5130 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو) هو النِّيسابوري، قاضيها، يكنى أبا علي، وقد مرَّ في (( الحج ) ) [خ¦1593] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) حفص بن عبد الله بن راشد النِّيسابوري، وهو من أفرداه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (إِبْرَاهِيمُ) أي ابن طهمان (عَنْ يُونُسَ) أي ابن عُبيد بن دينار البصري (عَنِ الْحَسَنِ) البصري، أنَّه (قَالَ) في تفسير قوله تعالى ( {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة 232] ) ووقع في تفسير الطَّبري من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّها نزلت في ولي النِّكاح أن لا يضارَّ وليته فيمنعها من النِّكاح (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف، ويَسار بفتح الياء وتخفيف السين المهملة، ابن عبد الله المزني، سكن البصرة، وابتنى بها دارًا، وإليه يُنْسَبُ نهر معقل بالبصرة، شهدَ بيعة الحديبية، وتوفي بالبصرة في آخر خلافة معاوية رضي الله عنه، وقد قيل إنَّه توفى في أيام يزيد بن معاوية (أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي) اسمها جُميل، بالجيم مصغرًا بنت يسار. وقع في (( تفسير الطَّبري ) )
ج 22 ص 403
من طريق ابن جُريج، وبه جزم ابنُ ماكولا، وسمَّاها ابن فَتحون كذلك لكن بغير تصغير، وقيل اسمها ليلى، حكاه السُّهيلي في (( مبهمات القرآن ) ).
وقال البيهقي كذلك، وتبعه الحافظ المنذريُّ، ووقع عند ابن إسحاق أنَّها فاطمة، ويحتمل التَّعدد بأن يكون لها اسمان ولقب أو لقبان واسم.
(مِنْ رَجُلٍ) هو أبو البَدَّاح، بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة وبعد الألف حاء مهملة، هو ابنُ عاصم بن عدي القضاعي، حليف الأنصار، هكذا وقع قي (( أحكام القرآن ) )لإسماعيل القاضي من طريق ابن جُريج أخبرني عبد الله بن مَعْقل أنَّ جميل بنت يسار أخت معقل كانت تحت أبي البَدَّاح بن عاصم فطلقها وانقضت عدتها فخطبها.
واستشكلَه الذَّهبي أنَّ أبا البَدَّاح تابعي على الصَّواب، فيحتمل أن يكون صحابيًا آخر، فقد جزمَ بعض المتأخرين بأنَّه البَدَّاحُ بن عاصم، وكنيته أبو عَمرو، وقيل أبو بكر، فإن كان محفوظًا فهو أخو أبي البَدَّاح التَّابعي.
(فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا) أي من وليها، وهو أخوها وهي من الأحوال المقدرة (فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ) أي إيَّاها (وَفَرَشْتُكَ) وفي رواية أبي ذرٍّ أي جعلتها لك فراشًا، يقال فرشتُ الرجلَ إذا فرشت له (وَأَكْرَمْتُكَ) أي بذلك (فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لاَ وَاللَّهِ لاَ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا. وَكَانَ رَجُلًا لاَ بَأْسَ بِهِ) قال ابن التِّين أي كان جيدًا، وهذا ممَّا غيرته العامة، فكنوا به عمَّن لا خير فيه، كذا قال، ووقع في رواية مُبَارك بن فَضَالة عن الحسن عند أبي مسلم الكجِّي قال الحسنُ عَلِمَ اللهُ حاجةَ الرجلِ إلى امرأته، وحاجةَ المرأة إلى زوجها، فأنزل الله هذه الآية.
(وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} ) هذا صريحٌ في نزول هذه الآية في هذه القصَّة، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السِّياق للأزواج حيث وقع فيها {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ} [البقرة 231] ، لكن قوله في بقيتها {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة 232] ظاهر في أنَّ العضل يتعلَّق بالأولياء. وقد تقدَّم في التَّفسير بيان العضل الذي يتعلَّق بالأزواج في قوله تعالى {لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [النساء 19] فيستدلُّ في كلِّ مكان بما يليقُ به.
(فَقُلْتُ الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ)
ج 22 ص 404
أي أعادها إليه بعقدٍ جديد، وفي رواية الثَّعلبي (( فإني أؤمنُ بالله، فأنكحها إيَّاه، وكفَّرَ عن يمينه ) ). وفي رواية أبي نُعيم في (( المستخرج ) ) (( فقلت الآن أقبلُ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). وفي رواية أبي مسلم الكجي من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن (( فسمع ذلك معقل بن يسار فقال سمعًا لربِّي وطاعةً، فدعا زوجها فزوَّجها إيَّاه ) ).
قال ابن بطَّال اختلفوا في الولي؛ فقال الجمهور ومنهم مالك، والثَّوري، واللَّيث، والشَّافعي وغيرهم الأولياء في النِّكاح هم العصبة وليس للخال ولوالد الأم ولا للأخوة من الأمِّ ونحو هؤلاء وِلاية، وعن الحنفية هم من الأولياء.
واحتجَّ الأبهري بأنَّ الذي يرث الولاء هم العصبة دون ذوي الأرحام، قال وكذلك عقدة النِّكاح. واختلفوا فيما إذا مات الأبُ فأوصى رجلًا على أولاده هل يكون أولى من الولي القريب في عقد النِّكاح أو مثله أو لا ولاية له؟ فقال ربيعةُ وأبو حنيفة ومالك الوصيُّ أولى، واحتجَّ لهم بأن الأب لو جعل ذلك لرجل بعينه في حياتهِ لم يكن لأحدٍ من الأولياء أن يعترضَ عليه، فكذلك بعد موته.
وتُعُقِّبَ بأن الولايةَ انتقلتْ بالموت، فلا يقاسُ بحال الحياة، وقد اختلفَ العلماء في اشتراطِ الولي في النِّكاح؛ فذهب إلى ذلك الجمهور، وقالوا لا تُزَوِّجُ المرأةُ نفسَها أصلًا، واحتجُّوا بالأحاديث المذكورة، ومن أقواها هذا السَّبب المذكور في نزول الآية المذكورة، وهي أصرحُ دليلٍ على اعتبار الولي وإلَّا لما كان لفصلهِ معنى، ولأنَّه لو كان لها أن تزوِّج نفسها لم يحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إنَّ غيره مَنَعَه منه، وذكر ابنُ المنذر أنَّه لا يُعْرَفُ عن أحد من الصَّحابة خلاف ذلك، وعن مالك رواية أنَّها إنْ كانت غيرَ شريفة زوَّجت نفسها، وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنَّه لا يشترطُ الولي أصلًا، ويجوز أن تزوِّج نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوَّجت كفؤًا، واحتجَّ بالقياس إلى البيع فإنها تستقلُّ به، وحَمَلَ الأحاديثَ الواردةَ في اشتراط الوليِّ على الصَّغيرة، وخصَّ بهذا القياس عمومَها وهو عمل سائغٌ في الأصول، وهو جوازُ تخصيصِ العموم بالقياس، لكن حديث
ج 22 ص 405
معقل المذكور رَفَعَ هذا القياسَ ودلَّ على اشتراطِ الوليِّ في النِّكاح دون غيره ليندفعَ عن موليته العار باختيارهِ الكفؤ.
وانْفَصَلَ بعضُهم عن هذا الإيراد بالتزامهم اشتراطَ الولي، ولكن لا يمنع ذلك تزويجها نفسها ويتوقَّف ذلك على إجازةِ الولي، كما قالوا في البيع، وهو مذهبُ الأوزاعي، وقال أبو ثور نحوه لكن قال يشترطُ إذن الولي لها في إنكاح نفسها، وتُعُقِّب بأن إذن الولي لا يصحُّ إلَّا لمن ينوب عنه، والمرأةُ لا تنوبُ عنه في ذلك؛ لأنَّ الحقَّ لها ولو أذنَ لها في إنكاحِ نفسها صارتْ كمن أذنَ لها في البيع من نفسها ولا يصحُّ، وفي حديث مَعقل أنَّ الولي إذا عضل لا يزوج السُّلطان إلَّا بعد أن يأمره بالرُّجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك وإن أصرَّ زوج، كذا قالوا، وقد تقدَّم ما يتعلَّق بذلك، والله تعالى أعلم.
ومطابقةُ الحديثِ للترجمةِ ظاهرةٌ عند من لا يرى النِّكاح إلَّا بولي، ولمن يجوِّز لها أن تزوِّج نفسها بنفسها أن يقول هذا الحديث لا يدلُّ على ما يذهبون إليه؛ لأن قوله زوَّجتُ أختًا لي لا يدلُّ على أنَّه زوَّجها بغير رضاها، وقوله لا تعود إليك أبدًا، خارج مخرجَ العادة في كلام الرِّجال فيمن يتعلَّق بهم من النِّساء، وأمَّا قوله {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة 232] فيدلُّ على أنَّ الولاية لها على ما لا يخفى.