5089 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) اسمه في الأصل عبدُ الله، أبو محمد الهبَّاري القرشي الكوفي، مات في ربيع الأوَّل يوم الجمعة سنة خمسين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة (عَنْ هِشَام، ٍ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضُبَاعَةَ) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة المخففة (بِنْتِ الزُّبَيْرِ) أي ابن عبد المطلب الهاشمية بنت عمِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ لَهَا لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ قَالَتْ وَاللَّهِ لاَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَجِدُنِي) أي ما أجد نفسي (إِلاَّ وَجِعَةً) وكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيءٍ واحدٍ من خصائصِ أفعال القلوب.
وقوله وَجِعة، بفتح الواو وكسر الجيم صفة مشبهة من الوجع؛ أي ذات مرض.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَهَا حُجِّي وَاشْتَرِطِي) أي أنَّك حيث عجزت عن الإتيان بالمناسك، وانحبسْتِ عنها بسبب قوَّة المرض تحلَّلت
ج 22 ص 280
(وَقُولِي) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره بدون الواو (اللَّهُمَّ مَحِلِّي) بفتح الميم وكسر الحاء، ولأبي ذرٍّ بفتحها؛ أي مكان تَحَلُّلي من الإحرام (حَيْثُ حَبَسْتَنِي) أي فيه عن النُّسك بعلَّة المرض. وفيه أنَّ المُحْصَر يَحِلُّ حيث يُحْبَسُ ويَنْحَرُ هديَه هناك حِلاًّ كان أو حَرَمًا، وفيه خلافٌ، وقد سبق في (( الحج ) )في (( أبواب المحصر ) ) [خ¦1806 قبل] .
واختلفوا في هذا الاشتراط؛ فأجازه عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعمَّار وابن عبَّاس رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيَّب وعروة وعطاء وعلقمة وشريح. وقال صاحب (( التوضيح ) )وهو الأظهر عند الشَّافعي، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور. ومنعَه طائفةٌ وقالوا هو باطلٌ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَر وعائشة رضي الله عنهما، وهو قولُ النَّخَعي والحكم وطاوس وسعيد بن جُبير، وإليه ذهب مالك والثَّوري وأبو حنيفة، وقالوا لا ينفعه اشتراط ويمضي على إحرامهِ حتى يتمَّ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما ينكرُ ذلك ويقول (( أليس حسبُكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يشترطْ فإنْ حَبَسَ أَحَدَكُم حابسٌ عن الحجِّ فليأت البيت فليطفْ به وبين الصَّفا والمروة، ويحلق أو يقصر، وقد حلَّ من كلِّ شيءٍ حتى يحجَّ قابلًا، ويهدِي أو يصوم إن لم يجد هديًا ) ). وأنكر ذلك طاوس وسعيد بن جُبير، وهما رويا الحديث عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وأنكر الزُّهري وهو رواه عن عروة، فهذا كلُّه ممَّا يوهنُ الاشتراط.
وزعم ابنُ المرابط أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ البخاريِّ هذا الحديثَ في كتاب الحجِّ دَلالة على أنَّ الاشتراط عنده لا يصحُّ، وفيه نظرٌ لا يخفى.
(وَكَانَتْ) أي ضباعة (تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ) ظاهر سياقه أنَّه من كلام عائشة رضي الله عنها، ويحتمل أنَّه من كلام عروة.
ومطابقةُ الحديث للترجمة تؤخذ من هذا، فإنَّ المقدادَ هو ابن عَمرو بن ثعلبة بن مالك الكندي. وقد نُسِبَ إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزُّهري؛ لأنَّه كان تبنَّاه وحالفَهُ في الجاهليَّة فقيل المقدادُ بن الأسود فكان من حلفاء قريش.
وقال أبو عمر
ج 22 ص 281
قد قيل أنَّه كان عبدًا حبشيًا للأسود بن عبد يغوث فتبنَّاه. والأوَّل أصحُّ، وتزوج ضباعة بنت الزُّبير بن عبد المطلب الهاشميَّة بنت عم النَّبي صلى الله عليه وسلم ولو كانت الكفاءةُ معتبرة في النَّسَب لما جاز للمقداد أن يتزوَّج ضُباعة وهي فوقه في النَّسب، فوافق الحديثُ الترجمة في أنَّ اعتبار الكفاءة في الدِّين، إلَّا أنَّه أُجيب عنه أنَّها وأولياءَها أسقطوا حقَّهم من الكفاءة.
وكان المقدادُ رضي الله عنه من الفضلاء النُّجباء الكبار الخيار من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أوَّل من أظهرَ الإسلام سبعةٌ فذكر منهم المقدادَ، وشهدَ المقدادُ فَتْحَ مِصر، ومات في أرضهِ بالجرف، فحُمِلَ إلى المدينة ودُفن بها، وصلى عليه عثمان رضي الله عنه سنة ثلاث وثلاثين.
وفي الحديث جواز اليمين في درجِ الكلام بغير قصدٍ. وفيه أنَّ المرأةَ لا يجبُ عليها أن تستأمرَ زوجها في حجِّ الفرض، كذا قيل، ولا يلزم من كونهِ لا يجوز له منعها أن يسقطَ عنها استئذانه.