5081 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سَعْد الإمام (عَنْ يَزِيدَ) هو ابنُ أبي حَبِيب، بفتح المهملة وكسر الموحدة (عَنْ عِرَاكٍ) بكسر المهملة وتخفيف الراء، هو ابنُ مالك الغفاري، تابعيٌّ شهيرٌ (عَنْ عُرْوَةَ) هو ابنُ الزُّبير بن العوام رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ عَائِشَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنهما قيل كلمة إلى بمعنى من، والأولى أن تكون على معناها؛ أي للغاية؛ أي أَنْهَى خطبتَها إلى أبي بكر رضي الله عنه كما في قولهم أحمدُ إليك الله؛ أي أُنْهِي حَمْدَه إليك.
(فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ) حصر مخصوص بالنسبة إلى تحريمِ نكاح بنت الأخ (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له في الجواب (أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ) إشارة إلى قوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات 10] ونحو ذلك، وقوله (وَهيَ) أي عائشة (لِي حَلاَلٌ) معناه وهي مع كونها بنت أخي في الدِّين يحلُّ لي نكاحها؛ لأنَّ الأخوةَ المانعة من ذلك أخوةُ النَّسب والرَّضاع لا أخوَّة الدين.
قال العينيُّ كأنَّ أبا بكر رضي الله عنه اعتقدَ أنَّه لا يحلُّ له أن يتزوَّج ابنته للمؤاخاة والخُلَّة التي كانت بينهما فأَعْلَمَه صلى الله عليه وسلم أنَّ أخوةَ الإسلام ليست كأخوَّة النَّسب والولادة، فقال إنها لي حلالٌ بوحي الله تعالى، كما قال إبراهيم عليه السلام للذي أرادَ أن يأخذَ منه زوجته هي أختي؛ يعني في الإيمان؛ لأنَّه لم يكن أحدٌ مؤمنًا غيرَهما في ذلك الوقت.
واعترض صاحب «التلويح» هنا بوجهين
أحدهما أنَّ الخلَّة لأبي بكر رضي الله عنه إنَّما كانت في المدينة، والخطبة إنما كانت بمكَّة فكيف يلتئم قوله في هذا.
والآخر أنَّه صلى الله عليه وسلم ما باشرَ الخطبة بنفسه، لما ذكر ابنُ أبي عاصم من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة رضي الله عنها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أرسلَ خولةَ بنت حكيم امرأةَ عثمان بن مَظعون رضي الله عنه يَخْطُبها، فقال لها أبو بكر رضي الله عنه وهل تَصْلُحُ له إنما هي ابنة أخيه، فرجعتْ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكرتْ ذلك له فقال ارجعِي وقولي له أنت أخي في الإسلام وابنتُك تصلحُ لي فأتتْ أبا بكرٍ، فذكرتْ له فقال ادعي لي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فجاء فأنكحَه. انتهى.
والجواب عن الأول أنَّه لا مانعَ أنَّ الخلَّة إنما كانت في مكَّة، ولكن ما ظهرت إلَّا بالمدينة، وعن الثاني يحتمل أنَّه صلى الله عليه وسلم جاءَ إلى أبي بكر رضي الله عنه وخطبَ بنفسه فوقع بينهما ما ذُكِرَ في الحديث ثمَّ إنَّه لما علم حقيقة الأمر أنكحَها من النَّبي صلى الله عليه وسلم.
هذا، وقال ابن بطَّال أَجْمَعَ العلماءُ على أنَّه يجوز للآباء تزويجُ الصِّغار من بناتهم، وإن كنَّ في المَهْد إلَّا أنَّه لا يجوز لأزواجهنَّ البناء إلَّا إذا صَلُحْنَ للوطء واحتملنَ الرجال، وأحوالُهنَّ في ذلك تَخْتَلِفُ في قَدْر خلقتهنَّ وطاقتهنَّ.
واختَلَفَ العلماء في تزويج غير الآباء اليتيمةَ، فقال ابنُ أبي ليلى ومالك واللَّيث والثَّوري والشَّافعي وابن الماجشون وأبو ثور ليس لغير الأب أن يزوِّج اليتيمة الصَّغيرة فإن فَعَلَ فالنِّكاح باطلٌ، وحكى ابن المنذر عن مالك أنَّه قال يزوج القاضي الصَّغيرةَ دون الأولياء، ووصي الأب والجدِّ عند الشَّافعي عند
ج 22 ص 255
عدم الأب كالأب.
وقالت طائفةٌ إذا زوَّج الصَّغيرةَ غيرُ الأب من الأولياء فلها الخيار إذا بلغتْ، يُروى هذا عن عطاء والحسن وطاوس، وهو قول الأوزاعيِّ وأبي حنيفة ومحمد إلَّا أنَّهما جَعَلا الجدَّ كالأَبِ لا خيار في تزويجه. وقال أبو يوسف لا خيارَ لها في جميع الأولياء. وقال أحمدُ لا أرى للولي ولا للقاضِي أن يزوِّج اليتيمةَ حتى تبلغَ تسع سنين، فإذا بلغت ورضيتْ فلا خيار لها.
ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم تزوَّج عائشة رضي الله عنها وهي صغيرة وكان عُمُرها ستَ سنين. واعترضَ الإسماعيلي هنا بوجهين
الأول أنَّه ليس في الرِّواية ما ترجمَ به الباب وصِغر عائشة رضي الله عنها من كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم معلومٌ من غير هذا الخبر.
والثاني أنَّه مرسلٌ فإن كان مثل هذا يدخل في الصَّحيح فيلزمه في غيره من المراسيل.
وأجاب الحافظُ العسقلاني عن الأوَّل بأنَّه يمكن أن يؤخذَ من قول أبي بكر رضي الله عنه (( إنما أنا أخوك ) )فإنَّ الغالب في بنت الأخ أن تكون أصغرَ من عمِّها، وأيضًا فيكفِي ما ذُكِرَ في مطابقةِ الحديث للترجمة، ولو كان معلومًا من خارج.
وعن الثاني بأنَّه وإن كان صورتُه صورةَ الإرسال لكنَّه من رواية عروة في قصَّة وقعتْ لخالته عائشة رضي الله عنها وجدِّه لأمِّه أبي بكر رضي الله عنه، فالظَّاهر أنَّه حَمَلَ ذلك عن خالته عائشةَ أو عن أمِّه أسماء بنت أبي بكر، ويدلُّ على ذلك أن أبا الطَّرْقي ذكره في كتابه مسندًا عن عراك، عن عروة، عن عائشة، وعروة لقيَ عائشةَ وغيرَها من نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قال ابنُ عبد البر إذا عُلِمَ لقاءُ الرَّاوي بمن أَخْبَرَ عنه ولم يكن مدلسًا حُمِلَ ذلك على سماعهِ ممَّن أخبر عنه ولو لم يأت بصيغة تدلُّ عليه.
ومن أمثلة ذلك روايةُ مالك، عن ابن شهابٍ، عن عروة في قصَّة سالم مولى أبي حذيفة قال ابنُ عبد البر هذا يَدخل في المسند للقاءِ عروة بسهلة زوج أبي حذيفة.
وأمَّا الإلزام فالجواب عنه
ج 22 ص 256
أنَّ القصَّةَ المذكورةَ لا تشتملُ على حكم متأصِّل فوقع فيها التَّساهل في صريح الاتصال، فلا يلزم من ذلك إيرادُ جميع المراسيل في الكتاب الصَّحيح، نعم، الجمهورُ على أنَّ السِّياقَ المذكورَ مرسَلٌ، وقد صرَّح بذلك الدَّارقطنيُّ وأبو مسعود وأبو نُعيم والحُميديُّ، والله تعالى أعلم.