5052 - (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابنُ إسماعيل المِنْقَري التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكُري (عَنْ مُغِيرَةَ) هو ابنُ مِقْسم،
ج 22 ص 182
بكسر الميم، الكوفي (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جَبْر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، أنَّه (قَالَ أَنْكَحَنِي أَبِي) عَمرو بن العاص؛ أي زوَّجَنِي، وهو محمولٌ على أنَّه كان المشير عليه بذلك، وإلَّا فعبدُ الله بن عَمروٍ حينئذٍ كان رجلًا كاملًا، ويُحْتَمَل أن يكون قامَ عنه بالصَّداق، أو زوَّجَه فضولًا وأجازه.
(امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ) أي شرف بالآباء، وفي رواية أحمد عن هُشيم، عن مُغيرة وحصين، عن مجاهد في هذا الحديث (( امرأة من قريش ) )، وأخرجَه النَّسائي من هذا الوجه، وهي أمُّ محمد بنت مَحْمِيَة، بفتح الميم وسكون المهملة وكسر الميم الثانية وفتح التحتانية الخفيفة، ابن جزء الزبيدي، حليف قريش، ذكرها الزُّبير وغيره.
(فَكَانَ) أي عَمرو (يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ) أي يتفقَّدها، والكَنَّة، بفتح الكاف وتشديد النون امرأة الابن (فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا) أي عن شأن زوجها، وهو عبدُ الله (فَتَقُولُ) أي الكَنَّة في الجواب (نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ) قال الكِرمانيُّ المخصوص بالمدح محذوفٌ، ثمَّ قال يحتمل أن يكون معناه نِعْمَ الرَّجلُ من بين الرِّجال، والنَّكرة في الإثبات قد يفيد العموم، كما قال الزَّمخشري في قوله تعالى {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير 14] وأن يكون من باب التَّجريد؛ كأنَّه جَرَّدَ من رَجلٍ موصوفٍ بكذا وكذا رَجُلًا، فقال نِعْمَ الرَّجلُ من كذا فلان صفته كذا. وقال المالكيُّ في «الشواهد» تضمَّن هذا الحديثُ وقوعَ التَّمييز بعد فاعل نعم ظاهرًا، وسيبويه لا يُجَوِّز أن يَقَعَ التَّمييزُ بعد فاعله إلَّا إذا أضمر الفاعل، وأجازه المبرِّد، وهو الصَّحيح.
(لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا) أي لم يضاجِعْنا حتى يطأَ فراشنا (وَلَمْ يُفَتِّشْ) بفاء مفتوحة ومثناة فوقية مُشَدَّدة مكسورة، كذا في رواية الأكثرين وهي رواية أحمد والنَّسائي، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بغين معجمة ساكنة بعد فتح آخره شين معجمة (لَنَا كَنَفًا) بفتح الكاف والنون بعدها فاء، وهو السَّتر والجانب (مُذْ) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت والأَصيلي (أَتَيْنَاهُ) وأرادتْ بذلك الكناية عن تركهِ لجماعها؛ لأنَّ عادة الرَّجل أن يُدْخِلَ يدَه في دواخلِ ثوب زوجتهِ.
ج 22 ص 183
وقال الكرمانيُّ يحتمل أن يكون المراد بالكُنُف الكَنِيف، وأرادتْ أنَّه لم يطعمْ عندها حتى يحتاجَ إلى أن يفتِّش عن موضعِ قضاء الحاجة.
قال الحافظُ العسقلاني والأوَّل أولى، وحاصلُ الكلام أنَّ هذه المرأة وصفته أولًا بقيام اللَّيل وصيام النهار، ثمَّ شَكَتْ عنه بأنَّه لم يضاجِعْها ولم يَطْعمْ شيئًا عندها، فحطَّ عليه أبوه عَمرو، ويؤيِّد ذلك ما جاء في رواية هُشَيم فأقبل عليٌّ يلومني فقال أنكحتُك امرأة من قريش ذات حسب فعَضَلْتَها وفَعَلْتَ، ثم انطلق إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فشَكَاني.
(فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ) أي على عمرو (ذَكَرَ) ذلك (لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكأنَّه تأنى في شكواهُ رجاء أن يتداركَ، فلمَّا تمادى على حاله خاف أن يلحقَه إثمٌ بتضييع حقِّ الزوجة، فشكاه (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص (الْقَنِي) بفتح القاف وكسر النون، من اللقاء (بِهِ) أي بابنك عبد الله، والمعنى اجتمعا عندي، قال عبد الله (فَلَقِيتُهُ) بكسر القاف؛ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقال صاحب «التوضيح» اختلفت الرِّواية كيف كان لقي النَّبي صلى الله عليه وسلم فقيل إنَّه صلى الله عليه وسلم أتاه، وقيل لقيه اتِّفاقًا، وفي رواية هُشَيْمٍ فأرسلَ إليَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويُجْمَعُ بينهما بأنَّه أرسل إليه أولًا ثمَّ لقيه اتِّفاقًا، فقال له (( اجتمع بي ) ).
(بَعْدُ) بالبناء على الضم لانقطاعه عن الإضافة؛ أي بعد ذلك (فَقَالَ) وفي رواية أبي الوقت أي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (كَيْفَ تَصُومُ؟ قَالَ) أي عبد الله، وفي رواية أبي ذرٍّ (كُلَّ يَوْمٍ) أي أصوم كل يوم (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟) أي القرآن (قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (كُلَّ لَيْلَةً) أي أختم كل ليلة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةً) من أيَّامه (وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ) أي ختمة (قَالَ) أي عبد الله (قُلْتُ) يا رسول الله (أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) وليس فيه مخالفة لأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه عَلِمَ أنَّ مرادَه صلى الله عليه وسلم تسهيلَ الأمْرِ وتخفيفَه عليه، وليس الأمر للإيجاب.
ج 22 ص 184
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ) قال عبد الله (قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا، قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) قال الدَّاودي هذا وَهَمٌ من الراوي؛ لأنَّ ثلاثة أيام من الجمعة أكثر من فطر يومين وصيام يوم، وهو إنما يريدُ تدريجه من الصِّيام القليل إلى الصِّيام الكثير، وكذا قال عبد الملك.
وقال الحافظُ العسقلاني وهو اعتراضٌ متَّجه، فلعلَّه وقع من الراوي فيه تقديم وتأخير، وقد سلمت رواية هُشيم من ذلك، فإن لفظه (( صم في كلِّ شهرٍ ثلاثة أيام ) )قلتُ إني أقوى من ذلك، فلم يزلْ يَرْفَعُنِي حتى قال (( صم يومًا وأفطر يومًا ) ).
(قَالَ صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ، صَوْمِ دَاوُدَ) عليه السلام (صِيَامَ يَوْمٍ) نصب بتقدير كان يصوم صيامَ يوم، والأولى أن يكون بدلًا من (( صوم داود ) )، أو رفع بتقدير هو صيام يوم (وَإِفْطَارَ يَوْمٍ) عطف عليه على الوجهين (وَاقْرَأْ) أي اختم القرآن (فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً) .
قال عبد الله (فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كذا وقع في هذه الرواية مختصرًا، وفي غيرها مراجعات كثيرة في ذلك، كما سنذكره إن شاء الله تعالى (وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ) بكسر الموحدة؛ أي سنًّا، وأما كبُرت، بالضم، ففي القَدْر (وَضَعُفْتُ، فَكَانَ) هذا قول مجاهد يصفُ صنيعَ عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما لما كَبِرَ، وقد وقع مصرَّحًا به في رواية هُشَيم (يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ) أي ممن تيسر منهم (السُّبْعَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالنَّهَارِ) بضم السين وسكون الموحدة، وإنَّما كان يصنع ذلك بالنهار ليستذكر ما يقرأ به في قيام الليل خشيةَ أن يكون خفي عليه شيء منه بالنِّسيان، وهذا معنى قوله
(وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ) أي يريد أن يقرأه باللَّيل (يَعْرِضُهُ) بكسر الراء (مِنَ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى) على الصِّيام (أَفْطَرَ أَيَّامًا، وَأَحْصَى) عدد أيَّام الإفطار (وَصَامَ) أيَّامًا (مِثْلَهُنَّ كَرَاهِيةَ) نصب على التَّعليل؛ أي لأجل كراهة (أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ) وكلمة أنْ مصدريَّة، ويُؤخذ من ذلك
ج 22 ص 185
أن الأفضلَ لمن أرادَ أن يصومَ صومَ داود عليه السلام أن يصومَ يومًا ويفطر يومًا دائمًا، ويؤخذ من صنيعِ عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما أنَّ من أفطرَ أكثر من ذلك وصام قدر ما أفطرَ أنَّه يجزئ عن صيامِ يوم وإفطار يومٍ.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ نفسه، وسقط ذلك في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت وابنِ عساكر (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) أي بعض الرُّواة (فِي ثَلاَثٍ وَفِي خَمْسٍ) أي اقرأه في كلِّ ثلاث ليالٍ، وفي خمس ليالٍ وفي رواية أبي ذرٍّ ، وفي رواية أبي الوقت بزيادة وسقطَ ذلك كلُّه في رواية النَّسفي، وكأنَّ المصنِّف أشار بذلك إلى رواية شعبةَ عن مغيرة بالإسناد المذكور فقال (( اقرأ القرآن في كلِّ شهرٍ، قال إني أطيقُ أكثر من ذلك، فما زالَ حتى قال في ثلاثٍ ) )فإنَّ الخمس يؤخذ منه بطريق التَّضمين.
