5038 - (حَدَّثَنَا) ويروى بالإفراد [1] (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) هو عبدُ الله بن أيوب، وزاد أبو ذرٍّ توفي بهراة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقبرُه مشهور يزارُ ويُتَبَرَّكُ به، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا) هو عبدُ الله بن زيد، كما تقدم (يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ) بتنوين سورة وباللَّيل بالموحَّدة ظرف (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت (آيَةَ كَذَا وَكَذَا كُنْتُ أُنْسِيتُهَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول (مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) وقوله (( أنسيتها ) )تفسير لقوله (( أسقطتهنَّ ) )فكأنَّه قال أسقطتهنَّ نسيانًا لا عَمْدًا، وفي رواية مَعمر عن هشام عند الإسماعيلي (( كنت نَسيتها ) )بفتح النون ليس قبلها همزة، قال الإسماعيليُّ النسيان من النَّبي صلى الله عليه وسلم لشيءٍ من القرآن يكون على قسمين
أحدهما نسيانُه الذي يتذكره عن قربٍ، وذلك قائم بالطِّباع البشرية وعليه يدلُّ قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في السَّهو (( إنَّما أنا بشر مثلكم أَنْسى كما تَنْسَون ) ).
والثاني أن يرفعَه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى*إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى 6 - 7]
ج 22 ص 163
قال فأمَّا القسم الأول فعارضٌ سريع الزوال لظاهر قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر 9] . وأمَّا الثاني فداخلٌ في قوله تعالى {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة 106] على قراءة من قرأ بضم أوَّله من غير همز، وقد تقدَّم توجيهُ هذه القراءة وبيانُ من قرأ بها في تفسير سورة البقرة.
وفي الحديث حجَّة لمن أجاز النِّسيان على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدَّم تفصيله، وفيه أيضًا جوازُ رفع الصَّوت بالقراءة في اللَّيل وفي المسجد والدُّعاء لمن حصل من جهتهِ خير وإن لم يقصد المحصول منه ذلك، ثمَّ إنَّه قد اختَلَفَ السَّلفُ في نِسيان القرآن، فمنهم من جَعَلَ ذلك من الكبائر.
وأخرج أبو عبيد من طريق الضَّحَّاك بن مزاحم موقوفًا قال ما من أحدٍ تعلَّم القرآن ثمَّ نسيه إلَّا بذنب أحدثهُ؛ لأنَّ الله تعالى يقول {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى 30] ونسيان القرآن من أعظمِ المصائب، واحتجُّوا أيضًا بما أخرجه أبو داود والتِّرمذي من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا (( عُرِضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظمَ من سورةٍ من القرآن أوتيها الرَّجل ثمَّ نسيها ) ). وفي إسناده ضعفٌ. وقد أخرج ابنُ أبي داود من وجهٍ آخر مرسل نحوه ولفظُه (( أعظمَ من حامِلِ القرآنِ وتاركه ) ). ومن طريق أبي العالية موقوفًا كنَّا نعدُّ من أعظم الذُّنوب أن يتعلَّم الرجل القرآن ثمَّ ينامُ عنه حتى ينساه. وإسنادهُ جيد. ومن طريق ابن سيرين بإسنادٍ صحيحٍ في الذي ينسى القرآن؛ كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولًا شديدًا، وفي رواية أبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعًا (( من قرأ القرآن ثمَّ نسيه لقيَ الله وهو أجذم ) )، وفي إسناده أيضًا مقال، وقد قال به من الشافعية أبو المكارم الرُّوياني، واحتجَّ بأن الإعراضَ عن التِّلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانُه يدلُّ على عدم الاعتناء به والتَّهاون بأمره.
وقال القرطبي من حفظَ القرآن أو بعضَه فقد علَت رتبتُه بالنسبة إلى من لم يحفظه،
ج 22 ص 164
فإذا أخلَّ بهذه الرتبة الدِّينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يُعاقب على ذلك فإنَّ تَرْك معاهدة القرآن يفضي إلى الرُّجوع إلى الجهل، والرُّجوعُ إلى الجهل بَعْدَ العِلْمِ شديدٌ.
وقال إسحاق بن راهويه يُكْرَهُ للرَّجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن. واختُلِفَ في معنى أجذم فقيل مقطوع اليد، وقيل مقطوع الحجَّة، وقيل مقطوع السَّبب من الخير، وقيل خالي اليد من الخير وهي مُتقاربة.
وفيه أيضًا جواز قول المرء أسقطتُ آية كذا من سورة كذا إذا وقعَ ذلك منه، وقد أخرجَ ابن أبي داود من طريق أبي عبد الرحمن السُّلمي قال لا تقلْ أسقطتُ كذا بل قل أغفلتُ، وهو أدبٌ حسن وليس بواجب.
[1] في هامش الأصل في نسخة وفي رواية أبي الوقت حدثني بالإفراد.