5115 - (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهدي، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ) محمد بن مسلم بن شهاب (يَقُولُ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه (وَأَخُوهُ) أي أخو الحسن (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ) أبو هاشم، كذا في رواية أبي ذرٍّ، وسقط في رواية غيره كلاهما (عَنْ أَبِيهِمَا) محمد بن الحنفيَّة. وفي رواية الدَّارقطني في (( الموطآت ) )من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مالك، عن الزُّهري أنَّ عبدَ الله والحسنَ ابني محمد أخبراهُ أنَّ أباهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) سيأتي بيان تحديثه له بهذا الحديث في تَرْكِ الحِيَل بلفظ [خ¦6961] (( أنَّ عليًا رضي الله عنه قيل له إنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا يرى بمتعةِ النِّساء بأسًا ) ). وفي رواية الثَّوري ويحيى بن سعيد كلاهما عن مالك عند الدَّارقطني (( أنَّ عليًا سمع ابن عبَّاس وهو يفتي في متعةِ النِّساء، فقال أما علمتَ ) ). وأخرجه سعيدُ بن منصور، عن هُشيم، عن يحيى بن سعيد، عن الزُّهري بدون ذكر مالك، ولفظه (( أنَّ عليًا مرَّ بابن عبَّاس وهو يُفتي في متعة النِّساء أنَّه لا بأس بها ) ). وفي رواية مسلم من طريق جُويرية، عن مالك بسندِهِ (( أنَّه سمع عليَّ بن أبي طالب يقول لفلان إنَّك رجل تائه ) ). وفي رواية الدَّارقطني من طريق الثَّوري أيضًا (( تكلم علي وابن عبَّاس في متعة النِّساء، فقال له عليٌّ إنَّك امرؤ تائهٌ ) ). وفي رواية مسلم من وجهٍ آخر (( أنَّه سمعَ ابن عبَّاس يلين في متعة النِّساء فقال مهلًا يا ابن عبَّاس ) ). وفي رواية أحمد من طريق مَعمر (( رخَّص في متعة النِّساء ) ).
(إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ)
ج 22 ص 362
وفي رواية أحمد، عن سفيان (( نهى عن نكاحِ المتعة ) ) (وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ) هكذا لجميع أصحاب الزُّهري خيبر، بالمعجمة أوله وبالراء آخره، إلَّا ما رواه عبد الوهاب الثَّقفي، عن يحيى بن سعيد، عن مالك في هذا الحديث فإنَّه قال حنين بمهملة أوله ونونين، أخرجه النَّسائي والدَّارقطني، ونبَّها على أنَّه وهمٌ تفرَّد به عبد الوهاب.
وأخرجه الدَّارقطني من طريق أخرى عن يحيى بن سعيد فقال خيبر، على الصَّواب، وأغرب من ذلك رواية إسحاق بن راشد عن الزُّهري بلفظ (( نهى في غزوة تبوك عن نكاح المتعة ) )، وهو خطأٌ أيضًا.
ثمَّ الظَّاهر أنَّ لفظ زمن خيبر، ظرف للأمرين، وحكى البيهقيُّ عن الحميدي أنَّ سفيان بن عيينة كان يقول قوله يوم خيبر، يتعلَّق بالحمر الأهليَّة لا بالمتعة. قال البيهقيُّ وما قاله محتملٌ في روايته هذه، وأمَّا غيره فصرَّح أن الظَّرف يتعلَّق بالمتعة، وقد مضى في غزوة خيبر من كتاب المغازي [خ¦4216] .
ويأتي في الذَّبائح من طريق مالك بلفظ [خ¦5523] (( نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومَ خيبر عن مُتْعَةِ النِّساء وعن لُحُومِ الحُمُرِ الأهليَّة ) ). وهكذا أخرجه مسلم من رواية ابن عُيينة أيضًا. وسيأتي في ترك الحيل في رواية عبيد الله بن عمر عن الزُّهري [خ¦6961] (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر ) ). وكذا أخرجه مسلم وزاد من طريقه فقال (( مهلًا يا ابن عبَّاس ) ).
