5088 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة
ج 22 ص 275
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ) اسمه مِهْشَمٌ، على المشهور، وقيل هاشم، وقيل هُشَيم، وقيل غير ذلك، وهو خال معاوية بن سفيان (ابْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ) القرشي العبشمي، وكان من فضلاء الصَّحابة من المهاجرين الأوَّلين صلَّى القبلتين وهاجرَ الهجرتين (وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا) والمشاهد كلَّها (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقُتِلَ يوم اليمامة شهيدًا، وهو ابنُ ثلاث أو أربع وخمسين سنة.
(تَبَنَّى سَالِمًا) أي اتخذه ولدًا، وسالمٌ هو ابنُ مَعْقِل، بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف وآخره لام؛ يُكَنَّى أبا عبد الله، مولى أبي حذيفة، ولم يكن مولاه، وإنما كان يلازمه بل كان من حُلفائه، كما وقع في روايةٍ لمسلم. وقال أبو عُمر هو من أهل فارس من اصطخر. وقيل إنَّه من عجمِ الفرس من ترمذ، وكان من فُضَلاء الموالي، ومن خيار الصَّحابة وكبارهم، وهو معدودٌ في المهاجرين وفي الأنصار أيضًا لعتق مولاتهِ الأنصارية. فقال أبو عمر شهد سالمٌ بدرًا وقُتِلَ يوم اليمامة شهيدًا، هو ومولاه أبو حذيفة، فوُجِدَ رأسُ أحدهما عند رجلي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة من الهجرة.
(وَأَنْكَحَهُ) أي زوَّجه (بِنْتَ أَخِيهِ) بفتح الهمزة وكسر الخاء، هو الصَّحيح، وحكى ابن التِّين أن في بعض الروايات بضم الهمزة وسكون الخاء ثم مثناة، وهو غلط (هِنْدَ) غير منصرف للعلمية والتأنيث، وفي رواية أبي الوقت وأبي ذرٍّ بالصرف، فهند يجوز صرفها كذا في هذه الرواية، ووقع عند مالك فاطمة، فلعلَّ لها اسمين (بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) والوليد بن عتبة أحدُ من قُتِلَ ببدر كافرًا (وَهْوَ) أي سالم (مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ) اسمها ثُبَيْتَة، بضم المثلثة وفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح المثناة الفوقية، بنت يَعَار، بفتح التحتية وتخفيف العين المهملة وبعد الألف راء، هو ابنُ زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف الأنصارية، زوجة أبي حذيفة المذكور، وكانت من المهاجرات الأُول، ومن فضلاء
ج 22 ص 276
نساء الصَّحابة، وهي مولاةُ سالم بن مَعْقِل المذكور أعتقتْه سائبة، فوالى سالمٌ أبا حذيفة، فلذلك يقال له سالم مولى أبي حذيفة. وقال أبو طَوَالة اسم هذه المرأة من الأنصار عَمْرة بنتُ يَعَار الأنصاريَّة. وقال ابنُ إسحاق اسمُها سلمى بنتُ يعار، والصَّحيح هو الأول.
(كَمَا تَبَنَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا) أي كما اتَّخذ صلى الله عليه وسلم زيدَ بن حارثة ابنًا له حتى يقال له ابن محمد (وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ) أي كانوا يقولون للذي تبنَّاه هذا ابن فلان (وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ) أي وكان يرثُ من ميراثه أيضًا، كما يرثُ ابنه من النَّسب (حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ ( {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} ) أي الذين ولدوهم (إِلَى قَوْلِهِ {وَمَوَالِيكُمْ} ) يريد قوله تعالى في سورة الأحزاب {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ*ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب 4 - 5] .
(فَرُدُّوا) على البناء للمفعول (إِلَى آبَائِهِمْ) ومعنى الآية، والله تعالى أعلم ما جعلَ الله من سَمَّيتُمُوهم أبناءَكم أبناءَكم حقيقةً، نزلت في زيد بن حارثة الكلبي من بني عبد، وكان عبدًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقَه وتبنَّاه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطَّلب في الإسلام، فجعل الفقير أخًا للغني ليعودَ عليه، فلمَّا تزوَّج النَّبي صلى الله عليه وسلم زينبَ بنت جحش الأسدي، وكانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهودُ والمنافقون تزوَّج محمد امرأةَ ابنهِ ونهى الناسَ عنها، فأنزلَ الله تعالى هذه الآية {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} [الأحزاب 4] ، ولا حقيقةَ له يعني قولهم زيد بن محمد بن عبد الله {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب 4] أي سبيل الحقِّ، ثمَّ قال ادعوهم لآبائهم الذين ولدوهُم، وبيَّن أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسطِ والعدل عند الله، فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم
ج 22 ص 277
إليهم {فَإِخْوَانُكُمْ} [الأحزاب 5] أي فهم إخوانكُم في الدِّين ومواليكم إن كانوا محرريكم.
وهذا معنى قوله (فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ) على البناء للمفعول (كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ) لعلَّ في هذا إشارة إلى قولهم (( مولى أبي حذيفة ) )وأن سالمًا لما نزلت {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ} [الأحزاب 5] كان ممَّن لا يُعْلَمُ له أب فقيل مولى أبي حذيفة.
