5013 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال(أَخْبَرَنَا
ج 22 ص 97
مَالِكٌ)أي ابن أنس اليَحْصبي، إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله، هذا هو المحفوظُ، وكذا هو في «الموطأ» ، ورواه أبو صفوان الأموي، عن مالك فقال عن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه. أخرجه الدَّراقطني. وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق ابن أبي عُمر، عن أبيه ومعن.
ومن طريق يحيى القطَّان ثلاثتهم عن مالك، وقال بعدَه إنَّ الصَّواب عبد الرَّحمن بن عبد الله، كما في الأصل، وكذا قال الدَّارقطني. وأخرجَه النَّسائي أيضًا من وجه آخر عن إسماعيل بن جعفر، عن مالك كذلك، وقال بعده الصَّواب عبد الرحمن بن عبد الله.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ) حال كونه (يُرَدِّدُهَا) القارئ هو قتادة بنُ النعمان. أخرج أحمدُ من طريق أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال باتَ قتادة بن النُّعمان يقرأُ من اللَّيل كله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص 1] لا يزيد عليها، الحديث.
والَّذي سَمِعَه لعلَّه أبو سعيد راوي الحديث؛ لأنَّه أخوه لأمِّه وكانا متجاورين، وبذلك جزمَ ابنُ عبد البر، فكأنَّه أبهم نفسَه وأخاهُ. وقد أخرج الدَّارقطني من طريق إسحاق بن الطَّبَّاع، عن مالك في هذا الحديث بلفظ إنَّ لي جارًا يقومُ باللَّيل، فما يقرأ إلَّا بـ {قل هو الله أحد} ومعنى يرددها يكرِّرها.
(فَلَمَّا أَصْبَحَ) أي أبو سعيد رضي الله عنه (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ) أي الذي سمعه من الرجل (لَهُ) صلى الله عليه وسلم (وَكَأَنَّ الرَّجُلَ) الذي جاء وذكر (يَتَقَالُّهَا) بتشديد اللام؛ أي يعتقدُ أنها قليلة. وفي رواية ابن الطَّبَّاع كان يقلِّلها. وفي رواية يحيى القطَّان، عن مالك فكأنَّه استقلَّها، والمراد استقلالُ العمل بقراءتها لا التَّنقيص.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) حَمَلَه بعضُ العلماء على ظاهره، فقال هي ثلثُ باعتبار معاني القرآن؛ لأنَّها أحكام وأخبار وتوحيدٌ، وقد اشتملتْ هي على القسم الثالث، فكانتْ ثلثًا بهذا الاعتبار، ويُسْتَأْنسُ لهذا بما أخرجه أبو عبيد من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه
ج 22 ص 98
قال جزأ النَّبي صلى الله عليه وسلم القرآن ثلاثة أجزاء فجعلَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} جزءًا من أجزاء القرآن.
وهذا هو قولُ المازري، لكن يعكِّر عليه أنَّه يلزم منه أن تكون آية الكرسي وآخر الحشر كلٌّ منهما ثلث القرآن بهذا المعنى، ولم يرد فيه ذلك.
وقال أبو العبَّاس القرطبي اشتملتْ هذه السُّورة على اسمين من أسماء الله تعالى يتضمَّنان جميع أوصاف الكمال لم يُوْجَدا في غيرِها من السُّور، وهما الأحدُ الصَّمد؛ لأنهما يدلَّان على أَحَدِيَّة الذَّات المقدَّسة الموصوفة بجميعِ أوصاف الكمال، وبيانُ ذلك أنَّ الأحَدَ يُشْعِرُ بوجودهِ الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصَّمد يشعرُ بجميع أوصاف الكمال؛ لأنَّه الذي انتهى سُؤْدُدُهُ فكان مرجعُ الطَّلب منه وإليه، ولا يتمُّ ذلك على وجه التَّحقيق إلَّا لمن حاز جميع فضائل الكمال، وذلك لا يصلحُ إلَّا لله تعالى، فلمَّا اشتملتْ هذه السُّورة على معرفة الذَّات المقدَّسة كانت بالنَّسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذَّات، وصفاتِ الفعل ثلثًا.
ومنهم من حمل الثَّلثية [1] على تحصيلِ الثواب فقال معنى كونها ثلثَ القرآن أنَّ ثوابَ قراءتها مُحَصِّلٌ للقارئ مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن. وضعَّفه ابنُ عقيل فقال لا يجوزُ أن يكون المعنى فله أجرُ ثُلُثِ القُرآن، واحتجَّ بحديث (( من قرأَ القرآن فله بكلِّ حرفٍ عشرُ حسنات ) ).
واستند ابنُ عبد البر لذلك بقول إسحاقِ بن راهويه ليس المراد أنَّ من قرأها ثلاث مرَّات كان كمَن قرأَ القرآن جَمِيعَه، هذا لا يستقيمُ، ولو قرأها مائتي مرَّة.
ثمَّ قال ابنُ عبد البر على أنِّي أقول السُّكوت في هذه المسألة أفضلُ من الكلام فيها وأسلمُ، فمن لم يتأوَّل هذا الحديث أَخْلَصُ ممَّن أجاب فيه بالرأي. انتهى.
وظاهرُ الأحاديث ناطقٌ بتحصيل الثَّواب مثل ثوابِ من قرأَ ثلث القرآن. وقيل مثلَه بغير تضعيفٍ، وهي دَعوى مِن غَيرِ دَليل. ويؤيِّد الإطلاق ما أخرجه مسلم من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه، فذكر نحو حديث أبي سعيد الأخير، وقال فيه (( {قل هو الله أحد} تَعْدِلُ ثلثَ القرآن ) ). ولمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( احْشُدُوا فسَأَقْرَأُ عليكم ثُلُثَ القرآن، فخرجَ فقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثمَّ قال ألا إنَّها تعدلُ ثُلُثَ القرآن ) ). ولأبي عُبيد من حديث أبي بن كعب
ج 22 ص 99
رضي الله عنه (( من قرأَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فكأنما قرأَ ثلث القرآن ) ).
وإذا حُمِلَ على ظاهرهِ، فهل ذلك الثُّلث من القرآن معين، أو لأيِّ ثلث فُرِضَ منه؟ فيه نَظَرٌ. ويلزم على الثاني أنَّ مَنْ قرأها ثلاثًا كان كمَن قرأَ ختمةً كاملةً. وقيل القرآنُ لا يتجاوزُ ثلاثةَ أقسام الإرشاد إلى معرفة الذَّات [2] ، ومعرفة أسمائه وصفاتهِ، ومعرفةِ أفعالِه وسننهِ، ولما اشتملتْ هذه السورة على التَّقديس، وَازَنَها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بِثُلُثِ القُرآن. وقيل المراد أنَّ من عَمِلَ بما تضمَّنته من الإقرار بالتَّوحيد والإذعان للخالق كان كمن قرأ ثلث القرآن، ولم يعملْ بما تضمَّنته.
ونُقِلَ عن أبي حامد الغزالي في كتاب «جواهر القرآن» أنَّ مهمات القرآن ثلاثة معرفة الله، ومعرفة الآخرة، ومعرفة الصِّراط المستقيم، والباقي توابع. وسورة الإخلاص اشتملت على واحدٍ من الثَّلاثة وهي معرفةُ الله وتقديسُهِ وتوحيدُهِ من مشارك في الجنسِ والنوع.
وادَّعى بعضُهم أنَّ قوله (( تَعْدِلُ ثلثَ القرآن ) )يختصُّ بصاحب الواقعة؛ لأنَّه لما ردَّدها في ليلته كان كمن قرأ ثلثَ القرآن بغير ترديد.
وقال أبو الحسن القابسي لعلَّ الرجل الذي جرى له ذلك لم يكن يحفظُ غيرها فلذلك استقلَّ عمله، فقال له الشَّارع صلى الله عليه وسلم ذلك ترغيبًا له في عملِ الخير وإن قلَّ، ولله عزَّ وجلَّ أن يجازي عبدَه على اليسيرِ بأفضل ممَّا يُجازى بالكثير.
وقال الأَصيلي معناه يعدلُ ثوابُها ثوابَ ثُلُثِ القرآن ليس فيه {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} .
وأمَّا تفضيلُ كلام ربِّنا بعضَه على بعضٍ فلا؛ لأنَّه كله صفة له، وهذا ماش على أحدِ المذهبين أنَّه لا تفضيل فيه، ونقله المهلَّب عن الأشعريِّ وأبي بكر بن الطَّيب وجماعةٍ من علماء السُّنة، كما تقدَّم في أوَّل الكتاب [خ¦4978 قبل] . فإن قيل في سندِ ابن وهب، عن ابن لهيعةَ، عن الحارث بن يزيد، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد رضي الله عنه أنَّه قال بات قتادة بن النُّعمان يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى أصبحَ، فذكرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( والذي نفسي بيده إنَّها لتعدلُ
ج 22 ص 100
ثلثَ القرآن أو نصفه )) .
فالجواب أنَّه قال أبو عمر هذا شكٌّ من الرَّاوي، ولا يجوزُ أن يكون شكًا من النَّبي صلى الله عليه وسلم على أنَّها لفظة غيرُ محفوظةٍ في هذا الحديث، ولا في غيرهِ.
والصَّحيح الثَّابت في هذا الحديث وغيره (( إنها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرآن ) )من غير شكٍّ. وقد روى (( ثلث القرآن ) )جماعةٌ من الصحابة رضي الله عنهم منهم أبي بن كعب وعمر رضي الله عنهما، ذكرهما أبو عمر، وأبو أيوب وأبو مسعود الأنصاري، وسماك عن النعمان بن بشير، وأبان عن أنس.
وفي الحديث إلقاءُ العالم المسائلَ على أصحابه، واستعمالُ اللَّفظ في غير ما يتبادرُ إليه الفهم؛ لأنَّ المتبادر من إطلاقِ ثلث القرآن أنَّ المرادَ ثلثُه من جهةِ حَجْمهِ المكتوب مثلًا، ولا شكَّ أنَّ ذلك غيرُ مراد.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
5014 - (وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة، هو عبدُ الله بن عَمرو بن أبي الحجَّاج المِنْقَري، قاله الدِّمياطي. وقال ابنُ عساكر والمزِّي هو إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر بن الحسن، أبو مَعمر الهذلي الهروي، سكن بغداد، وجزم به صاحب «التلويح» . وقال صاحب «التوضيح» كذا وقع لشيخنا؛ يعني إسماعيل بن إبراهيم. وقال الحافظُ العسقلاني وهو الصَّواب، وإن كان كلٌّ من المِنْقَري والهذلي يكنى أبا معمر، وكلاهما من شيوخ البخاري، لكن هذا الحديث إنما يُعرف بالهُذَلي، بل لا يعرف للمِنْقَرِي عن إسماعيلَ بنِ جعفر شيءٌ. وقد وصله النَّسائي والإسماعيلي من طرق عن أبي مَعمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي أنَّه قال
(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي ابن أبي كثير الأنصاري (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) هو من رواية الأقران (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَخِي) أي لأمي، وأمُّهما آسيةُ بنت عَمرو بن قيس بن مالك من بني النَّجار (قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ) أي في السَّحر ( {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} لاَ يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى رَجُلٌ) وفي رواية أبي ذر (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَحْوَهُ) أي نحو الحديث
ج 22 ص 101
الذي قبله.
ولفظه عند الإسماعيلي فقال يا رسول الله، إنَّ فلانًا قام اللَّيلة يقرأُ من المسجد {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فساق السُّورة يردِّدها لا يزيدُ عليها، وكان الرَّجل يتقالُّها فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنها لَتَعْدِلُ ثلثَ القرآن ) ).
[1] في هامش الأصل المثلية. نسخة.
[2] في هامش الأصل في نسخة صحيحية ذات الله تعالى.