فهرس الكتاب

الصفحة 7436 من 11127

5023 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) أي ابنُ سعد الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنُ خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وفي رواية شعيب عن ابن شهاب حدَّثني أبو سلمة أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه أخرجه الإسماعيليُّ.

(أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 22 ص 120

لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ) بفتح المعجمة؛ أي لم يستمع (لِنَبِيٍّ) بنون وموحَّدة، كذا في رواية رواة البخاري كلهم، وعند الإسماعيلي (( لشيء ) )بشين معجمة، وكذا في رواية مسلم من جميع طرقه، ووقع في رواية سفيان التي تلي هذه في الأصل كالجمهور، وفي رواية الكُشْمِيْهَني كرواية عُقَيل.

(مَا أَذِنَ) بكسر المعجمة؛ أي كاستماعه (لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره بدون الألف واللام. وقال الحافظُ العسقلاني فإن كانت محفوظةً بالألف واللام فهي للجنس. ووهم من ظنَّها للعهدِ، وتوهَّم أنَّ المراد نبيَّنا صلى الله عليه وسلم فقال ما أذن للنَّبي صلى الله عليه وسلم، وشَرَحَه على ذلك.

وتعقَّبه العينيُّ بأن هذا الذي ذَكَرهُ هو عينُ الوهم، والأصل في الألف واللام أن تكون للعهد خصوصًا في المفرد، وعلى ما ذكره يفسدُ المعنى؛ لأنَّه يكون على هذا لم يأذنِ الله لنبيٍّ من الأنبياء ما أذنَ لجنس النَّبي، وهذا فاسدٌ، فليُتَأَمَّل.

(أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) كذا في رواية الكلِّ يعني بلفظة (( أن ) )، وفي رواية أبي الوقت بدون أن. وكذا أخرجه أبو نُعيم من وجه آخر، عن يحيى بن بُكير، شيخ البخاري فيه بدون أن.

وزعم ابنُ الجوزي أنَّ الصَّواب حذف أنْ، وأنَّ إثباتها وهمٌ من بعض الرُّواة؛ لأنَّهم كانوا يروون بالمعنى، فربَّما ظنَّ بعضُهم المساواة، فوقعَ في الخطأ؛ لأنَّ الحديث لو كان بلفظ أن؛ لكان من الإِذن، بكسر الهمزة وسكون الذال، بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مرادًا هنا، وإنما هو من الأَذَن، بفتحتين، وهو الاستماع تقول أَذِنت، بكسر الذال، آذنُ بالمدِّ، فإن أردتَ الإطلاق فالمصدرُ بكسر ثم سكون، وإن أردتَ الاستماع فالمصدرُ بفتحتين، قال عدي بن زيد

~أَيُّهَا الْقَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وَأَذَن

أي في سَمَاعٍ واسْتِمَاع.

وقال القرطبي أصل الأَذَن، بفتحتين، أنَّ المُسْتَمِعَ يميلُ بإذنه إلى جهة من يَسْمَعُه، وهذا المعنى في حقِّ الله تعالى لا يُرَادُ به ظاهره، وإنما هو على سبيل التَّوسع على ما جرى به عُرف التَّخاطب، والمراد به في حقِّ الله تعالى إكرام القارئ، وإجزالِ ثوابهِ؛ لأنَّ ذلك ثمرة الإصغاء.

ج 22 ص 121

ووقعَ عند مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة في هذا الحديث (( ما أذنَ لشيءٍ كأَذَنه ) )بفتحتين. ومثله عند ابن أبي داود من طريق محمدِ بن أبي حفصة، عن عَمرو بن دينار، عن أبي سلمة. وعند أحمد، وابن ماجه، والحاكم، وصحَّحه من حديث فَضَالة بن عُبيد الله (( أشدُّ إذنًا إلى الرجل الحَسَنِ الصَّوت بالقرآن من صاحب القيِّنة إلى قيِّنته ) ).