(فَجَاءَتْ سَهْلَةُ) بفتح السين المهملة وسكون الهاء (بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو) بضم السين وفتح الهاء مصغرًا، وعَمرو بفتح العين (الْقُرَشِيِّ ثُمَّ الْعَامِرِيِّ، وَهْيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَرَى) بفتح النون؛ أي نعتقد، ويروى بضم النون؛ أي نظن (سَالِمًا وَلَدًا) أي بالتَّبني، زاد البرقانيُّ من طريق أبي اليمان شيخِ البخاريِّ فيه، وأبو داود من رواية يونس، عن الزُّهريِّ (( وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيتٍ واحدٍ فيراني فُضُلًا ) ). وفُضُلًا بضم الفاء والمعجمة؛ أي مبتذلة في ثياب المهنة، يقال تفضلت المرأة إذا فعلت ذلك، هذا قول الخطابي، وتبعَه ابنُ الأثير وزاد وكانت في ثوبٍ واحدٍ. وقال ابنُ عبد البر قال الخليل رجل فُضل متوشِّح في ثوبٍ يخالف بين طرفيه، قال فعلى هذا، فمعنى الحديث أنَّه كان يدخل عليها وهي منكشفٌ بعضُها. وعن ابنِ وهب فُضُل مكشوفة الرَّأس والصَّدر، وقيل الفُضُل الذي عليه ثوب واحدٌ والإزار تحته. وقال صاحب (( الصحاح ) )تفضَّلت المرأةُ في بيتها إذا كانت في ثوبٍ واحدٍ، كقميص لا كمين له.
(وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ) أي الآية التي سيقت من قبل من قوله تعالى {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ} [الأحزاب 5] وقوله تعالى {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} [الأحزاب 4] .
(فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) أي فذكر أبو اليمان الحديثَ، وتمامُه كما عند أبي داود والبرقاني فكيف ترى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أرضعيهِ ) )فأرضعته خمسَ رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرَّضاعة، فبذلك كانت عائشة رضي الله عنها تأمرُ بنات أخيها وأختَها
ج 22 ص 278
أن يُرْضِعْنَ من أحبَّت عائشة أن يراها، ويدخلَ عليها وإن كان كبيرًا خَمْسَ رضعات، ثمَّ يدخل عليها، وأبت أمُّ سلمة رضي الله عنها وسائر أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلنَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعة أحدًا من الناس حتى يرضعَ في المهد، وقلنَ لعائشة رضي الله عنها والله ما ندري لعلَّها رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم دون الناس.
وقد أخرج مسلم هذا الحديثَ من طريق القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها، ومن طريق زينب بنت أمِّ سلمة عن أمِّ سلمة رضي الله عنها. ففي رواية القاسم عنده جاءت سهلة بنت سُهيل بن عَمرو فقالت يا رسول الله، إنَّ في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، وهو حَلِيْفُة، فقال (( أَرْضِعِيهِ ) )، قالت وكيف أرضعه وهو رجلٌ كبيرٌ، فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (( قد علمتُ أنَّه رجلٌ كبيرٌ ) ). وفي لفظ فقالت إنَّ سالمًا قد بلغَ ما يبلغُ الرجال وإنَّه يدخلُ علينا وإنِّي أظنُّ أنَّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا، فقال (( أرضعيه تحرمِي عليه ويذهب ما في نفسهِ ) )، فأرضعتْه فذهبَ الذي في نفسه. وفي رواية ابنِ أبي مُليكة (( أرضعيهِ تحرُمي عليه ويذهب الذي في وجهِ أبي حذيفة ) )فرجعتْ إليه وقالت إنِّي قد أرضعتُه، فذهب الذي في نفسِ أبي حذيفة.
وفي بعض طُرق حديث زينب، قالتْ أمُّ سلمة لعائشة رضي الله عنهما إنَّه يدخلُ عليك الغلام الذي ما أحبَّ أن يدخلَ عليَّ، فقالت أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ إنَّ امرأة أبي حذيفة، فذكرت الحديث مختصرًا. وفي رواية الغلام الذي قد استغنى عن الرَّضاعة وفيها فقال (( أرضعيهِ ) )قالت إنَّه لذو لحية، فقال (( أرضعيهِ يذهب ما في وجهِ أبي حذيفة ) )، قالت فوالله ما عرفته في وجه أبي حذيفة. وفي لفظ عن أمِّ سلمة رضي الله عنها أبى سائر أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يُدْخِلنَ عليهنَّ أحدًا بتلك الرَّضاعة، وقلنَ لعائشة رضي الله عنها والله ما نرى هذا إلَّا رخصةً لسالم، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة
ج 22 ص 279
ولا رائينا.
وقال القاضي عياض لعلَّها حَلَبَتْه ثمَّ شَرِبَه من غير أن يمسَّ ثديها ولا التقتْ بَشَرَتَاهُما. هذا الذي قاله حسن. وقال النَّووي يحتمل أنَّه عُفِي عن مسِّه للحاجة، كما خُصَّ بالرَّضاعة مع الكِبَر.
وبهذا قالت عائشة رضي الله عنها وداود قالا ويثبت حرمةُ الرَّضاع برضاع البالغ، كما يثبتُ برضاع الطِّفل، وعند جمهور العلماء من الصَّحابة والتَّابعين وعلماء الأمصار إلى الآن لا يثبتُ إلَّا برضاعِ مَن له دون سنتين، وعند أبي حنيفة بسنتين ونصف، وعند زفر بثلاث سنين، وعن مالك بسنتين وأيام، واحتجُّوا فيه بقوله تعالى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة 233] وبأحاديث كثيرة مشهورة. وأجابوا عن حديث سهلة أنَّه مختصٌّ بها وبسالم، وقيل إنَّه منسوخٌ.
ومطابقة الحديثِ للترجمة تُؤْخَذُ من تزويج أبي حذيفة بنت أخيه هندًا لسالم الذي تبنَّاه، وهو مولى لامرأة من الأنصار، ولم يعتبر فيه الكفاءة إلَّا في الدِّين. وقد أخرجه النَّسائي في النِّكاح أيضًا.