وفي «مسند الدارمي» من طريق أبي فَرْوة، عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما قال قلت يا رسول الله، في كم أختمُ القرآن؟ قال (( اختمه في شهر ) )قلت إنِّي أطيق، قال (( اختمْه في خمس وعشرين ) )قلت إني أُطيق، قال (( اختمه في خمس عشرة ) )، قلت إنِّي أطيق قال (( اختمْه في خمس ) )قلت إنِّي أطيق، قال (( لا ) ).
وأبو فَرْوة هذا هو عروة بن الحارث الجهني، وهو كوفي ثقةٌ، ووقع في رواية هُشيم المذكورة قال (( فاقرأه في كلِّ شهرٍ ) )قلت إني أجدني أقوى من ذلك، قال (( فاقرأهُ في كلِّ عشرة أيام ) )، قلت إني أجدني أقوى من ذلك، قال أحدهما إمَّا حصين وإمَّا مغيرة قال (( فاقرأهُ في كلِّ ثلاث ) ).
وعند أبي داود والتِّرمذي مصحَّحًا من طريق يزيد بن عبد الله بن الشِّخير، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا (( لا يفقه من قرأَ القرآنَ في أقل من ثلاث ) )وشاهِدُهُ عند سعيد بن منصور بإسناد صحيحٍ من وجه آخر عن ابنِ مسعود رضي الله عنه (( اقرؤوا القرآنَ في سبعٍ ولا تقرؤوه في أقلَّ من ثلاث ) ).
وفي رواية أبي عُبيد من طريق الطَّيب بن سلمان، عن عَمرة، عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان لا يختمُ القرآن في أقل من ثلاث ) )، وهذا اختيارُ أحمد وأبي عُبيد وإسحاق بن راهويه
ج 22 ص 186
وغيرهم، وثبتَ عن كثير من السَّلف أنَّهم قرؤوا القرآن في دون ذلك.
قال النَّووي الاختيار أنَّه يختلفُ باختلاف الأشخاص، فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحبَّ له أن يقتصرَ على القدر الذي لا يختل به المقصود من التَّدبر، واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمَّات الدين، ومصالح المسلمين العامة يستحبُ له أن يقتصرَ منه على القدر الذي لا يختل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك الأولى له الاستكثار ما أمكنَه من غيرِ خروج إلى الملل أو الهذرمةِ، وسيجيءُ بيان من كان يختمُ في دون ثلاث [خ¦5054] ، والله تعالى أعلم.
(وَأَكْثَرُهُمْ) أي أكثر الرُّواة عن عبد الله بن عَمرو (عَلَى سَبْعٍ) أي سبع ليال، كأنَّه يشير إلى رواية أبي سلمة بن عبد الرَّحمن عن عبد الله بن عَمرو الموصولة عقب هذا، فإنَّ في آخره (( ولا تزد على ذلك ) )؛ أي لا تغير الحال المذكورة إلى حالةٍ أخرى، فأطلق الزِّيادة، والمراد النَّقص، والزِّيادة هنا بطريق التَّدلي؛ أي لا تقرأه في أقل من سبع.
وروى أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي من طريق وهب بن منبِّه، عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما أنَّه سألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في كم يقرأ القرآن؟ قال (( في أربعين يومًا ) )، ثمَّ قال (( في شهرٍ ) )، ثمَّ قال (( في عشرين ) )، ثمَّ قال (( في خمس عشرة ) )، ثمَّ قال (( في عشر ) )، ثمَّ قال (( في سبع ) )، ثمَّ لم ينزل عن سبع.
وهذا إن كان محفوظًا احتمل في الجمعِ بينه وبين رواية أبي فَرْوة تعدد القصَّة فلا مانع أن يتكرَّر قول النَّبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو ذلك تأكيدًا، ويؤيِّده الاختلاف الواقع في السياق، وكأنَّ النَّهي عن الزيادة ليس للتَّحريم كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعرف ذلك من قرائن الحال التي أرشدَ إليها السِّياق، وهو النَّظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال، أو في المآل.
وأغرب بعض الظَّاهرية وقال يحرمُ أن يقرأَ القرآن في أقل من ثلاث. وقال النَّووي أكثرُ العلماء على أنَّه
ج 22 ص 187
لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النَّشاط والقوَّة فعلى هذا يَختلفُ باختلاف الأحوال والأشخاص، والله تعالى أعلم، وقد سقط قوله في رواية غير الكُشْمِيْهَني.
ومطابقةُ الحديثِ للترجمةِ في قوله (( كيف تختم؟ ) )قال كل ليلة، وقد أخرجه النَّسائي في فضائل القرآن وفي الصوم.