وفي رواية أحمد من طريق مَعمر بسندِهِ (( أنَّه بلغه أنَّ ابن عبَّاس رخَّص في متعة النِّساء، فقال له إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحُمر الأهلية ) ). وأخرجه مسلمٌ من رواية يونس بن يزيد، عن الزُّهري مثل رواية مالك، والدَّارقطني من طريقِ ابن وهب، عن مالك ويونس وأسامة بن زيد ثلاثتهم، عن الزُّهري كذلك.
وذكر السُّهيلي أنَّ ابن عُيينة رواه عن الزُّهري بلفظ (( نهى عن أكلِ الحمر الأهليَّة عام خَيبر، وعن المتعة بعد ذلك، أو في غير ذلك اليوم ) ). انتهى.
وقال
ج 22 ص 363
الحافظُ العسقلاني وهذا اللَّفظ الذي ذكره لم أره من رواية ابن عُيينة، فقد أخرجَه أحمدُ وابنُ أبي عمر والحُميدي وإسحاق في (( مسانيدهم ) )عن ابن عُيينة باللَّفظ الذي أخرجه البخاريُّ من طريقه لكن منهم من زاد لفظ نكاح، كما سبق.
وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق عثمان بن أبي شيبة وإبراهيم بن موسى والعبَّاس بن الوليد. وأخرجَه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب جميعًا عن ابن عُيينة بمثل لفظ مالك. وكذا أخرجه سعيدُ بن منصور، عن ابن عُيينة لكن قال (( زمن ) )بدل يوم.
قال السُّهيلي ويتَّصل بهذا الحديث تنبيه على إشكالِ؛ لأنَّ فيه النَّهي عن نكاحِ المتعة يوم خيبر، وهذا شيءٌ لا يعرفه أحدٌ من أهل السير، ورواة الأثر.
قال فالَّذي يظهرُ أنَّه وقع تقديمٌ وتأخيرٌ في لفظ الزُّهري. وهذا الذي قالَه سبقَه إليه غيره في النَّقل عن ابن عُيينة فذكر ابنُ عبد البر من طريق قاسم بن أصبغ أنَّ الحميدي ذكر عن ابن عيينة أنَّ النَّهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأمَّا المتعة فكان في غير يوم خيبر. قال ابنُ عبد البر وعلى هذا أكثر الناس.
قال البيهقيُّ يشبه أن يكون كما قال؛ لصحَّة الحديث في أنَّه صلى الله عليه وسلم رخَّص فيها بعد ذلك، ثمَّ نهى عنها، فلا يتم احتجاج علي رضي الله عنه إلَّا إذا وقع النَّهي أخيرًا؛ لتقوم له الحجَّةُ على ابنِ عبَّاس رضي الله عنهما.
وقال أبو عَوَانة في (( صحيحه ) )سمعتُ أهل العلم يقولون معنى حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّه نهى يوم خيبر عن لحوم الحُمُر الأهلية، وأمَّا المتعة فسكتَ عنها وإنما نهى عنها يوم الفتح. انتهى.
والحامل لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرُّخصة فيها بعد زمن خيبر، كما أشار إليه البيهقيُّ، لكن يمكن الانفصالُ عن ذلك بأنَّ عليًا رضي الله عنه لم تبلغه الرُّخصة فيها يوم الفتح لوقوع النَّهي عنها عن قرب.
ويؤيِّد ظاهر حديث عليٍّ رضي الله عنه ما أخرجَه أبو عَوَانة في (( صحيحه ) )من طريق سالم بن عبد الله (( أنَّ رجلًا سأل ابنَ عمر رضي الله عنهما عن المتعة؟ فقال حرامٌ، فقال إنَّ فلانًا يقول فيها فقال والله
ج 22 ص 364
لقد عَلِمَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حرَّمها يوم خيبر وما كنَّا مسافحين )) .
قال السُّهيلي وقد اختُلِفَ في وقت تحريم نكاحِ المتعة؛ فأَغْرَبُ ما رُوِيَ في ذلك روايةُ من قال في غزوة تبوك. ثمَّ رواية الحسن أنَّ ذلك كان في عمرة القضاء، والمشهور في تحريمها أنَّ ذلك كان في غزوة الفتح، كما أخرجه مسلم من حديث الرَّبيع بن سبرة، عن أبيه.
