفةَ وسالمًا وأبا هريرة وعبدَ الله بن السَّائب والعبادلة. ومن النساء عائشةَ وحفصةَ وأمَ سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنما أَكْمَلَه بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر ابن أبي داود في كتاب «الشريعة» من المهاجرين أيضًا تميم بن أوس الدَّاري، وعقبة بن عامر، ومن الأنصار عبادة بن الصَّامت ومعاذًا الذي يكنى أبا حليمة، ومجمَّع بن حارثة، وفضالة بن عُبيد ومسلمة بن مخلد وغيرهم.
وصرَّح بأنَّ بعضهم إنما جمعَه بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم. وذكر أبو عَمرو عثمان بن سعيد الدَّاني أنَّ الخلفاء الأربعة جَمَعوا القرآن على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر هو أيضًا عبد الله بن عَمرو بن العاص.
وعن محمد بن كعب القرظيِّ جَمَعَ القرآن في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم عبادةُ بن الصَّامت وأبو أيوب خالد بن زيد، ذكره ابنُ عساكر. وعن الدَّاني جَمَعَه أيضًا أبو موسى الأشعري ومجمَّع بن حارثة، ذكره ابنُ إسحاق. وقيس بن أبي صعصعة، ذكره أبو عُبيد بن سلاَّم في حديث مطولًا. وذكر ابنُ حبيب في «المحبر» جماعةً ممَّن جَمَعَ القرآن على عهدهِ صلى الله عليه وسلم فيهم سعد بن عبيد بن النُّعمان الأوسي.
وقال ابنُ الأثير وممَّن جمع القرآن على عهدهِ صلى الله عليه وسلم قيس بن السَّكن وأم وَرَقة بنت نوفل، وقيل بنت عبد الله بن الحارث؛ ذكر ابن سعد أنَّها جمعت القرآن. وعن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنُ عشر سنين،
ج 22 ص 80
وقد قرأتُ القرآن.
وقد ظهر من ذلك أنَّ الذين جمعوا القرآن على عهدهِ صلى الله عليه وسلم لا يحصيهم أحدٌ ولا يضبطهم عدد. وذكر القاضي أبو بكر فإن قيل إذا لم يكن له دليل خطاب، فلأي شيءٍ خص هؤلاء الأربعة بالذَّكر دون غيرهم؟ قيل إنَّه يحتمل أن يكون ذلك لتعلُّق غرض المتكلِّم بهم دون غيرهم أو نقول إنَّ هؤلاء في ذهنهم دون غيرهم، وقد تمسَّك بقول أنس رضي الله عنه هذا جماعةٌ من الملاحدة بأنَّ القرآنَ شرطُه التواترُ في كونه قرآنًا، ولا بدَّ من خَبَرِ جماعةٍ أحالت العادةُ تواطؤَهم على الكذبِ، ولا متمسَّك لهم فيه، فإنَّا لا نسلِّم حَمْلَه على ظاهرهِ. سَلَّمْنَاه، ولكن من أين لهم أن الواقعَ في نفس الأمر كذلك. سَلَّمْنَاه، لكنْ لا يلزم من كون الكل من الجمِّ الغفير لم يحفظْه كلَّه أن لا يكون حَفِظَ مَجْمُوعَه الجمُّ الغفيرُ، وليس من شرط التَّواتر أن يحفظَ كل فرد جَمِيْعَه، بل إذا حفظ الكلُّ الكلَّ، ولو على التَّوزيع كَفَى، وقد حفظ جميعَ أجزائه مئونٌ لا يُحْصَوْنَ، على أنَّ ضابطَ التواتُرِ العلمُ به، وقد يحصلُ بقولِ هؤلاءِ الأربعة.
(تَابَعَهُ) أي تابع حفصَ بنَ عمر في روايته هذا الحديث (الْفَضْلُ) بسكون المعجمة، هو ابنُ موسى الشيباني (عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ) بالقاف والمهملة، القاضي بمرو، مات سنة تسع وخمسين ومائة (عَنْ ثُمَامَةَ) بضم المثلثة وتخفيف الميم، هو ابنُ عبد الله بن أنس، قاضي البصرة (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) رضي الله عنه، وهذا التَّعليق وصله إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن الفضل بن موسى، فذكره.