5101 - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوام رضي الله عنه (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الأسد المخزومي، ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها أمُّ سلمة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكان اسمُ زينب برَّة فسمَّاها النَّبي صلى الله عليه وسلم زينب، ولدتها أمها بأرضِ الحبشة، وقدمت بها وحفظتْ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكانت زينبُ عند عبدِ الله بن زَمَعة بن الأسود فولدتْ له.
وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الأسد، وأمُّه برَّة بنت عبد المطلب، وهاجرَ الهجرتين وشَهِدَ بَدْرًا، وخرجَ يوم أحدٍ فمات مِنْه، وذلك لِثَلاثٍ مَضَيْن لجمادى الآخرة سنة ثلاثٍ من الهِجْرة.
(أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملة (بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب، أمُّ المؤمنين رضي الله عنها (أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ) بكسر الهمزة؛ لأنَّه من نَكَح يَنْكِح فثالث المضارع مكسور مثل اعلم؛ أي تزوج (أُخْتِي بِنْتَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبِي سُفْيَانَ) وفي رواية يزيدَ بِن أَبي حَبيب، عن ابنِ شِهَابٍ عند مسلم والنَّسائي في هذا الحديث (( انكح أختي عزَّة بنت أبي سفيان ) )، وفي رواية ابن ماجه من هذا الوجه (( انكح أختي عزَّة ) ). وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه في هذا الحديث عند الطَّبراني أنَّها قالت (( يا رسول الله، هل لك في أُختي حمنَة بنت أبي سفيان ) )، وعند أبي موسى في (( الذيل ) ) (( دُرَّة بنت أبي سفيان ) ). وهذا وقع في رواية الحُمَيدي في (( مسنده ) )عن سفيان، عن هشام. وأخرجه أبو نُعيم والبيهقي في هذه الرواية (( زينب بنت أبي سلمة ) )وحذفه البخاري أيضًا منها، ثمَّ نبَّه على أنَّ الصَّواب دُرَّة بضم الدال المهملة. وحكى القاضي عياض عن بعض رواة مسلم أنَّه ضبطها بفتح الذال المعجمة. وقال النَّووي هو تصحيف، وسيأتي بعد أربعة أبواب، وجزمَ المنذري بأنَّ اسمها حمنة، كما في الطَّبراني. وقال القاضي عياض لا نعلم لعزة ذِكْرًا في بنات أبي سفيان إلَّا في رواية يزيد بن أبي حبيب، وقال أبو موسى الأشهرُ فيها عزَّة.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟) الهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على ما قبل الهمزة عند سيبويه، وعلى مقدَّر عند الزَّمخشري وموافقيه. فعلى مذهب سيبويه معطوفة على (( انكح أختي ) )، وعلى مذهب الزَّمخشري (( أَنْكِحُها وتحبِّين ذلك ) )،
ج 22 ص 307
وهو استفهام تعجُّب من كونها تطلبُ أن يتزوَّج غيرها مع ما طبعَ عليه النِّساء من الغيرة.
(فَقُلْتُ نَعَمْ) جواب مقرَّر لما سَبَقَ نفيًا أو إثباتًا (لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام، اسم فاعلٍ من الإخلاء متعدِّيًا ولازمًا من أخليتُ بمعنى خلوتُ من الضَّرَّة، والباء زائدة، والمعنى لست بمنفردة بك ولا خاليةً من ضرَّة غيري. وقال القاضي عياض مخلية؛ أي منفردة يقال أَخْلِ أَمْرَكَ، واخْلُ به؛ أي انفردْ به. وقال ابنُ الأثير في (( النهاية ) )معناه لم أجدْكَ خاليًا من الزَّوجات وليس هو من قولهم امرأة مخلية إذا خلت من الأزواج. وقال في موضعٍ آخر المخليةُ التي تخلو بزوجها وتنفرد به؛ أي لست لك بمتروكةٍ لِدَوام الخَلْوةِ به.
وهذا البناء إنما يكون من أخليت، ويقال أخلت المرأة فهي مخلية، فأمَّا من خلوت فلا، وقد جاء أخليت بمعنى أخلوت. وقال الكرماني وفي بعض الرِّوايات بلفظ المفعول.
(وَأَحَبُّ) بفتح الهمزة والمهملة (مَنْ شَارَكَنِي) بألف بعد المعجمة، وفي رواية هشام الآتية قريبًا [خ¦5106] (( من شركني ) )بغير ألف، وكذا عند مسلم (فِي خَيْرٍ أُخْتِي) وأَحَبُّ مبتدأ، وهو أفعلُ التَّفضيل مضاف إلى من، ومن نكرة موصوفة؛ أي وأَحَبُّ شخص، وشاركني في محلِّ صفة لمَنْ. ويحتمل أن تكون موصولة والجملة صلتها؛ والمعنى أَحَبُّ المشاركين لي في خيرٍ أُختي. وأُختي الخبر، ويجوزُ أن تكون أُختي مبتدأٌ، وأحبُ خبرًا مقدَّمًا؛ لأنَّ أُختي معرفة بالإضافة وأفعلُ لا يتعرَّف بها.
ثم قوله (( في خيرٍ ) )بالتَّنوين في رواية الأكثرين أي خير كان، وفي رواية هشام (( في الخير ) )قيل والمراد به صحبة النَّبي صلى الله عليه وسلم المتضمنة لسعادة الدَّارين السَّاترة لما لعلَّه يعرض من الغيرة التي جرتْ بها العادة بين الزَّوجات. لكن في رواية هشام المذكورة (( وأَحَبُّ من شركني فيك أُختي ) )فعرف أن المراد بالخير ذاته صلى الله عليه وسلم.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف، خطاب لمؤنث (لاَ يَحِلُّ لِي) لأنَّه جَمْعٌ بين الأختين، وهذا كان قبل علم أم حبيبة بالحرمة أو ظنَّت أنَّ جوازَه من خصائص النَّبي صلى الله عليه وسلم؛
ج 22 ص 308
لأن أكثر حكم نكاحهِ يخالف أنكحة الأمة.
(قَلْتُ فَإِنَّا نُحَدَّثُ) بضم النون وفتح الحاء والدال على البناء للمفعول، وفي رواية هشام (( بلغني ) ). وفي رواية عقيل في الباب الذي بعده [خ¦5107] (( قلتُ يا رسول الله، فوالله إنَّا لنتحدَّث ) )، وفي رواية وهيب، عن هشام عند أبي داود (( فوالله لقد أخبرت ) ) (أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ) وفي رواية هشام (( بلغني أنك تخطب ) ). قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على اسم من أخبر بذلك، ولعلَّه كان من المنافقين، فإنَّه قد ظهر أنَّ الخبر لا أصل له، وهذا ممَّا يستدلُّ به على ضعف المراسيل.
(بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ) وفي رواية عقيل الآتية [خ¦5107] ، وكذا أخرجه الطَّبراني من طريق ابن أخي الزُّهري، عن الزُّهري. ومن طريق مَعمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ومن طريق عراك، عن زينب بنت أمَّ سلمة درَّة بنت أم سلمة. وعند أبي داود من طريق هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أمِّ سلمة، درَّة أو ذرَّة، على الشَّك، شك زهير راويه عن هشام. ووقع عند البيهقي من رواية الحُمَيدي، عن سفيان، عن هشام بلغني أنَّك تخطبُ زينب بنت أم سلمة، وقد تقدَّم التنبيه على خطئه.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟) هو استفهام استثبات لرفع الإشكال، أو استفهام إنكار، وهو منصوب بفعل مقدَّر؛ أي أنْكِحُ بنت أبي سلمة أَوَتُحِبِّيْن (قَلْتُ نَعَمْ) وفي رواية وعدل عن قوله أبي سلمة، إلى قوله أم سلمة توطئة لقوله (فَقَالَ لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي) بفتح الحاء وقد تكسر، والرَّبيبة فعيلة بمعنى مفعول لأنَّ زوج الأم يربيها.
وقال القاضي عياض الرَّبيبة مشتقَّة من الرب، وهو الإصلاح؛ لأنَّه يربها ويقومُ بأمورها وإصلاحِ حالها، ومن ظنَّ من الفقهاء أنَّه مشتقٌّ من التَّربية فقد غلط؛ لأنَّ شرطَ الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصليَّة؛ ولا اشتراك فيها؛ لأنَّ آخر رب باء موحدة، وآخر ربي مثناة تحتية.
وقوله (( في حجري ) )خرج مخرج الغالب، وإلَّا فالرَّبيبة حرامٌ مطلقًا سواء كانت في حَجْر زوج أمِّها أم لا.
وجواب لو قوله (مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) واللام فيه مفتوحة للتَّأكيد، وأشار
ج 22 ص 309
بهذا إلى أنَّ حرمتها عليه بسببين وهما كونها ربيبته صلى الله عليه وسلم وكونها بنت أخيه من الرَّضاع. وفي رواية عراكُ عن زينب بنت أمِّ سلمة عند الطَّبراني (( لو أنِّي لم أنكحْ أمَّ سلمة ما حلَّت لي إنَّ أباها أخي من الرَّضاعة ) ). ووقع في رواية ابن عُيينة، عن هشام (( والله لو لم تكن ربيبتي ما حلَّت لي ) ).
والحاصل أنَّه لو كان لها مانعٌ واحدٌ لكفى في التَّحريم فكيف ولها مانعان.
وأمَّا قوله (( في حجري ) )فقد عرفت أنَّه خرج مخرج الغالب راعى فيه لفظ الآية، ولا مفهومَ له، وقد تمسَّك بظاهره داود الظَّاهري فأحل الرَّبيبة البعيدة التي لم تكن في الحجر. وفي الحديث إشارة إلى أنَّ التَّحريم بالرَّبيبة أشدُّ من التَّحريم بالرَّضاعة.
وقال القرطبي فيه تعليلُ الحكم بعلَّتين فإنَّه علَّل تحريمها بكونها ربيبة وبكونها بنت أخٍ من الرضاعة، كذا قال، وقد عرفتَ أنَّ المراد هو التَّنبيه على أنَّه لو كان لها مانعٌ واحدٌ لكفى في التَّحريم، فكيف ولها مانعان فليس من التَّعليل بعلَّتين في شيءٍ، وذلك لأنَّ كلَّ وصفين يجوز أن يضاف الحكمُ إلى كلٍّ منهما لو انفردَ، فإمَّا أن يتعاقبا فيُضاف الحكمُ إلى الأول منهما كما في الشَّيئين إذا اجتمعا، ومثاله لو أحدَثَ ثمَّ أحدثَ بغير تخلُّل طهارةٍ فالحَدَث الثَّاني لم يعمل شيئًا أو يضاف الحكم إلى الثَّاني كما في اجتماع السَّبب والمباشرة، وقد يُضاف إلى أشبههما وأنسبهما سواء كان الأوَّل أم الثاني، فعلى كلِّ تقديرٍ لا يضاف إليهما جميعًا، وإن قدر أنَّه يوجد فالإضافة إلى المجموع، ويكون كلٌّ منهما جزء علَّة لا علَّة مستقلَّة، فلا يجتمعُ علَّتان على معلولٍ واحدٍ، والمسألة مشهورةٌ في الأصول وفيها خلاف. قال القرطبيُّ والصَّحيح جوازُه لهذا الحديث وغيره، فافهم.
(أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ) أي وأرضعتْ أبا سلمة، وقدم المفعول على الفاعل، والجملة مفسِّرة لا محل لها من الإعراب، ولا يجوز أن تكون بدلًا من خبر أن، ولا خبرًا بعد خبر لعدم الضَّمير.
(فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (بَنَاتِكُنَّ وَلاَ أَخَوَاتِكُنَّ) وقوله (( فلا تَعْرِضْنَ ) )بفتح أوله وسكون العين
ج 22 ص 310
وكسر الراء بعدها معجمة ساكنة ثم نون، على الخطاب لجماعة النساء، وبكسر المعجمة وتشديد النون خطابًا لأمِّ حبيبة وحدها، والأوَّل أوجه. وقال ابنُ التين ضُبِطَ بضم الضاد، في بَعْضِ الأُمَّهاتِ ولا أَعْلَمُ له وَجْهًا؛ لأنَّه إن كان الخطاب لجماعة النِّساء وهو الأبين، فهو بسكون الضاد؛ لأنَّه فعل مستقبل مبني على أصلهِ، ولو أدخلت عليه التَّأكيد وشدَّدت النون لكان تعرضنان؛ لأنَّه يجتمع ثلاث نونات فيفصل بينها بألف، وإن كان الخطاب لأمِّ حبيبة خاصَّة فتكون الضاد مكسورة والنون مشددة.
وقال القرطبي جاء بلفظ الجَمْع، وإن كانت القصَّة لاثنتين وهما أمُّ حبيبة وأمُّ سلمة؛ ردعًا وزجرًا أن تعود واحدة منهما أو غيرهما إلى مثلِ ذلك، وهذا كما لو رأى رجلٌ امرأة تكلِّم رجلًا فقال لها أتكلِّمين الرِّجال، فإنَّه مستعمل سائغ، ثمَّ إنَّه كان لأمِّ سلمة من الأخوات قريبة زوج زَمَعة بن الأسود، وقريبة الصُّغرى زوج عُمر ثمَّ معاوية، وعزَّة بنت أبي أميَّة زوج منبِّه بن الحجَّاج. ولها من البنات زينب راوية الخبر، ودرَّة التي قيل إنَّها مخطوبة.
وكان لأمِّ حبيبة من الأخوات هند زوجُ الحارث بن نوفل، وجويرية زوجُ السَّائب بن أبي حُبيش، وأُميمة زوجُ صفوان بن أميَّة، وأمُّ الحكم زوجُ عبد الله بن عثمان، وصخرةُ زوجُ سعيد بن الأخنس، وميمونةُ زوجُ عروة بن مسعود. ولها من البنات حبيبة، وقد روت عنها الحديث، ولها صُحبة.
وكان لغيرهما من أمَّهات المؤمنين من الأخوات أمُّ كلثوم وأمُّ حبيبة ابنتا زَمَعة أختا سودة، وأسماء أخت عائشة، وزينب بنت عمر أختُ حفصة، وغيرهنَّ رضوان الله عليهم أجمعين.
(قَالَ عُرْوَةُ) أي ابن الزُّبير بالإسناد السَّابق وقد علَّق المصنف طرفًا منه في آخر النَّفقات [خ¦5372] فقال قال شعيب، عن الزُّهري قال عروة، فذكره. وأخرجه الإسماعيليُّ من طريق الذُّهلي، عن أبي اليمان بإسناده.
(وَثُوَيْبَةُ) أي المذكورة (مَوْلاَةٌ لأَبِي لَهَبٍ) واختُلِفَ في إسلامها. وقال أبو نُعيم لا نعلمُ أحدًا ذكر إسلامها غيرَ ابنِ مندهْ،
ج 22 ص 311
والذي في (( السير ) )أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يُكرمها وكان يُرسل إليها الصَّلة من المدينة إلى أن ماتت بعد فتح خيبر، ومات ابنها مسروح.
(كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ظاهره أنَّه أعتقَها قبل إرضاعها. والذي في (( السير ) )يخالفه، وهو أنَّ أبا لهبٍ أعتقها قُبيل الهجرة، وذلك بعد الإرضاع بدهرٍ طويل. وحكى السُّهيلي أيضًا أنَّ عتقها كان قبل الإرضاع (فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ) بضم الهمزة وكسر الراء وفتح التحتانية على البناء للمفعول (بَعْضُ أَهْلِهِ) بالرفع على أنَّه نائب عن الفاعل؛ أي في المنام. وذكر السُّهيلي أنَّ العبَّاس قال لما مات أبو لهب رأيتُه في منامِي بعد حولٍ في شرِّ حالٍ، فقال ما لقيتُ بعدكُم راحة إلَّا أنَّ العذاب يخفَّف عني كلَّ يوم اثنين. قال وذلك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين وكانت ثُويبة بشَّرت أبا لهب بمولده فأعتقَهَا.
(بِشَرِّ حِيْبَةٍ) أي ملتبسًا بشرِّ حِيْبَة، بكسر الحاء المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة؛ أي على أسوءِ حال، يقال باتَ الرجل بحيبة سوءٍ؛ أي بحالةٍ رَدِيَّة. وقال ابنُ فارس أصلُها الحوبة، وهي المسكنةُ والحاجة والياء في حِيْبة منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها. وقال ابنُ الأثير الحِيْبة والحَوْبة الهم والحزن.
ووقع في (( شرح السنة ) )للبغوي بفتح الحاء، ووقع عند المستملي بفتح الخاء المعجمة؛ أي في حالة خائبة من كلِّ خيرٍ. وقال ابنُ الجوزي هو تصحيفٌ. انتهى.
لكنَّه أقربُ من جهة المعنى. ولهذا قال القرطبيُّ يروى بالمعجمة، وحكي في (( المشارق ) )بالجيم في رواية المُستملي، ولا أظنُّه إلَّا تصحيفًا، والظَّاهر أنَّه تصحيفٌ كما قال.
(قَالَ لَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ أي قال الرَّائي لأبي لهب (مَاذَا لَقِيتَ؟) أي بعد موتك (قَالَ أَبُو لَهَبٍ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا) كذا في الفرع بإثبات المفعول. وقال الحافظُ العسقلاني بحذف المفعول في الأصول، وفي رواية الإسماعيلي (( لم ألقَ بعدكُم رخاء ) ). وعند عبد الرَّزَّاق، عن مَعمر، عن الزُّهري (( لم ألق بعدكُم راحة ) ). وقال ابن بطَّال سقط المفعول من رواية البخاري ولا يستقيمُ الكلام إلَّا به.
ج 22 ص 312
(غَيْرَ أَنِّي) بنصب غير على الاستثناء (سُقِيتُ) بضم السين على البناء للمفعول (فِي هَذِهِ) كذا في الأصول بالحذف لم يبين المشار إليه. ووقع في رواية عبد الرَّزاق المذكورة (( وأشار إلى النُّقرة التي تحت إبهامه ) )، وفي رواية الإسماعيلي (( وأشار إلى النَّقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع ) ). وللبيهقي في (( الدلائل ) )من طريق مثله بلفظ (( يعني النُّقرة ... إلى آخره ) )، وفي ذلك إشارة إلى حقارةِ ما سُقِيَ من الماء. وقال القرطبيُّ سُقِيَ نقطةً من ماءٍ في جهنم بسببِ ذلك. قال وذلك أنَّه جاء في (( الصحيح ) )أنَّه رئي في النوم، فقيل له ما فعل ربك هناك؟ فقال سقيت مثل هذه، وأشار إلى ظفر إبهامه.
(بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ) أي بسبب عَتَاقتي ثُويبة، وعَتَاقتي، بفتح العين، مصدر عتق، يقال عَتَق يَعْتِق، بالكسر، عِتْقًا وعَتَاقًا وعَتَاقة، والمصدر هنا مضاف إلى الفاعل، وثُويبة مفعول للمصدر، وفي رواية عبد الرَّزَّاق (( بعتقي ) ). وقال الحافظُ العسقلاني وهو أوجه، والوجه أن يقول بإعتاقي؛ لأنَّ المراد التَّخلص من الرِّق. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال هذا أخذه من كلام الكِرمانيِّ فإنَّه قال معناه التَّخلص من الرِّق، فالصَّحيح أن يقال بإعتاقي. قال وكلٌّ من الناقل والمنقول منه لم يحرِّر كلامه؛ فإن العتق والعَتَاقة والعَتَاق كلها مصادر من عتق العبد، وقول النَّاقل وهو أوجهُ غيرُ موجَّه؛ لأنَّ العتق والعَتَاقة واحدٌ في المعنى، فكيف يقول العتق أوجه؟!
ثم قوله والوجه أن يقول بإعتاقي؛ لأنَّ المراد التَّخلص من الرِّقِّ، كلامُ من ليس له وقوفٌ على كلام القوم، فإن صاحب (( المغرب ) )قال العتقُ هو الخروجُ من المملوكيَّة وهو التَّخلص من الرِّقيَّة، وقد يقومُ العتق مقامَ الإعتاق الذي هو مصدر أعتقَه مولاه. انتهى.
وفي (( التوضيح ) )وفي هذا الحديث من الفقهِ أنَّ الكافر قد يُعْطَى عوضًا من أعمالهِ التي يكون منها قربة لأهل الإيمان بالله، كما في حقِّ أبي طالب غير أنَّ التخفيف عن أبي لهب أقل من التَّخفيف عن أبي طالب، وذلك لنصرةِ أبي طالب لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وحياطتهِ له وعداوةِ أبي لهب له.
وقال ابن بطَّال وصحَّ قول من تأول في معنى الحديث الذي جاءَ عن الله تعالى أنَّ رحمتَه
ج 22 ص 313
سبقتْ غضَبَه إنَّ رحمتَه لا تنقطع عن أهل النَّار المخلَّدين فيها، إذ في قدرتهِ أن يخلقَ لهم عذابًا يكون عذابُ النَّارِ لِأَهلها رحمةً وتخفيفًا بالإضافة إلى ذلك العذاب.
ومذهبُ المحقِّقين أنَّ الكافر لا يخفَّف عنه العذاب بسبب حسناتهِ في الدنيا، بل يوسَّع عليه بها في دنياه لظاهرِ القرآن، قال الله تعالى {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان 23] .
وقال القاضي عياض انعقدَ الإجماع على أنَّ الكفَّار لا تنفَعُهم أعمالهم ولا يثابونَ عليها بنعيمٍ ولا تخفيفِ عذابٍ وإن كان بعضُهم أشدَّ عذابًا بحسب جرائمهم.
وقال الكرمانيُّ لا ينفع الكافر العمل الصَّالح؛ إذ الرُّؤيا ليست بدليل، وعلى تقدير التَّسليم يحتمل أن يكون العمل الصَّالح والخير الذي يتعلَّق بالرَّسول صلى الله عليه وسلم مخصوصًا من ذلك، كما أنَّ أبا طالب أيضًا ينتفعُ بتخفيف العذاب. وقد قيل إنَّ قول عروة لما مات أبو لهب أُريه بعضُ أهلهِ ... إلى آخره خبر مرسلٌ أرسله عروة ولم يذكر من حدَّثه به.
وعلى تقدير أن يكون موصولًا فالَّذي في الخبر رؤيا منام فلا حجَّة فيه [1] ، ولعلَّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به.
وأُجيب ثانيًا على تقدير القبول، يحتمل أن يكون ما يتعلَّق بالنَّبي صلى الله عليه وسلم مخصوصًا من ذلك بدليل قصة أبي طالب، كما تقدم أنه خُفِّفَ عنه، فنُقِلَ من الغَمَرَاتِ إلى الضَّحْضَاح.
وقال البيهقي ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التَّخلص من النَّار ولا دخول الجنَّة، ويجوز أن يخفَّف عنهم من العذاب الذي يستوجبونَه على ما ارتكبوهُ من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات.
هذا، ولا يَرُدُّ الاحتمالَ الذي ذكره البيهقيُّ ما نُقِلَ عن القاضي عياض وغيره، فإنَّ جميعَ ما وردَ من ذلك فيما يتعلَّق بذنب الكفر، وأمَّا ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه؟ وقال القرطبيُّ هذا التَّخفيف خاصٌّ بهذا، وبمن وردَ فيه النَّص.
وقال ابنُ المُنَيِّر في (( الحاشية ) )هنا قضيتان
إحداهما محالٌ، وهي اعتبار طاعةِ الكافر مع كفرهِ؛ لأنَّ شرط الطَّاعة
ج 22 ص 314
أن يقعَ بقصد صحيحٍ، وهذا مفقود من الكافر. الثانية إثابة الكافر على بعضِ الأعمال تفضلًا من الله تعالى، وهذا لا يحيله العقل فإذا تقرَّر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثُوَيبة قربة مُعتبرة، ويجوز أن يتفضَّل الله عليه بما شاء، كما تفضل على أبي طالب، والمتَّبع في ذلك التَّوقيف نفيًا وإثباتًا.
وتتمَّة هذا أن يقعَ التَّفضل المذكور إكرامًا لمن وقع له البر من الكافر ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.
ومن جملة ما يشتملُ عليه حديث الباب حرمةُ الجَمْعِ بين الأختين بملك النِّكاح بلا خلافٍ، واختُلِفَ في الأختين بمِلْكِ اليمين، وكافة العلماء على التَّحريم أيضًا خلافًا لأهل الظَّاهر، واحتجُّوا بما رُوِيَ عن عثمان رضي الله عنه حَرَّمتها آيةٌ وأحلَّتها آيةٌ، والآية المُحِلَّة لها قوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء 24] .
وحكاه الطَّحَّاوي عن علي وابن عبَّاس رضي الله عنهما، وقد رُوِيَ المَنْعُ عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عبَّاس وابن عمر وعائشة وابن الزُّبير رضي الله عنهم.
وممَّا يشتملُ عليه أيضًا ثبوتُ حرمة الرَّضاع بين الرَّضيع والمرضعة، وأنَّه يصير بمنزلة أمها من الولادة يحرم عليه نكاحها أبدًا، ويحلُّ له النَّظر إليها، والخلوة بها والمسافرة، ولا يترتب عليها أحكام الأمومة من كلِّ وجه؛ فلا توارثَ ولا نفقة، ولا عتق بالمِلك، ولا ترد شهادته لها، ولا يعقلُ عنها ولا يسقطُ عنهما القصاص بقتلهما.
ومن ذلك انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرَّضيع، وبين الرَّضيع وأولاد المرضعة، وحرمة الرَّضاع بين الرَّضيع وزوج المرضعة، ويصيرُ الرَّضيع ولدًا له وأولاد الرَّجل أخوة الرَّضيع، وأخوة الرَّجل أعمام الرَّضيع، وأخواته عمَّاته، ويكون أولاد الرَّضيع أولادًا للرَّجل.
ولم يخالف في ذلك إلَّا أهل الظَّاهر وابن عليَّة، فإنهم قالوا حرمة الرَّضاع بين الرجل والرَّضيع، كذا نقلَه الخطَّابي والقاضي عياض عنهما، وزاد الخطَّابي ابن المسيَّب.
[1] في هامش الأصل فلا يثبت به حكم شرعي.