قال الحافظُ العسقلاني بعد ما نقل ذلك ومع ذلك كله، فليس ما أنكره ابنُ الجوزي بمنكر، بل موجَّه. وقد وقع عند مسلم في رواية أُخرى كذلك. ووجَّهها القاضي عياض بأنَّ المراد الحثُّ على ذلك والأمرُ به. وقد اختلفوا في معنى التَّغني؛ فعن الشافعي تحسينُ الصَّوت بالقرآن، ويؤيِّده قولُ ابنِ أبي مُليكة في «سنن أبي داود» إذا لم يكنْ حسنَ الصَّوت يُحَسِّنه ما استطاع. وقيل يستغني به كما سيجيء، وكذا وقع في رواية أحمد عن وكيع. وقيل يستغني به عن أخبار الأمم الماضية والكتب المتقدِّمة. وقيل معناه التَّشاغل به، والتغني عن غيره. وقيل ضدُّ الفقر، وقيل من لم يَرْتَحْ لقراءته واستماعه.

وقال الإمام أوضح الوجوه في تأويله من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانهِ، ولم يصدِّقْ بما فيه من وعدٍ ووعيدٍ فليس منَّا. ومن تأوَّل بهذا التأويل كَرِهَ القراءةَ بالألحان والتَّرجيع، روي ذلك عن أنس رضي الله عنه وسعيد بن المسيَّب والحسن وابن سيرين وسعيد بن جُبير والنَّخعيِّ وعبدِ الرَّحمن بن القاسم وعبد الرحمن بن الأسود، فيما ذكره ابنُ أبي شيبة في كتاب «الثواب» . وقال كانوا يكرهونها بتطريب، وهو قول مالكٍ، وممَّن قال المراد به تحسين الصَّوت والترجيع بقراءته والتَّغني بما شاء من الأصوات واللًّحون الشافعي وآخرون.

وذكر عمر بن شبَّة قال ذكرت لأبي عاصم النَّبيل تأويلَ ابنِ عُيينة الذي يُذْكَرُ عن قريب فقال ما يصنع ابن عيينة شيئًا، حدَّثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عُمير قال كان لداود عليه السلام معزفة يتغنَّى عليها، ويَبكي ويُبكي. كذا ذكره العيني.

وفي رواية الحافظ العسقلاني كان يتغنَّى؛ يعني حين يقرأ، ويَبكي ويُبكي. بدون ذكر المعزفة.

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان يقرأ الزَّبور بسبعين لحنًا، ويقرأ قراءة يَطْرَبُ منها المَحْمُومُ،

ج 22 ص 122

وكان إذا أراد أن يُبْكِيَ نَفْسَه لم تَبْقَ دابَّةٌ في بَرٍّ ولا بَحْرٍ إلَّا أَنْصَتَتْ له، واستَمَعَتْ فبَكَتْ. وسيأتي حديث [خ¦5048] (( إنَّ أبا موسى أُعْطِيَ مزمارًا من مزامير آل داود ) )في باب حُسن الصَّوت بالقراءة. ومن الحجَّة لهذا القول أيضًا حديثُ ابن مغفَّل في وصفِ قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه ثلاث مرَّات، وهذا غاية الترجيع، ذكره البخاري في الاعتصام [خ¦7540] .

وسئل الشَّافعي عن تأويل ابن عُيينة فقال نحن أعلمُ بهذا لو أراد الاستغناء لقال من لم يستغن بالقرآن، ولكن لمَّا قال (( من لم يتغنَّ بالقرآن ) )عَلِمْنَا أنه أراد به التَّغني، وكذلك فسَّره ابنُ أبي مُليكة أنَّه تحسين الصَّوت، وهو قولُ ابنِ المبارك والنَّضر بن شُميل.

وقد صرَّح بعضُهم بصحَّة مجيء تَغَنَّى بمعنى استغنى، واستشهدَ بقوله صلى الله عليه وسلم في الخيل (( ورجل ربطها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا ) ).

ولا خلاف في هذا أنَّه مصدر بمعنى الاستغناء، والمراد أنَّه يطلبُ الغنى بها عن النَّاس بقرينة قوله (( وتعفُّفًا ) )وسيجيءُ ما يتعلَّق بذلك إن شاء الله تعالى [خ¦5024] .

وممَّن أجاز الألحان في القراءة فيما ذكره الطَّبري عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان يقول لأبي موسى رضي الله عنه (( ذَكِّرْنا ربَّنا فيقرأُ أبو موسى ويتلاحنُ، وقال مرَّة من استطاعَ أن يُغَنِّي بالقرآن غناءَ أبي موسى فليفعلْ ) ). وكان عقبةُ بن عامر رضي الله عنه من أحسن النَّاس صوتًا بالقرآن، فقال له عمر رضي الله عنه اعرضْ عليَّ سورة كذا فقرأ عليه فبكى عمر رضي الله عنه، وقال ما كنت أظن أنها نزلت.

واختاره ابن عبَّاس وابن مسعود رضي الله عنهم. ورُوِيَ عن عطاء بن أبي رباح، واحتجَّ بحديث عبيد بن عُمير، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتتبَّع الصَّوت الحَسَن في المساجد في شهر رمضان. وذكر الطَّحاوي عن أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان. وقال محمدُ بن عبد الحكم رأيتُ أبي والشَّافعيَّ ويوسفَ بن عَمرو يسمعون القرآن بالألحان.

واحتجَّ الطَّبري لهذا القول، وأنَّ معنى الحديث تحسينُ الصَّوت بما روى سفيان، عن الزُّهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه (( ما أذن الله لشيءٍ ما أَذِنَ لِنَبيٍّ حَسَنِ التَّرنم بالقرآن ) ). وقال الطَّبري ومعقول أن الترنم لا يكون

ج 22 ص 123

إلَّا بالصَّوت إذا حسَّنه وطرب به. وقال أبو عُبيد القاسم بن سلام تُحْمَلُ الأحاديثُ التي جاءت في حُسْنِ الصوت على التحزُّن والتخويفِ والتَّشْوِيق.

وروى سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أيُّ الناس أحسن صوتًا بالقرآن؟ قال (( الذي إذا سمِعْتَه رأيْتَه خشي الله تعالى ) ).

وعند الآجري من حديث عبدِ الله بن جعفر، عن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن جابر يرفعه (( أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ حَسِبْتَه يخشى الله عز وجل ) )وسيجيء لهذا المبحث مزيد تفصيل إن شاء الله تعالى.

(وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ) أي لأبي سلمة (يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ) والصاحب المذكور هو عبد الحميد بنُ عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، بيَّنه الزُّبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث، أخرجه ابن أبي داود، عن محمد بن يحيى الذهلي في «الزُّهريات» من طريقه بلفظ (( ما أَذن الله لشيءٍ ما أذن لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن ) ). قال ابن شهابٍ أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة يتغنى بالقرآن يجهرُ به، فكأنَّ هذا التَّفسير لم يسمعْه ابنُ شهاب من أبي سلمة، وسَمِعَه من عبد الحميد، عنه، فكان تارةً يسمِّيه، وتارةً يبهمه، وقد أدْرَجَه عبد الرَّزاق عن معمر عنه.

قال الذُّهلي وهو غيرُ محفوظ في حديث مَعْمر، وقد رواهُ عبد الأعلى، عن مَعْمر بدون هذه الزِّيادة.

وقال الحافظُ العسقلاني وهي ثابتةٌ عن أبي سلمة من وجهٍ آخر أخرجَه مسلم من طريق الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه (( ما أَذن الله لشيءٍ كإِذْنه لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن يجهرُ به ) ). وكذا ثبت عنده من رواية محمد بن إبراهيم التَّيمي عن أبي سلمة.

وقال الطِّيبي إنَّها جملة مبيِّنة لقوله (( يتغنَّى بالقرآن ) )فلن يكون المبين على خلافِ البيان فيكون المعنى ما أذنَ الله لشيء؛ أي صوته فكيف يحملُ على غير حسن الصَّوت بالقرآن، على أنَّ الاستماع ينبو عن الاستغناء بنصرةِ الحديث المروي بلفظ (( ما أَذن لنبيٍّ حسن الصَّوت بالقرآن يجهرُ به ) ). انتهى.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وهو من أفراد البخاريِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت