فهرس الكتاب

الصفحة 7514 من 11127

5076 - (وَقَالَ أَصْبَغُ) بفتح الهمزة والموحَّدة وإسكان المهملة بينهما وبالغين المعجمة، هو ابنُ الفرج، بالجيم، القرشيُّ، ورَّاقُ عبدِ الله بن وهب. قال العينيُّ كذا في عامَّة الأصول (( قال أصبغ ) )وكذا ذكره أبو مسعود في «الأطراف» وخَلَف، وخالفَ ذلك الحافظان أبو نُعَيْم والطَّرْقِي، فقالا رواه البخاري عن أصبغ، ولئن سلَّمنا صحة ما وقع في الأصول وأنَّه رواه عنه معلَّقًا، فقد رواه الإسماعيلي حدثنا الرَّمادي حدثنا أصبغ أخبرني ابنُ وهب، وقد وقع في كتاب الطَّرَقي رواه البخاريُّ عن أصبغ بن محمد، وهو غير صحيحٍ؛ لأنَّه ليس للبخاري شيخٌ اسمه أصبغ بن محمد. وقال الحافظُ العسقلاني وكلام أبي نُعيم في «المستخرج» يُشْعِرُ بأنَّه قال فيه حدَّثنا، وقد وصلَه جعفرُ الفريابي في كتاب «القدر» والجَوْزقي في «الجمع بين الصحيحين» ، والإسماعيلي من طُرُق عن أصبغ، وأخرجه أبو نُعيم من طريق حَرْملةَ، عن ابن وهب.

(أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبدُ الله (عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني وكذا في رواية حرملة (عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ) بفتح النون وبالمثناة الفوقية، وهو الزِّنا هنا، ويُطلق أيضًا على الإثم والفجور والمكروه. وقال العينيُّ وهو الحملُ على المكروه، وقد عَنِت يَعْنَت، من باب عَلِمَ يَعْلَمُ اكتسب إثمًا، والعَنَتُ الفجور والزِّنا، وكلُّ أمرٍ شاقٍّ ذَكَرَه في «المنتهى» . وفي «التهذيب» الإعناتُ تكليفُ غير الطَّاقة. وقال ابنُ الأنباري أصلُ العنت الشِّدَّة.

(وَلاَ أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ) وزاد

ج 22 ص 244

في رواية حرملة (( فائذن لي أَخْتَصي ) )وبهذا يرتفعُ الإشكال في مطابقة الجواب السُّؤال (فَسَكَتَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ) أي نفذ المقدورُ بما كُتِبَ في اللَّوح المحفوظ، فبقي القلمُ الذي كُتِبَ به جافًا لا مداد فيه لفراغ ما كُتِبَ به فيه. قال القاضي عياض كتابةُ الله ولوحُهِ وقلمُهِ من غيبِ عِلْمِهِ الذي نُؤمن به ونَكِلَ عِلْمَه إليه تعالى (فَاخْتَصِ) بكسر الصاد المهملة المخففة، أمرٌ من الاختصاء (عَلَى ذَلِكَ) أي حال استعلائك على العِلْم بأنَّ كلَّ شيءٍ بقضاء الله وقدرهِ، فالجار والمجرور مُتَعَلِّق بمحذوف (أَوْ ذَرْ) أمرٌ من يذر؛ أي اترك. وقال الصَّرْفيُّون أماتوا ماضي يدع ويذر لكنَّه قد جاء ماضي يدع في قوله تعالى {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} [الضحى 3] قرئ بالتخفيف، وفي رواية الطَّبراني وحكاها الحُمَيدي، ووقعت في «المصابيح» (( فاقتصرْ على ذلك أو ذرْ ) ).

وقال القاضي البيضاوي المعنى أنَّ الاقتصار على التَّقدير والتَّسليم له وتركه والإعراض عنه سواء، فإن ما قُدِّرَ لك من خيرٍ أو شرٍّ فهو لا محالةَ يأتيك، وما لم يُكْتَب فلا طريقَ لك إلى حُصولهِ لك. وقال الطِّيبي معناه اقتصرْ على الذي أمرتُك به، أو اتركه وافعل ما ذكرتَ من الخِصاء. انتهى.

وقيل معناه قد سبقَ في قضاء الله تعالى جميعُ ما يصدرُ عنك ويلاقيك، فاقتصرْ على ذلك فإنَّ الأمورَ مُقَدَّرة أو دَعْه فلا تَخُضْ فيه.

وأمَّا اللَّفظ الذي وقع في الأصل فمعناه فافعلْ ما ذكرتَ، أو اتركْه واتَّبع ما أمرتُك به، وعلى الرِّوايتين، فليس الأمرُ فيه لطلبِ الفعل بل هو للتَّهديد، كقوله تعالى {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف 29] .

والمعنى إن فعلتَ أو لم تفعلْ فلا بدَّ من نفوذ القَدَرِ وليس فيه تعرُّض لحُكْم الخِصاء.

ومحصَّل الجواب أنَّ جميع الأمور بتقديرِ الله تعالى في الأزل؛ فالخصاءُ وتركُه سواء، فإنَّ الذي قُدِّر لا بدَّ أن يَقَعَ، وليس ذلك إذنًا في الخِصاء بل فيه إشارة إلى النَّهي عن ذلك كأنَّه قال إذا عَلِمْتَ أن كلَّ شيءٍ بقضاء الله تعالى، فلا فائدةَ في الاختصاء، وقد تقدَّم

ج 22 ص 245

أنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عثمان بن مظعون رضي الله عنه لما استأذنه في ذلك، وكانت وفاتُه قبل هجرة أبي هريرة رضي الله عنه بمدَّة.

وأخرج الطَّبراني من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال شكا رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العزوبة فقال ألا أختصِي؟ قال (( ليس منَّا من خَصَى أو اخْتَصَى ) ). وفي الحديث ذمُّ الاختصاء، وقد تقدَّم ما فيه، وأنَّ القدر إذا نَفَذَ لا تَنْفَعُ الحِيَلُ، وفيه مشروعيةُ شكوى الشَّخص ما يقع له للكبير ولو كان يُسْتَهجنُ ويُستقبح.

وفيه إشارةٌ إلى أنَّ مَن لم يجد الصَّداق لا يتعرَّض للتزويج، وفيه جوازُ تكرار الشَّكوى إلى ثلاث، والجواب لمن لا يقتنعُ بالسُّكوت، وجواز السُّكوت عن الجواب لمن يظنُّ به أنَّه يفهم المراد من مجرَّد السُّكوت، وفيه استحبابُ أن يقدِّم طالبُ الحاجة بين يدي حاجتهِ عذرَه في السُّؤال.

وقال الشَّيخ أبو محمد بن أبي جمرة ويؤخذُ منه أنَّه مهما أمكن المكلَّفُ عَمَلَ شيءٍ من الأسباب المشروعة لا يتوكَّل إلَّا بعد عَمَلِها لئلا يخالف الحِكْمَة، فإذا لم يقدر عليه وَطَّنَ نفسه على الرِّضا بما قدَّره عليه مَولاه، ولا يتكلَّف من الأسباب ما لا طاقةَ له به، وفيه أنَّ الأسباب إذا لم تصادف القَدَر لا تُجْدِي.

فإن قيل لِمَ لَمْ يُؤْمَرْ أبو هريرة رضي الله عنه بالصِّيام لكسر شهوته كما أُمْرَ غيرُه؟ فالجواب أن أبا هريرة رضي الله عنه كان الغالبُ من حاله ملازمةَ الصِّيام؛ لأنَّه كان من أهل الصُّفة، ويحتمل أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه سَمِعَ (( يا معشرَ الشَّباب من استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوجْ ) )الحديث، لكنَّه إنما سأل عن ذلك في حال الغزو، كما وقعَ لابن مسعود رضي الله عنه، وكانوا في حالِ الغزو يؤثرون الفطر على الصِّيام للتَّقَوِّي على القِتال فأدَّاه اجتهادُه في حَسْمِ مادَّةِ الشَّهوة إلى الاختصاء كما ظهرَ لعثمان، فمنعَه صلى الله عليه وسلم من ذلك، وإنما لم يُرْشِدْه إلى المُتْعَةِ التي رخَّص فيها لغيره؛ لأنَّه ذكر أنَّه لا يجد شيئًا، ومن لم يجد شيئًا أصلًا لا ثوبًا ولا غيره فكيف يستمتعُ، والتي يستمتعُ بها لا بدَّ لها من شيء.

ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وهو من أفراده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت