فهرس الكتاب

الصفحة 7513 من 11127

5075 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخي، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابنُ أبي خالد البجلي (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازم، أنَّه (قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ مسعود رضي الله عنه، وقد تقدم قبلُ بِبابٍ من وَجْهٍ آخر عن إسماعيل بلفظ عن ابن مسعود، ووقع عند الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير بلفظ سمعتُ عبد الله، وكذا في رواية مسلم من وجه آخر عن إسماعيل (كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ) أي من المال (فَقُلْنَا أَلاَ نَسْتَخْصِي) أي ألا نستدعي من يفعلُ بنا الخِصَاء، أو نعالج ذلك بأنفسنا (فَنَهَانَا) صلى الله عليه وسلم (عَنْ ذَلِكَ) وهو نهيُ تحريم بلا خلافٍ في بني آدم لما تقدَّم. وفيه أيضًا من المفاسد تعذيبُ النَّفس والتَّشويهُ، مع إدخال الضَّرر الذي قد يُفضي إلى الهلاك، وفيه إبطالُ معنى الرُّجولية، وتغييرُ خلق الله وكفرُ النِّعمة؛ لأنَّ خَلْقَ الشَّخصِ رجلًا من النِّعم العظيمة، فإذا أزالَ ذلك فقد تشبَّه بالمرأة، واختار النَّقص على الكمال.

قال القرطبي الخِصاءُ في غير بني آدم من الحيوان ممنوعٌ إلَّا لمنفعة حاصلة في ذلك كتطييبِ اللَّحم أو قَطْع ضَرَرٍ عنه. وقال النَّووي يحرمُ خصاء الحيوان الغير المأكول مطلقًا، وأمَّا المأكول فيجوز في صَغيره دون كبيره.

قال الحافظُ العسقلاني وما أظنَّه يدفع ما ذكره القرطبيُّ من إباحةِ ذلك في الحيوان الكبير عند إزالة الضَّرر.

(ثُمَّ رَخَّصَ) صلى الله عليه وسلم (لَنَا) وفي تفسير

ج 22 ص 241

المائدة (( ثمَّ رخَّص لنا بعد ذلك ) ) [خ¦4615] (أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ) أي إلى أجل، وهذا نكاحُ المتعة، وهذا يدلُّ على أنَّ ابنَ مسعود رضي الله عنه يرى جَوازَ المتعة. وقال القرطبي لعلَّه لم يكن حينئذٍ بلغه النَّاسخ ثمَّ بلغَ فرَجَعَ، ويؤيِّده ما ذكر الإسماعيلي أنَّه وقع في رواية أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد (( فَفَعَلْنَا، ثمَّ تَرَكَ ذلك ) )، وفي روايةٍ لابن عُيينة عن إسماعيل (( ثمَّ جاء تحريمُها بعدُ ) )، وفي رواية مَعْمَرٍ، عن إسماعيل (( ثم نسخ ) ).

(ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا) أي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما في رواية مسلم حيث قال ثمَّ قرأ علينا عبد الله، وكذا وقع عند الإسماعيليِّ في تفسير المائدة ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} ) أي ما طابَ ولذَّ من الحلال، ومعنى {لا تُحَرِّمُوا} لا تَمْنَعوها أنفسَكُم كمَنْعِ التَّحريم، أو لا تقولوا حَرَّمناها على أنفسنَا مبالغةً منكم في العَزمِ على تَرْكِها تزهدًا منكم وتَقَشُّفًا.

وروى الواحديُّ في «أسباب النزول» من رواية عثمان بن سعد، عن عكرمةَ، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ رجلًا أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال إنِّي إذا أكلت من هذا اللَّحم انتشرتُ إلى النِّساء، وإنِّي حرَّمتُ علي اللَّحم، فنزلت {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة 87] . فعلى هذا، لا يجوزُ لأحدٍ من المسلمين تحريمُ شيءٍ ممَّا أحلَّ الله لعباده المؤمنين على نفسهِ من طيِّبات المطاعمِ والملابس والمناكح إذا خاف على نفسهِ بإحلال ذلك لها بعض المشقَّة، أو آمنه ولا فضلَ في ترك شيءٍ ممَّا أحلَّه الله تعالى لعبادهِ، والفضل والبر في فعلِ ما نَدَبَ الله عبادهُ إليه وعَمِلَ به رسولُه، وسنَّه لأمَّته، وتبعَه على هذا المنهاج الأئمة الرَّاشدون، فإذا كان كذلك، تبيَّن خطأُ مَن آثرَ لباسَ الشَّعر والصُّوف على لِباس القُطنِ والكِتان إذا قدرِ على لبس ذلك من حِلِّه، وآَثرَ أَكْلَ الفول والعدس على أَكْلِ خُبْزِ البر والشَّعير، وتَرَكَ أَكْلَ اللَّحم والوَدَك حَذَرًا من عارضِ الحاجة إلى النِّساء،

ج 22 ص 242

والأولى بالأجسام إصلاحُها لتعينه على طاعةِ ربِّه، ولا شيءَ أضرَّ للجسم من المطاعمِ الرديَّة؛ لأنَّها مفسدة لعقلهِ ومضعفة لما جعلَه الله سببًا إلى طاعتهِ، ومن ذلك التَّبتل والترهُّب لأنَّه داخلٌ في معنى الآية المذكورة.

وقال المهلَّب إنما نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك من أجل أنَّه مكاثر بهم الأمم يوم القيامة وإنَّه في الدنيا يقاتلُ بهم طوائف الكفَّار، وفي آخر الزَّمان يقاتلون الدَّجال، فأرادَ صلى الله عليه وسلم أن يُكْثِرَ النَّسل، ولا التفاتَ إلى ما روى (( خيركُم بعد المائتين الخفيفُ الحاذُّ الذي لا أهلَ له ولا ولد ) )فإنَّه ضعيفٌ بل موضوعٌ، وكذلك قول حذيفة (( إذا كان سنة خمسين ومئة، فلأن يربِّي أحدُكم جرو كلبٍ خيرٌ له من أن يربِّي ولدًا ) ).

هذا، وعن ابن مسعود رضي الله عنه (( أنَّ رجلًا قال له إنِّي حرَّمت علي الفراش، فتلا هذه الآية وقال نمْ على فراشِكَ وكفِّر عن يمينك ) ). ودعِي الحسنُ إلى طعامٍ ومعه فرقد السَّبخي وأصحابه فقعدوا على المائدةِ وعليها ألوان من الدَّجاج المسمَّن والفالوذج وغير ذلك، فاعتزلَ فرقد ناحيةً فسأل الحسن أهو صائمٌ؟ قالوا لا، ولكنَّه يكرهُ هذه الألوان، فأقبلَ الحسن عليه، وقال يا فرقدُ، أترى لعاب النَّحل بلعاب البر بخالصِ السَّمن يعيبُه مُسْلِمٌ.

هذا وآخر الآية {وَلَا تَعْتَدُوا} [المائدة 87] أي لا تتجاوزوا الحدَّ الذي حُدَّ عليكم في تحليل، أو تحريم، أو ولا تعتدوا حدودَ ما أحلَّ الله لكم إلى ما حرَّم عليكم {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة 87] حدوده.

قال الرَّاغب لما ذكر الله تعالى حال الذين قالوا إنَّا نصارى، ذَكَرَ أنَّ منهم قسِّيسين ورهبانًا فمَدَحَهم بذلك، وكانت الرَّهابنة قد حرَّموا على أنفسهم طيِّبات ما أحلَّ اللهُ لهم، ورأى الله تعالى قومًا تشوَّقوا إلى حالهم، وهمُّوا أن يقتدوا بهم نهاهم عن ذلك.

فإن قيل لِمَ لِمَ يَقُلْ والله يبغضُ المعتدين؛ ليكون أبلغ؟ فالجواب أن يقال بل الأبلغ هو المذكور؛ لأنَّ من المعتدين من لا يوصفُ

ج 22 ص 243

بأنَّ الله يبغضُه، ويوصف بأنَّ الله لا يحبُّه، وهو من لم يكن اعتداؤه كثيرًا.

ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت