فهرس الكتاب

الصفحة 7511 من 11127

5073 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس، أبو عبد الله التَّميمي اليربوعي الكوفي، وهو شيخ مسلم أيضًا، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين؛ أي ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري، أنَّه(سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ

ج 22 ص 238

يَقُولُ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ)بالظاء المعجمة الساكنة.

(التَّبَتُّلَ) أي اعتقاد مشروعيَّته؛ كأنَّه لما رآه عِبادةً وليس كذلك ردَّه عليه؛ لأنَّ كلَّ ما يفعله العبد تقربًا إلى الله تعالى بقصد أن يتوسلَّ به إلى رضي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس من الشَّرع فهو مردودٌ، فردَّ صلى الله عليه وسلم ما كان من ذلك خارجًا عن شرعهِ وسنَّته، ولم يأذنْ له، وقد أوردَه مسلم من طريق عقيل عن ابنِ شهاب بلفظ (( أرادَ عثمان بن مَظعون أن يتبتَّل فنهاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )فعرفَ أنَّ معنى قوله (( ردَّ على عثمان ) )أي لم يأذنْ له، بل نهاهُ عنه.

(وَلَوْ أَذِنَ) صلى الله عليه وسلم (لَهُ) أي لعثمان بن مَظعون رضي الله عنه في ترك النِّكاح (لاَخْتَصَيْنَا) أي لفَعَلْنا فِعْلَ من يختصي بأن نفعلَ ما يزيل الشَّهوة وهو الانقطاعُ عن النِّساء. وأخرج الطَّبراني من حديث عثمان بن مَظعون نفسِه أنَّه قال يا رسول الله، إني رجلٌ يشقُّ علي العزوبة، فأْذَنْ لي بالخصاءِ قال (( لا، ولكن عليك بالصِّيام ) ). ومن طريق سعيد بن العاص أنَّ عثمان قال يا رسول الله ائذن في الاختصاء، فقال (( إنَّ الله قد أبدلنَا بالرَّهبانيةِ الحنيفيَّةَ السَّمحةَ ) ).

فيُحتمل أن يكون الذي طلبَه عثمان رضي الله عنه هو الاختصاءُ حقيقة، فعبَّر عنه الرَّاوي بالتَّبتل، لأنَّه ينشأُ عنه فلذلك قال (( ولو أذن لنا لاختصينا ) ).

وقال الطَّبري التَّبتلُ الذي أراده عثمان بن مَظعون ومن وافقه تحريمُ النِّساءِ والطِّيبِ وكُلِّ ما يُلتذُّ به، فلهذا نزلَ في حقِّه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة 87] .

وقال الطِّيبي قوله (( ولو أذن له لاختصينَا ) )كأنَّ الظَّاهر أن يقول ولو أذن له لتبتَّلنا لكنَّه عدلَ عن هذا الظَّاهر إلى قوله (( لاختصينا ) )لإرادة المبالغة؛ أي لو أذنَ له لبالغنا في التَّبتل حتى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء، وكأنَّ التَّبتل من شريعة النَّصارى فنهى النَّبي صلى الله عليه وسلم أمَّته عنه ليكثر النَّسل

ج 22 ص 239

ويدوم الجهاد، ولم يرد به حقيقة الاختصاء؛ لأنَّه حرام.

وقال النَّووي إنَّ معناه لو أذنَ له في الانقطاعِ عن النِّساء وغيرهنَّ من ملاذ الدُّنيا لاختصينَا لدفع شهوة النِّساء لِيُمْكِننا التَّبتل قال وهذا محمولٌ على أنَّهم كانوا يظنُّون جواز الاختصاء باجتهادهم ولم يكن ظنُّهم هذا موافقًا، فإنَّ الاختصاء في الآدميِّ حرامٌ مطلقًا، وقيل إنَّه على ظاهرهِ، وكان ذلك قبل النَّهي عن الاختصاء.

قال الحافظُ العسقلاني ويؤيِّده تواردُ استئذانِ جماعةٍ من الصَّحابة النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في ذلك كأبي هريرة وابنِ مسعود رضي الله عنهما، وذكر أنَّ عثمان بن مظعون وعليًا وأبا ذرٍّ رضي الله عنهم همُّوا أن يختصوا ويتبتَّلوا فنهاهُم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ونزلتْ فيهم {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93] الآية.

قال وإنما كان التَّعبيرُ بالاختصاء أبلغَ من التَّعبير بالتَّبتل؛ لأنَّ وجودَ الآلة يقتضِي استمرارَ وجودِ الشَّهوة، ووجودُ الشَّهوة يُنافي المرادَ من التَّبتل، فيتعين الاختصاءُ طريقًا إلى تحصيلِ المطلوب [1] .

وغايتُه أنَّ فيه ألمًا عظيما في العاجل يُغْتَفَرُ في جَنْب ما يَنْدَفِعُ به في الآجل، وهو كقطعِ الأصبع إذا وقعت في اليد الآكلةُ صيانةً لبقيَّة اليد، وليس الهلاك بالخصاء محقَّقًا بل هو نادرٌ ويشهدُ له كثرةُ وجودهِ في البهائم مع بقائها.

وعلى هذا، فلعلَّ الرَّاوي عبَّر بالخصاء عن الجَبِّ؛ لأنَّه هو الذي يُحَصِّلُ المَقْصُودَ، ثمَّ الحكمة في منعهم من الاختصاء إرادةُ تكثيرِ النَّسل ليستمرَّ جهادُ الكفَّار كما تقدَّم، وإلَّا لو أَذِنَ في ذلك لأوشك تواردهم عليه فينقطعُ النَّسل فيقل المسلمون بانقطاعهِ، ويكثر الكفَّار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمديَّة.

ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه في النِّكاح.

[1] في هامش الأصل وفي هذا جواب عمَّا أورده القرطبي من أينَ يلزمُ من جواز التَّبتل عن النساء جوازُ الخصاء وهو قطعُ عضوين بهما قوام النَّسل، وفيه ألمٌ عظيم لأنَّه ربما يفضِي إلى الهلاك، وهو محرمٌ بالاتفاق، وأجابَ عنه بأن ذلك لازمٌ من حيث إنَّ مُطلق التَّبتل يتضمَّنه. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت