فهرس الكتاب

الصفحة 7535 من 11127

5090 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيد القطان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين، هو ابنُ عمر العمري، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) واسمه كيسان (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ) بضم التاء وفتح الكاف على البناء للمفعول، والمرأة رفع به (لأَرْبَعٍ) أي من الخصال (لِمَالِهَا) بدل من السَّابق بإعادة العامل؛ لأنَّها إذا كانت ذات مالٍ لا تُلْزِمُ زَوْجَها بما لا يُطِيْقُه ولا تكلِّفه في الإنفاق وغيره فوقَ طاقته. وقال المُهَلَّب هذا دالٌّ على أنَّ للزوج الاستمتاع بمالها، فإنَّه يقصدُ لذلك، فإن طابتْ به نفسًا فهو له حلالٌ، وإن منعتْه فإنما له من ذلك بقدرِ ما بَذَلَ لها من الصَّداق.

وتُعُقِّب بأنَّه ليس في الحديث ما ذكره من التَّفصيل ولم ينحصرْ قصده في الاستمتاع بمالها فقد يقصد ترجِّي حصول ولدٍ منها فيعودُ إليه مالُها بالإرث، وأن تستغني عنه بمالها عن مطالبتهِ بما يحتاج إليه غيرُها من النساء كما مرَّ.

واختلفوا إذا أصدقها وامتنعتْ أن تشتري شيئًا من الجهاز، فقال مالك ليس لها أن تقضي به دينها، وأن تنفقَ منه في غير ما يصلحها

ج 22 ص 282

لعرسها، إلَّا أن يكون الصَّداق شيئًا كثيرًا فتنفق منه شيئًا يسيرًا في دينها. وقال أبو حنيفة والثَّوري والشَّافعي لا تُجْبَرُ على شِراء ما لا تُريد والمهر لها تفعلُ فيه ما شاءت.

وأمَّا استدلال بعضُ المالكية به على أنَّ للرجل أن يحجرَ على زوجتهِ في مالها تعللًا بأنَّه إنما تزوَّجها لمالها فليس لها تفويته، ففيه نظرٌ لا يَخْفَى.

(وَلِحَسَبِهَا) بإعادة الجار أيضًا، وبفتح الحاء والسين المهملتين ثم بالموحَّدة؛ أي لشرفها، وهذا إخبار عن عادة الناس في ذلك. والحسبُ في الأصل الشَّرَفُ بالآباءِ وبالأقاربِ مأخوذ من الحساب؛ لأنَّهم كانوا إذا تفاخروا عدُّوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومِهِم وحَسَبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيرِهِ.

وقد قال أكثمُ بن صيفي يا بني تميم، لا يغلبنَّكم جمالُ النِّساء على صراحةِ الحسب، فإنَّ المناكح الكريمة مدرجةٌ للشرف. وقال بُكير الأسدي

~وَأَوَّلُ خُبْثِ المَرْءِ خُبْثُ تُرَابِهِ وَأَوَّلُ لُؤْمِ المَرْءِ لُؤْمُ المَنَاكِحِ

وقال آخر

~إِذَا كُنْتَ تَبْغِي أَيِّمًا بِجَهَالَةٍ مِنَ النَّاسِ فَانْظُرْ مَنْ أَبُوهَا وَخَالُهَا

~فَإِنَّهُمَا مِنْهَا كَمَا هِيَ مِنْهُمَا كَنَعْلِ [1] حِذَاءٍ إِنْ أُرِيدَ مِثَالُهَا

~وَلا تَطْلُبِ الْبَيْتَ الدَّنِيءَ فِعَالُهُ وَلا تَدَعْ ذَا عَقْلٍ لِرَغْبَةِ [2] مَالِهَا

~فَإِنَّ الَّذِي تَرْجُو مِنَ الْمَالِ عِنْدَهَا سَيَأْتِي عَلَيْهِ شُؤْمُهَا وَخَبَالُهَا

وقيل المراد بالحسب هنا الفعالُ الحسنة، وقيل المالُ، وَرُدَّ بِذِكْرِ المالِ قبلَه، وذِكْرِه معطوفًا عليه. وقد وقعَ في مرسل يحيى بن جَعْدة عند سعيد بن منصور على دينها ومالها، وعلى حَسَبها ونَسَبِها، وذِكْرُ النَّسب على هذا تَأْكِيْدٌ.

ويُؤخذ منه أنَّ الشَّريف النَّسيب يستحبُّ له أن يتزوَّج نسيبةً إلَّا إن تعارضَ نسيبةٌ غيرُ ديِّنةٍ وغيرُ نسيبةٍ ديِّنةٍ، فتُقدَّم ذات الدِّين، وهكذا في كلِّ الصِّفات.

وأمَّا قول بعض الشَّافعية يستحب أن لا تكون المرأةُ ذاتَ قرابةٍ قريبةٍ، فإن كان مستندًا إلى الخبرِ فلا أصل له، أو إلى التَّجربة وهو أنَّ الغالب أن الولد بين القريبين يكون أحمق فهو متَّجِهٌ، وأمَّا ما أخرجه أحمدُ والنَّسائي وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم من حديث بريدة

ج 22 ص 283

رَفَعَه (( إنَّ أحسابَ أهل الدنيا الذين يذهبون إليه المال ) ). فيحتملُ أن يكون المراد أنَّه حسبُ مَن لا حَسَبَ له فيقومُ النَّسب الشَّريف لصاحبهِ مقام المال لمن لا نَسَبَ له، ومنه حديث سَمُرة رفعه (( الحسبُ المالُ، والكرمُ التَّقوى ) )أخرجه أحمدُ والتِّرمذي، وصحَّحه هو والحاكم. وفي حديث ميمونة رضي الله عنها المرفوع كذلك أخرجَه التِّرمذي والحاكم، ومن شأن أهلِ الدُّنيا رفعة من كان كثيرَ المال ولو كان وضيعًا، وضِعَة من كان مُقلًا ولو كان رفيع النَّسب، كما هو موجودٌ مشاهد. وروى الحاكم حديث (( تخيَّروا لنطفِكُم ) )فيُكره نكاحُ بنت الزِّنا وبنت الفاسق. قال الأذرعيُّ ويشبهُ أن يلحقَ بهما اللَّقيطة ومن لا يُعْرَفُ أبوها.

(وَجَمَالِهَا) ولم يُعِدِ العاملَ في هذه؛ لأنَّ الجمالَ مطلوبٌ في كلِّ شيءٍ لاسيَّما في المرأة التي تكون قرينته وضجيعتَهُ، وعند الحاكم حديث (( خيرُ النِّساء من تسُرُّ إذا نُظِرَتْ، وتُطِيعُ إذا أُمِرَت ) ). قال الماورديُّ لكنَّهم كرهوا ذات الجمال الباهر، فإنَّها تزهُو بجمالها. وقال الحافظُ العسقلاني يُؤخذ منه استحباب تزويج الجميلة إلَّا إن عارضَ الجميلة الغير الدَّيِّنةِ الدَّيِّنةُ الغير الجميلة. نعم، لو تساوتا في الدِّين فالجميلةُ أولى، ويلتحقُ بالحسنةِ الذَّاتِ الحسنةُ الصِّفات، ومن ذلك أن تكون خَفِيْفَةَ الصَّداق.

(وَلِدِينِهَا) أي وتُنكح لدينها بإعادة اللام، وفي (( صحيح مسلم ) )بإعادتها في الأربع، وحذفت هنا في قوله (( وجمالها ) )فقط (فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) لأنَّ به يحصلُ خيرُ الدنيا والآخرة. وفي (( صحيح مسلم ) )من حديث جابر رضي الله عنه (( فعليك بذاتِ الدِّين ) ). والمعنى كما قال القاضي ناصر الدين البيضاوي إنَّ اللَّائق بذوي الدِّيانات وأربابِ المروآت أن يكون الدِّين مطمحَ نظرهِم في كلِّ شيءٍ، لاسيَّما فيما يدومُ أمره ويطولُ صحبته ويعظمُ خطره، فلذا اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم بآكد وجهٍ وأبلغه، فأمر بالظَّفر الذي هو غاية البغية، ومنتهى الاختيار والطَّلب الدَّال على تضمُّن المطلوب لنعمةٍ عظيمةٍ وفائدةٍ جليلةٍ.

قال العلامة الطِّيبي في (( شرح المشكاة ) )قوله (( فاظفرْ ) )جواب شرطٍ محذوفٍ؛ أي إذا تحقَّقت ما فصَّلتُ لك تفصيلًا بينًا فاظفرْ أيُّها المسترشدُ بذات الدِّين، فإنَّها تكسبُك منافعَ الدَّارين. قال واللَّامات المذكورة مؤذنة بأنَّ كلاُّ منهنَّ مستقلَّة في العَرْض.

وروى

ج 22 ص 284

ابنُ ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( لا تَزَوَّجُوا النِّساءَ لحسنهنَّ فعسى حسنُهنَّ أن يُرْديَهنَّ؛ أي يُهْلِكَهنَّ، ولا تزوجوهنَّ لأموالهنَّ فعسى أموالُهنَّ أن يطغِيَهنَّ، ولكن تزوجوهنَّ على الدِّين، ولَأَمةٌ سوداءُ ذاتُ دِين أفضلُ ) ).

(تَرِبَتْ يَدَاكَ) أي إن لم تفعلْ ما أُمِرْتَ به من الظَّفَر بذات الدِّين بناءً على تعدِّيه عن ذواتِ الدِّين إلى ذواتِ المال ونحوه، ورجَّحه ابنُ العربي. يقال تربتْ يدُ الرَّجل إذا افتقرَ، وأصلُه لصقتْ بالتراب، وهو كنايةٌ عن الفقر، كذا قيل. وهو خبرٌ بمعنى الدُّعاء، لكن لا يرادُ به حقيقته، بل العربُ تستعملُها للإنكار والتَّعجب والتَّعظيم والحثِّ على الشيءِ، وهذا هو المراد به هاهنا. وبهذا جزم صاحب (( العمدة ) )وزاد غيره إن صدرَ ذلك من النَّبي صلى الله عليه وسلم في حقِّ مسلم لا يستجاب لشرطهِ على ربِّه. وحكى ابنُ العربي أنَّ معناه استغنتْ يداك، ورُدَّ بأنَّ المعروفَ أتربَ إذا استغنى، وتَرِبَ إذا افتقرَ، وَوُجِّه بأنَّ المعنى الناشئ من المال تراب؛ لأنَّ جميع ما في الدنيا ترابٌ ولا يخفى بُعْدُه. وقيل معناه ضَعُفَ عقلُك، وقيل افْتَقَرْتَ من العِلْم، وقيل معناه خابتْ وخسرتْ.

وصحَّفه بعضهم فقال بالمثلثة، ووجهه بأنَّ معنى (( تربت ) )تفرَّقت، وهو مثل حديث (( نهى عن الصَّلاة إذا صارت الشَّمس كالأثاربِ ) )وهو جمع ثُرُوب وأَثْرُب مثل فُلُوس وأَفْلُس، وهو جَمْع ثَرْب، بفتح أوله وسكون الراء، وهو الشَّحم الرَّقيق المتفرِّق الذي يغشى الكرش.

والرَّاجح ما قاله محيي السُّنَّة هي كلمةٌ جارية على ألسنتهم لا يريدون بها حقيقتها، كما تقدَّم، وذلك لأنهم كانوا إذا رأوا مقدمًا في الحربِ أبلى بلاءً حسنًا يقولون قاتله الله ما أشجعَه، وإنما يريدون به ما تزيد قوَّته وشجاعته، وكذلك ما نحن فيه، فإنَّ الرجل إنما يُؤْثِرُ تلك الثَّلاثةَ على ذات الدِّين لإعدامها مالًا وجمالًا وحسبًا. فينبغي أن يحمل الدُّعاء على ما يحثُّ عليه؛ أي عليك بذات الدِّين يغنك الله، فيوافقُ معنى الحديث النَّصَّ التَّنزيلي؛ أعني قوله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ

ج 22 ص 285

يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور 32] ، والصَّالح هو صاحبُ الدين، كذا في (( شرح المشكاة ) ).

وقال القرطبيُّ معنى الحديث أنَّ هذه الخصال الأربع هي التي تُرْغَب في نكاحِ المرأة لأجلها، فهو خبرٌ عمَّا في الوجود من ذلك، لا أنَّه وقع الأمر بذلك، بل ظاهرهُ إباحة النِّكاح لقصد كلٍّ من ذلك لكنَّ قصدَ الدِّين أولى. قال ولا يُظن من هذا الحديث أنَّ هذه الأربعَ تُؤخذ منها الكفاءة؛ أي تنحصرُ فيها فإن ذلك لم يقلْ به أحدٌ، وإن كانوا اختلفوا في الكفاءةِ ما هي.

وقال المُهَلَّب الأكفاءُ في الدين هم الذين يتشاكلون وإن كان في النَّسب تفاضل بين الناس، وقد نَسَخَ الله تعالى ما كانت تحكمُ به العرب في الجاهليَّة من شَرَفِ الأنساب بشرف الصَّلاح في الدين، فقال {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات 13] .

وقال ابنُ بطَّال اختلف العلماء في الأكفَاء من هم، فقال مالك في الدين دون غيرهم والمسلمون بعضُهم أكفاءٌ لبعضٍ، فيجوزُ أن يتزوجَ العربيُّ والمولى القرشية. رُوِيَ ذلك عن عُمَر وابنِ مسعود وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين. واستدلوا بقوله تعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الخجرات 13] وبحديث سالم وبقوله صلى الله عليه وسلم (( عليك بذاتِ الدِّين ) ). وعزم عمر رضي الله عنه أن يزوِّج ابنتَه من سلمان رضي الله عنه، وبقوله صلى الله عليه وسلم (( يا بني بياضةَ أنكحوا أبا هندٍ ) ) (( فقالوا يا رسولَ الله أنزوِّج بناتنا من موالينا، فنزلت {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات 13] الآية ) )رواه أبو داود. وروى التِّرمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم (( إذا خطبَ إليكم من ترضونَ دينهُ وخلقَهُ فزوِّجوه ) )قال ورواه اللَّيث، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة مرسلًا. وقال أبو حنيفة قريش كلُّهم أكفَاءٌ بعضُهم لبعض، ولا يكون أحدٌ من العرب كفؤًا لقرشي، ولا أحد من الموالي كفؤًا للعرب، ولا يكون كفؤًا مَن لا يجدُ المَهْر والنَّفَقَةَ.

وفي (( التلويح ) )احتجَّ له [3] بما رواه نافع، عن مولاه مرفوعًا (( قريش بعضُها لبعض أكفَاء إلَّا حائك أو حجَّام ) ). قال ابنُ أبي حاتم سألت أبي عنه فقال هو حديثٌ منكرٌ، ورواه هشام الرَّازي فزاد فيه (( دباغ ) ).

قال العينيُّ هذا الحديث رواه الحاكم

ج 22 ص 286

حدَّثنا الأصم حدثنا الصَّنعاني حدثنا شجاع بن الوليد حدثنا بعضُ إخواننا، عن ابن جُريج، عن عبدِ الله بن أبي مُليكة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( العربُ بعضُهم أكفاءٌ لبعضٍ قبيلةٌ بقبيلةٍ، ورجلٌ برجلٍ، والموالي بعضُهم أكفاءٌ لبَعْضٍ قبيلةٌ بقبيلةٍ ورجلٌ برجلٍ، إلَّا حائك أو حجَّام ) ).

وقال صاحب (( التنقيح ) ) [4] هذا منقطعٌ؛ إذ لم يُسَمِّ شجاعُ بن الوليد بعضَ إخوانه، ورواه البيهقيُّ، ورواه أبو يعلى الموصلي في (( مسنده ) )من حديث بقيَّة بن الوليد، عن زرعة بن عبد الله الزُّبيدي، عن عمران بن أبي الفضل الأيلي، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه سواء. قال ابنُ عبد البر هذا حديثٌ منكرٌ موضوعٌ. وقد روى ابن جُريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا مثله، ولا يصحُّ عن ابن جُريج. ورواه ابن حبَّان في كتاب (( الضعفاء ) )وأعلَّه بعمران بن أبي الفضل، وقال إنَّه يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحلُّ كَتْبُ حديثِه.

وقالوا في اعتبار الكفاءةِ أحاديث لا تقومُ بأكثرها الحجَّة، وأمثَلُها حديث عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه رواه التِّرمذي حدَّثنا قتيبة حدثنا عبد الله بن وهب، عن سعيد بن عبد الله الجُهني، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال له (( يا علي ثلاث لا تؤخِّرْها الصَّلاة إذا أتت، والجنازةُ إذا حضرَتْ، والأيِّم إذا وجدتْ كفؤًا ) ). وقال التِّرمذي غريب وما أرى إسنادَه متَّصلًا. وأخرجه الحاكمُ كذلك وقال صحيحُ الإسناد ولم يخرِّجاه.

ومطابقةُ الحديث للترجمة تُؤخذ من قوله (( ولدينها ... إلى آخره ) )ولاسيَّما أُمِرَ فيه بطلبِ ذات الدين ودُعِيَ له أو عليه بقوله (( تربتْ يداك ) )إذا ظفرَ بذات الدِّين وطلبَ غيرها، وإنما قيل له أو عليه لاستعمال تربتْ يداك في النَّوعين كما سبق.

وقد أخرجه مسلم في النِّكاح أيضًا وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه فيه أيضًا.

ج 22 ص 287

تتمة قال النَّووي وفي الحديث الحثُّ على مصاحبةِ أهل الصَّلاح في كلِّ شيءٍ؛ لأنَّ مَنْ صاحبَهم استفادَ من أخلاقهم وبركتهِمْ وحُسن سيرتهم وطريقتِهِم ويأمن المفسدة من جهتهم.

وحكى محيي السُّنَّة أن رجلًا قال للحسن إن لي بنتًا أحبها وقد خطبها غيرُ واحدٍ فمن ترى أن أزوِّجها قال زوجها رجلًا يتَّقي الله، فإنَّه إن أحبَّها أكرمها، وإن أبغضَها لم يظلْمها.

وقال الغزالي في (( الإحياء ) )وليس أمرُه صلى الله عليه وسلم بمراعاةِ الدين نهيًا عن مراعاةِ الجمال ولا أمرًا بالإضراب عنه، وإنما هو نهي عن مراعاتهِ مجرَّدًا عن الدين؛ فإن الجمال في غالبِ الأمر يُرْغِبُ الجاهلَ في النِّكاح من غير التفاتٍ إلى الدين، ولا نَظَرٍ إليه فَوَقَعَ النَّهيُ عن هذا. قال وأَمْرُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لمن يريد التَّزوج بالنَّظر إلى المخطوبة يَدُلُّ على مراعاةِ الجمال، إذ النَّظر لا يفيدُ معرفة الدين، وإنما يُعرف به الجمال أو القبح.

وممَّا يستحبُّ في المرأة أيضًا أن تكون بالغة، كما نصَّ عليه الشَّافعي إلَّا لحاجة كأنْ لا يَعُقُّه إلَّا غيرُها، أو مصلحة كتزوُّجه صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها وأن تكون عاقلة. قال في (( المهمات ) )ويتَّجه أن يراد بالعقل هنا العقل العُرفي، وهو زيادة على ضابط التِّكليف. انتهى.

والمتَّجه أن يُراد أعم من ذلك، وأن تكون قرابةً غيرَ قريبةٍ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تُنْكح القرابةُ القريبةُ فإنَّ الولد يُخْلَقُ ضاويًا ) )ذكره في (( الإحياء ) ). وقوله (( ضاويًا ) )أي نحيفًا لضعفِ الشَّهوة. قال الزِّنجاني ولأنَّ مقاصدَ النِّكاح اشتباك القبائل لأجلِ التَّعاضد واجتماع الكلمةِ وهو مفقودٌ في نكاحِ القريبة. وتوقَّف السُّبكي في هذا الحُكْم لعدم صحَّة الحديث الدَّال عليه، فقد قال ابن الصَّلاح لم أجدْ له أصلًا معتمدًا. قال السُّبكي فلا ينبغِي إثباته لعدم الدَّليل. انتهى.

وقال الحافظُ زين الدين العراقي والحديث المذكور إنما يُعرف من قول عمر رضي الله عنه أنَّه قال لآل السَّائب قد أَضْوَيْتُم، فانكحوا في الغرائب. وقال الشَّاعر

ج 22 ص 288

~تَخَيِّرْتُهَا لِلنَّسْلِ وَهِيَ غَرِيْبَةٌ فَقَدْ أَنْجَبَتْ وَالمُنْجِبَاتُ الغَرَائِبُ

وما ذكره في (( الروضة ) )من أنَّ القريبة أولى من الأجنبيَّة فهو مقتضى كلام جماعة، لكن ذَكَرَ صاحبُ (( البحر ) (( البيان ) )أنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على أنَّه يُسْتَحبُّ أن لا يتزوَّج من عشيرتهِ ولا يُشْكل ما ذُكِرَ بتزوج النَّبي صلى الله عليه وسلم زينب مع أنَّها بنت عمِّه؛ لأنَّه تزوَّجها بيانًا للجواز، ولا بتزوُّج علي فاطمة رضي الله عنهما؛ لأنَّها بعيدة في الجملةِ، إذ هي بنتُ ابن عمِّه لا بنت عمِّه، وأن لا تكون ذات ولدٍ لغيره إلَّا لمصلحةٍ كما تزوج صلى الله عليه وسلم أمَّ سلمة ومعها ولد أبي سلمة للمصلحة، وأن لا يكون لها مُطلِّق يرغبُ في نكاحها، وأن لا تكون شقراء فقد أمرَ الشَّافعيُّ الرَّبيعَ أن يَرُدَّ الغلامَ الأشقرَ الذي اشتراه له، وقال ما لقيتُ من أشقرَ خَيرًا، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل كقذك. يحرر

[2] لرغبة جاء مكانها بياض في الأصل، أثبتها من المصادر.

[3] في هامش الأصل مغلطاي.

[4] في هامش الأصل ابن الملقن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت