5030 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخي، وسقط في نسخة قال (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفارسي المدني، نزيل إسكندرية (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعدي رضي الله عنه (أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي) أي لأكون لكَ زوجةً بلا مَهْرٍ، ففيه أنَّه ينعقدُ نكاحُه صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة من غير مَهْرٍ خصوصيةً له. وليس المرادُ حقيقةَ الهبة؛ لأنَّ الحرَّ لا يملك نفسه، وليس له تصرُّف فيها ببيعٍ ولا هبةٍ في شريعتنا.
(فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ) بتشديد العين؛ أي رفعه (إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ) بتشديد الواو بعدها موحدة؛ أي خفضَه. قال ابنُ العربي يحتملُ أن ذلك كان
ج 22 ص 145
قبل الحجاب، ويحتمل أن يكون بَعْدَه وهي متلففة، وأيًّا ما كان فإنَّه يدخلُ في باب نظر الرَّجل إلى المرأة المخطوبة.
(ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ) أي خفضهُ (فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ) صلى الله عليه وسلم (لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) ولم يقل فهبنيها؛ لأنَّ لفظ الهبة من خصائصهِ صلى الله عليه وسلم على مذهب الشَّافعي، وأمَّا على مذهبنا فالمراد من الهبةِ هنا هو أن يكون بلا مهرٍ كما سبق، وكلمة إنْ بمعنى إذ؛ لأنَّه لا يظن بالصَّحابي أن يسألَ في مثل هذا إلَّا بعد أن يعلمَ بقرينة الحال أنَّه لا حاجة له صلى الله عليه وسلم.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ) تصدقها (فَقَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ما عندي شيء (قَالَ) صلى الله عليه وسلم له (اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا) عندهم تصدقها إيَّاه (فَذَهَبَ) الرَّجل (ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) أي ولو كان الذي تجدُه خاتمًا من حديد. وفي رواية أبي ذرٍّ بالرفع، وقد مرَّ وجهه.
(فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالرفع أيضًا (وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي) أي أصدقها إياه (قَالَ) وفي رواية أبي الوقت بالفاء (سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ) هذا مدرج من كلام سهل (فَلَهَا نِصْفُهُ) يريد به أنَّ إزاره يكون بينهما (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ) بسكون السين (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) بسكون الفوقية؛ أي لبسته المرأة (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ) أي منه، وقيل إنَّما قال ذلك حين أراد الرجلُ قَطْعَه، ويُعطيها نِصْفَه.
(فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا) أي مدبرًا ذاهبًا معرضًا (فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ) بضم الدال على البناء للمفعول (فَلَمَّا جَاءَ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا) بالتِّكرار ثلاثًا (عَدَّهَا) وفي رواية
ج 22 ص 146
أبي ذرٍّ وقد مرَّ قريبًا تفسيرهنَّ.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ) وفي رواية أبي الوقت بالفاء (نَعَمْ، قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) كذا وقع هنا ملَّكْتُكَها، ورواية الأكثرين بلفظ . قال الدَّارقطني وهو الصَّواب. وجَمَعَ النَّوويُّ بأنَّه يحتمل صحة اللَّفظين، ويكون جرى له لفظ التَّزويج أولًا، ثم لفظ التَّمليك ثانيًا؛ أي لأنَّه ملك عصمتها بالتزويج السابق، فليس بوَهَم.
وفي الحديث فضيلةُ قراءة القرآن عن ظَهْر القَلْب. وقد صرَّح كثيرٌ من العلماء بأنَّ القراءة من المصحف نظرًا أفضل من القراءة عن ظهرِ القلب.
وأخرج أبو عُبيد في «فضائل القرآن» من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن، عن بعضِ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رَفَعَه قال (( فضلُ قراءة القرآن نظرًا على من يقرأ ظهرًا كفضل الفريضة على النَّافلة ) )، وإسنادُه ضعيفٌ. ومن طريق ابنِ مسعود رضي الله عنه موقوفًا (( أديموا النَّظرَ في المُصْحَف ) ). وإسناده صحيحٌ.
وروى زيدُ بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا (( أعطوا أعينكُم حظَّها من العبادة ) )قالوا يا رسول الله، وما حظَّها من العبادة؟ قال (( النَّظر في المصحف والتَّفكر فيه والاعتبار عند عجائبه ) ). وقال يزيدُ بن أبي حبيب (( من قرأَ القرآن في المصحفِ خُفِّفَ عن والِدَيهِ العَذابُ وإن كانا كافِرَين ) ). رواه ابن وضَّاح. وذلك المذكور من جهة النقل.
وأمَّا من حيث المعنى؛ فإن القراءة من المصحف أسلمُ من الغلط، لكن القراءة عن ظهرِ القلب أبعدُ من الرِّياء، وأمكنُ للخشوع.
قال الحافظُ العسقلاني فالذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. وقد أخرج ابنُ أبي داود بإسناد صحيحٍ عن أبي أُمامة رضي الله عنه (( اقرءوا القرآن، ولا يغرَّنكم هذه المصاحف المعلَّقة، فإنَّ الله لا يعذَّب قلبًا وعى القرآن ) ). وفيه أيضًا جوازُ الحَلْفِ من غَيرِ استحلافٍ وتزويج المعسر. وجواز النَّظر إلى امرأة يريد أن يتزوَّجها كما سبق.
ثمَّ إنَّ مطابقةَ الحديثِ للترجمة تُؤخذ من قوله (( أتقرؤهنَّ عن ظهرِ قلبك، قال نعم ) )فدلَّ على فضلِ القراءة عن ظهرِ القلب؛ لأنَّها أمكن في التَّوسل
ج 22 ص 147
إلى التَّعليم. وقال ابنُ كثير إن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدَّلالةَ على أن تلاوة القرآن عن ظهرِ قلب أفضلُ من تلاوتهِ نظرًا من المصحف؛ ففيه نَظَرٌ؛ لأنَّها قضية عين، فيحتملُ أن يكون الرجلُ كان لا يحسنُ الكتابة، وعَلِمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك، فلا يدلُّ ذلك على أنَّ التِّلاوة عن ظهرِ قلب أفضل في حقِّ من يحسن.
وأيضًا فإن سياق هذا الحديث إنَّما هو لاستثبات أنَّه يحفظُ تلك السور عن ظهرِ قلب؛ ليتمكن من تعْليْمِها لزوجته، وليس المرادُ أنَّ هذا أفضلُ من التَّلاوة نَظَرًا ولا عَدَمَه.
وأجاب عنه الحافظُ العسقلاني فقال ولا يرد على البخاري شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ المراد بقوله باب القراءة عن ظهرِ القلب مشروعيَّتها، أو استحبابها، والحديث مُطابقٌ لما ترجم به ولم يتعرَّض لكونهما أفضلُ من القراءة نظرًا.
وتعقَّبه العيني بأنَّه بعيدٌ جدًا، فكيف والباب مذكور في بيان فضائل القرآن، فكيف يقال ولم يتعرَّض لكونها أفضلُ من القراءة نظرًا، ولم يضع هذه الترجمة إلَّا لبيان أفضلية القراءة عن ظهر القلب على القراءة نَظَرًا وإن كان فيه الاستثبات أيضًا، وهو لا ينافي الأفضليَّة كما لا يخفى، فليُتَأمل.