5035 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي المِنْقَرِيُّ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح المهملة، الوضَّاح بن عبد الله اليشكُري الواسطي (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر، الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة إياس اليَشْكري الواسطي (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ) بفتح الصاد المهملة المشدَّدة، هو الذي كثرتْ فصوله من السُّور، وهي من الحُجُرات إلى آخر القرآن، على الصَّحيح من عشرة أقوال، وقد فسَّره سعيد بن جُبير
ج 22 ص 157
بقوله
(هُوَ الْمُحْكَمُ) وهو الذي ليس فيه منسوخٌ، ويُطلق المحكم على ضدِّ المتشابهِ في اصطلاح أهل الأصول، فهذا سعيد بن جُبير فسَّر المُفَصَّلَ بالمُحْكَمِ، وهذا يدلُّ على أن الضَّمير في قوله في الرِّواية الأخرى فقلتُ له وما المُحْكَمُ، لسعيد بن جُبير، وفاعل قلتُ هو أبو بشر، بخلاف ما يتبادر أن الضَّمير لابن عبَّاس، وفاعل قلتُ سعيد بن جُبير، ويحتمل أن يكون كلٌّ منهما سأل شيخه عن ذلك، والله تعالى أعلم، والمشهور أنَّ المرادَ بالمفصَّل السورُ التي كَثُرَتْ فصولُها كما تقدَّم.
(قَالَ) أي سعيدُ بن جبير (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (تُوُفِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ) قال الحافظُ العسقلاني ولعلَّ المصنِّف أشار بالترجمة إلى قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( سلوني عن التفسير فإني حفظت القرآن وأنا صغير ) ).
وقد استشكل القاضي عياض قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين ) )بما تقدَّم في (( الصلاة ) )من وَجْهٍ آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان في حجَّة الوداع ناهزَ الاحتلام [خ¦861] ، وسيأتي في الاستئذان من وجهٍ آخر [خ¦6300] [1] (( أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مات وأنا ختين وكانوا لا يخْتِنُون الرجل حتى يدركَ ) ). وعنه (( أنَّه كان عند موت النَّبي صلى الله عليه وسلم ابن خمس عشرة سنة ) ). وقال ابن حبَّان وهو أربع عشرة سنة، وكذلك عند البيهقيِّ وعنده أيضًا أنَّه قال قرأتُ المُحْكَمَ على عَهْدهِ صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثنتي عشرة.
وحكى الشَّافعي ست عشرة، وقال عَمرو بن علي الفَّلاس الصَّحيح عندنا أنَّه لما توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد استوفى ثلاثَ عشرة ودخل في أربع عشرة، وسبق إلى استشكال ذلك الإسماعيليُّ فقال حديث الزُّهري عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ يعني الذي مضى في الصَّلاة، يخالفُ هذا، وبالغَ الدَّاودي فقال حديث أبي بشر؛ يعني هذا الذي في هذا الباب، وهمٌ.
وأجاب القاضي عياض بأنَّه يحتمل أن يكون قوله (( وأنا ابن عشر سنين ) )راجعًا إلى حِفْظِ القرآن لا إلى وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم، ويكون تقدير الكلام توفي النَّبي صلى الله عليه وسلم وقد جَمَعْتُ المُحْكَمَ وأنا ابن عشر سنين ففيه تقديم وتأخيرٌ. انتهى.
وقال العيني الجملتان أعني (( وأنا ابن عشر سنين ) )، وقوله (( وقد قرأتُ المُحْكَم ) )وقعتا حالين والحال قيدٌ،
ج 22 ص 158
فكيف يقال فيه تقديم وتأخيرٌ، انتهى.
وقال الحافظُ العسقلاني والأصل فيه قول الزُّبير بن بكار وغيره من أهل النَّسب أن ولادة ابن عبَّاس رضي الله عنهما كانت قبل الهجرة بثلاث سنين وبنو هاشم في الشِّعب، وذلك قبل وفاة أبي طالبٍ، ويمكن الجَمْعُ بين مختلف الرِّوايات بأن يكون ناهزَ الاحتلام لما قارب ثلاث عشرة سنة، ثمَّ بلغ لما استكملَها ودخلَ في التي بعدها، وإطلاق خمس عشرة بالنَّظر إلى جبرِ الكسر، وإطلاق العشر بالنَّظر إلى إلغاء الكسر. انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّه لا كسر هنا حتى يُجْبَرَ أو يُلْغَى؛ لأنَّ الكسر على نوعين أصمَّ وهو الذي لا يمكن أن يُنْطَقَ به إلَّا بالجُزئيَّة كجزءٍ من أحدَ عشَر، وجزءٍ من تسعةٍ وعشرين، ومنطق وهو على أربعة أقسام مفرد وهو من النَّصْف إلى العُشْر، وهي الكسور التَّسعة، ومكرَّر كثلاثة أسباع، ومركَّب وهو الذي يذكر بالواو العاطفة كنصف وثلث وكربع وتسع، ومضاف كنِصْفِ عُشْر وثُلُثِ سُبُعٍ وثُمُنِ تُسْعٍ، وقد يتركَّبُ من المنطق والأصم كنِصْفِ جُزْءٍ من أحدَ عَشَر، والظَّاهر أن الصَّواب مع الدَّاودي، أنَّ رواية الباب وَهَمٌ. انتهى.
وأُجيب بأنَّ المراد بجبرِ الكسر وإلغائهِ في عبارة أهل الحديث ما زاد على السنة من الشُّهور، وما زادَ على عقد العشرة وغيرها من السِّنين فلمَّا لم يتفطَّن العيني لهذا الاصطلاح جنحَ إلى تفسير الكسرِ في اصطلاح أهل الحساب، وعلى تقدير تسليم ما صوَّبه من كلام الدَّاودي من أنَّ رواية عشر سنين وهم، فماذا يصنعُ في بقيَّة الاختلاف.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما قرأَ المُحْكَم من القرآن، وهو ابنُ عَشْر سنين، ويطلقُ عليه الصَّبي والغلام.
[1] في هامش الأصل في رواية أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عنه. منه.