وفي رواية الربيع أخرجها أبو داود أنَّه كان في حجَّة الوداع، قال ومن قال من الرُّواة كان في غزوة أوطاس، فهو موافقٌ لمن قال عام الفتح. انتهى.
فتحصَّل ممَّا أشار إليه ستَّة مواطن أوَّلها خيبر، ثمَّ عُمرة القضاء، كما رواه عبد الرَّزَّاق من مرسل الحسن البصري، ومراسيلُه ضعيفة؛ لأنَّه كان يأخذُ عن كلِّ أَحَدٍ، قاله الإمام القسطلاني.
ثمَّ الفتح كما في مسلم بلفظ (( إنها حرامٌ من يومكم هذا إلى يوم القيامة ) ). ثمَّ أوطاس، كما في مسلم بلفظ (( رخَّص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثًا ثمَّ نهى عنها ) )، لكن يحتمل أنَّه أطلق على عام الفتح عام أوطاس لتقاربهما، كما تقدَّم، لكن يبعدُ أن يقعَ الإذن في غزوة أوطاس بعد أن وقع التَّصريح قبلها في الفتح بأنَّها حُرِّمَتْ إلى يوم القيامة.
ثمَّ تبوك، فيما أخرجه إسحاق بن راهويه وابن حبَّان من طريقه من حديث أبي هريرة، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّه من رواية المؤمل بن إسماعيل، عن عكرمة، عن عمَّار، وفي كلٍّ منهما مقال، وعلى تقدير صحَّته فليس فيه أنَّهم استمتعوا في تلك الحالة، أو كان النَّهي قديمًا، فلم يبلغْ بعضَهم، فاستمرَّ على الرُّخصة، ولذلك قَرَن صلى الله عليه وسلم النَّهي بالغضب، كما في رواية الحازمي من حديث جابر رضي الله عنه، قال (( خرجنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك حتَّى إذا كنا عند العقبة ممَّا يلي الشام جاءتْ نسوة قد كنَّا تمتَّعنا بهنَّ يطفنَ برجالنا فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فغضبَ وقام فخطبنا فحمد الله وأثنى عليه ونهى عن المتعة
ج 22 ص 365
فتوادعنَا يومئذٍ، فسُمِّيتْ ثنية الوداع، ثمَّ حجَّة الوداع، كما عند أبي داود، لكن اختلف فيه على الرَّبيع بن سبرة، والرواية عنه بأنَّها في الفتح أصحُّ وأشهر، فإن كان حفظ فليس في سياق أبي داود سوى مجرَّد النَّهي، فلعلَّه صلى الله عليه وسلم أراد إعادة النَّهي ليشيع ويسمعَه من لم يسمعْه قبل ذلك )) .
ويقويِّه أنهم كانوا حجُّوا بنسائهم بعد أن وسع الله عليهم بفتح خيبر من المال والسَّبي، فلم يكونوا في شدَّة ولا في طولِ عزوبة، فلم يبق من المواطن صحيح صريحٌ سوى خيبر والفتح، مع ما وقعَ في خيبر من كلام أهل العلم، كما تقدَّم.
وأيَّده ابن القيم في (( الهدي ) )بأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يستمتعون باليهوديات. وقال الماوردي في (( الحاوي ) )في تعيين موضع تحريم المتعة وجهان
أحدهما أنَّ التَّحريم تكرَّر ليكون أظهرَ وأنشر حتى يَعْلَمَه من لم يكن عَلِمَهُ؛ لأنَّه قد يحضرُ في بعض المواطن من لا يحضر في غيرها.
والثاني أنَّها أبيحت مرارًا، ولهذا قال في المرَّة الأخيرة إلى يوم القيامة إشارةً إلى أنَّ التَّحريم الماضي كان مؤذنًا بأنَّ الإباحة تعقُبُه، بخلاف هذا فإنَّه تحريم مؤبَّد لا تعقُبُه إباحة أصلًا، وهذا الثاني هو المعتمدُ، ويردُّ الأول التَّصريح بالإذن فيها في الموطن المتأخر عن الموطن الذي وقع التَّصريح فيه بتحريمها، كما في غزوة خيبر ثمَّ الفتح.
وقال النَّووي الصَّواب أنَّ تحريمَها وإباحَتها وقعا مرَّتين؛ فكانت مباحة قبل خيبر، ثمَّ حُرِّمَتْ يوم خيبر، ثمَّ أبيحتْ عام الفتح وهو عامُ أوطاس لاتِّصالها بها، ثمَّ حرِّمت يومئذٍ بعد ثلاثة أيَّام تحريمًا مؤبَّدًا إلى يوم القيامة.
قال ولا مانعَ من تكرير الإباحة. ونقلَ غيره عن الشَّافعي أنَّ المتعة نُسِخَتْ مرتين.
وقد تقدَّم في أَوَائِل النِّكاح [خ¦5071] حديثُ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه في سبب الإذن في نكاح المتعةِ، وأنهم كانوا إذا غزوا اشتدَّت عليهم العزوبةُ فأذن لهم في الاستمتاعِ، فلعلَّ النَّهي كان يتكرَّر في كلِّ موطن بعد الإذن فلمَّا وقعَ في المرَّة الأخيرة أنَّها حرمت إلى يوم القيامة لم يقعْ بعد ذلك إذن، والله تعالى أعلم.
ج 22 ص 366
ثمَّ الحِكْمَةُ في جمع علي رضي الله عنه بين النَّهي عن الحُمُر والمتعة أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان يرخِّص في الأمرين معًا، وسيأتي النَّقل عنه في الرُّخصة في الحُمُر الأهلية في أواخر كتاب الأطعمة [خ¦5529] ، فردَّ عليه علي رضي الله عنه في الأمرين معًا، وأنَّ ذلك وقع يوم خيبر، فإمَّا أن يكون على ظاهرهِ، وأنَّ النَّهي عنهما وقع في زمنٍ واحدٍ، وإمَّا أن يكون الإذن الذي وقع عام الفتح لم يبلغ عليًا رضي الله عنه؛ لقصر مدَّة الإذن وهو ثلاثة أيام كما تقدَّم، وقد سبقَ هذا الحديثُ في المغازي، في غزوة خيبر [خ¦4216] .
تذييل اعلم أنَّ الحسنَ المذكور في الإسناد أخرجَ له البخاري غير هذا الحديث منها ما تقدَّم له في الغسل من روايته عن جابر رضي الله عنه [خ¦256] ، ويأتي له في هذا الباب آخر عن جابر وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهما [خ¦5117] [خ¦5118] . وأمَّا أخوه عبد الله فكنيته أبو هاشم، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، ووثَّقه ابن سعد والنَّسائي والعِجْلي وقد تقدَّمت له طريق أخرى في غزوة خيبر من كتاب المغازي [خ¦4216] ، ويأتي أخرى في كتاب الذَّبائح [خ¦5523] وأخرى في ترك الحيل [خ¦6961] وقرنه في المواضع الثَّلاثة بأخيه الحسن.
وذَكَرَ في (( التاريخ ) )عن ابن عُيينة، عن الزُّهري أخبرنا الحسن وعبدُ الله ابنا محمَّد بن علي وكان الحسن أوثقهمَا، ولأحمد عن سفيان وكان الحسنُ أرضاهما إلى أنْفُسِنَا، وكان عبدُ الله يتبع السَّبَائية. انتهى.
والسَّبَائية، بمهملة ثم موحدة يُنْسَبُون إلى عبد الله بن سبأ، وهو من رؤوس الرَّوافض، وكان المختار بن أبي عُبيد على رأيه، ولما غلبَ على الكوفة وتتبَّع قتلة الحسين فقتلَهم، أحبَّته الشِّيعة، ثمَّ فارقه أكثرهم لِمَا ظَهَرَ منه من الأكاذيب، وكان من رأي السَّبَائية مُوَالاةُ محمدِ بن عليِّ بن أبي طالب، وكانوا يزعمون أنَّه المهدي، وأنه لا يموتُ حتى يخرجَ في آخر الزَّمان، ومنهم من أقرَّ بموته وزَعَمَ أنَّ الأمرَ بعدَه صارَ إلى ابنهِ أبي هاشم هذا، ومات أبو هاشم في آخر ولاية سليمان بن عبد الملك سنة ثمان أو تسع وتسعين.
ج 22 ص 367