5020 - (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة وبالموحدة (أَبُو خَالِدٍ) القيسي، وفي رواية أبي ذرٍّ سقطت الكنية، قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، هو ابنُ يحيى بن دينار الشَّيباني البصري، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة السَّدُوسي، قال (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالَكٍ) ثبت في رواية الأصيلي (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) رضي الله عنه، سقط لفظ في رواية غيرِ الأصيلي (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي ويعملُ به (كَالأُتْرُجَّةِ) بضم الهمزة وسكون المثناة الفوقية وضم الراء وتشديد الجيم، وقد تخفَّف ويزاد قبلها نون ساكنة، وحكى أبو زيد تُرُنْجة، وتُرُنج، وتُرُج.
(طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) وشُبِّه بها من بين الثِّمار التي تجمعُ طيب الطَّعم والرِّيح كالتُّفَّاحة؛ لأنَّها أفضلُ ما يوجدُ من الثِّمار في سائر البُلدان، وأحوى لأسبابٍ كثيرةٍ جامعةٍ للصِّفات المطلوبة منها، والخواص الموجودة فيها، فمن ذلك أنَّ جِرْمَها كبيرٌ، ومَنْظَرَها حَسَنٌ، ومَلْمَسَها ليِّنٌ، فاقعٌ لونها، تسرُّ الناظرين، تتوقُ إليها النفس قبل التَّناول، تفيد آكلها بعد الالتذاذِ بذوقها طيبُ نكهةٍ، ودباغُ
ج 22 ص 115
معدةٍ، وجودةُ هضمٍ، واشتراك الحواس الأربع البصر والذَّوق والشم واللَّمس في الاحْتِظَاءِ بها.
ثم إنَّ أجزاءها تنقسمُ إلى طبائع قشرُها حارٌّ يابس، مفرح بالخاصيَّة يتداوى به، وفي الثياب يمنع السُّوس، ولحمها حارٌّ رطبٌ، وحماضها باردٌ يابسٌ يسكن غلمة النِّساء، ويجلو اللَّون والكلف، وبذرها حارٌّ مجفِّف، ويستخرجُ منه دهنٌ له منافع، وغلافُ حبِّه أبيضُ، فيناسبُ قلب المؤمن. وقيل إنَّ الجنَّ لا تقرب البيت الذي فيه الأترجُّ، فناسبَ أن يمثل به القرآن الذي لا يقربه الشيطان.
ووقع في رواية شعبة، عن قتادة، كما سيأتي بعد أبواب [خ¦5059] (( المؤمنُ الذي يقرأُ القرآن ويعملُ به ) )وهي زيادة مفسِّرة للمراد، وأنَّ التَّمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن ويعمل به، ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي لا مطلق التِّلاوة.
فإن قيل لو كان كذلك؛ لكثر التَّقسيم كأن يقال الذي يقرأ ويعملُ وعكسه، والذي يعمل ولا يقرأ وعكسه. والأقسام الأربعة ممكنةٌ في غير المنافق، وأمَّا المنافق فليس له إلَّا قسمان فقط؛ لأنَّه لا اعتبارَ بعَمَلِه إذا كان نفاقُه نفاقَ كُفْرٍ.
وكان الجواب عن ذلك أنَّ الذي حُذِفَ من التَّمثيل قسمان الذي يَقْرأ ولا يعملُ، والذي يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق، فيمكن تشبيه الأوَّل بالرَّيحان، والثاني بالحنظلة، فاكْتَفَى بِذكْرِ المنافق، والقسمان الآخران قد ذُكِرَا.
(وَالَّذِي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ) بالفوقية وسكون الميم (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلاَ رِيحَ لَهَا) ويروى (وَمَثَلُ الْفَاجِرِ) أي المنافق (الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ) وفي اليونينية أن قوله إلى آخره، ثابتٌ في أصل أبي الوقت، وأن سقوطه غلطٌ. وفي نسخة الحافظ العسقلاني سقط لفظ في الموضعين، وعزا ثبوته إلى رواية شعبة، لكنَّه ثابت فيما رأيناهُ من النُّسخ.
(وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلاَ رِيحَ لَهَا) وفي رواية شعبة واستشكلت هذه الرواية من جهة أنَّ المرارة من أوصاف الطُّعوم، فكيف يوصف بها الريح؟ وأُجيب بأنَّ ريحها لما كان كريهًا
ج 22 ص 116
استعير له وصف المرارة، وفي الحديث فضيلةُ حامل القرآن، وضربُ المثل للتَّقريب إلى الفهم، وأنَّ المقصودَ من تلاوة القرآن العملُ بما دَلَّ عليه.
وقال الطِّيبي في «شرح المشكاة» إنَّ هذا التَّشبيه والتَّمثيلَ في الحقيقة وَصْفٌ لموصوف اشتملَ على معنى مَعْقُولٍ صرفٍ لا يبرزه عن مكنونهِ إلَّا تصويره بالمحسوسِ المشاهد.
ثمَّ إنَّ كلامَ الله المجيد له تأثيرٌ في باطن العبدِ وظاهرهِ، وأنَّ العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم من له النَّصيب الأوفر من ذلك التَّأثير وهو المؤمن القارئ، ومنهم من لا نصيبَ له البتَّة وهو المنافق الحقيقي، ومنهم من تأثر ظاهره دون باطنه، وهو المرائي أو بالعكس، وهو المؤمن الذي لم يقرأه.
وإبراز هذه المعاني وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث ولم نجدْ ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمعَ من ذلك؛ لأنَّ المشبهات والمشبه بها واردةٌ على التقسيم الحاصر؛ لأن الناس إمَّا مؤمن أو غير مؤمن، والثاني إمَّا منافق صرف أو ملحقٌ به، والأوَّل إمَّا مواظب على القراءة أو غير مواظب عليها، فعلى هذا قس الأثمار المشبه بها.
ووجه التَّشبيه في المذكورات مُرَكَّبٌ منتزعٌ من أمرين محسوسين طعمٌ وريحٌ، وقد ضرب النَّبي صلى الله عليه وسلم المثل بما تنبته الأرض ويُخْرِجُهُ الشَّجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنَّها من ثمرات النُّفوس، فخصَّ ما يخرجه الشجر من الأترجة والتَّمر بالمؤمن، وما تنبتُه الأرض من الحنظلة والرَّيحانة بالمنافق تنبيهًا على علوِّ شأن المؤمن، وارتفاعِ عَمَلِه، ودوام ذلك، وتوقيفًا على صفة شأن المنافق وإحباط عَمَلِه وقلَّة جدواه.
ثم إنَّ إثبات القراءة في قوله صلى الله عليه وسلم (( يقرأ القرآن ) )على صيغة المضارع ونفيها في قوله (( لا يقرأ ) )ليس المراد منها حصولها مرَّة، ونفيها بالكلِّية، بل المراد منها الاستمرار والدَّوام عليها، وأنَّ القراءةَ دأبُه وعادتُه، وليس ذلك من هجِّيراه كقولك فلان يَقْرِي الضَّيفَ ويَحْمِي الحَريم.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّه لما كان
ج 22 ص 117
لقارئ القرآن فضلٌ كان للقرآن فضلٌ أقوى منه؛ لأنَّ الفضل للقارئ إنما يحصلُ من قراءة القرآن.
وقد أخرجه البخاري في التوحيد أيضًا [خ¦7560] ، وأخرجه مسلم في الصلاة، وأبو داود في الأدب، والترمذيُّ في الأمثال، والنَّسائي في الوليمة، وفضائل القرآن، والإيمان، وابن ماجه فيه، وفي إسنادِهِ رواية تابعي عن صحابي، وصحابيٍّ عن صحابي، وهي رواية قتادة، عن أنس، عن أبي موسى رضي الله عنهم.