458 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشِحِي _ بكسر المعجمة والمهملة _ نسبة إلى واشح،
ج 3 ص 313
بطن من الأزد، البصري قاضي مكَّة (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) ابن درهم الأزدي، الحمصي البصري (عَنْ ثَابِتٍ) البُناني (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيع _ بضم النون وفتح الفاء _ الصَّائغ التابعي الكبير، ولقد وَهِم من قال إنَّه أبو رافع الصَّحابي، وقال هو من رواية صحابي عن صحابي، وليس كما قاله، فإنَّ ثابتًا البنانيَّ لم يدرك أبا رافع الصَّحابي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
ورجال هذا الإسناد ما بين بصري ومدني، وقد أخرج متنه المؤلف في الجنائز أيضًا [خ¦1337] ، وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه فيه أيضًا.
(أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) الشَّكُّ فيه إمَّا من ثابت، أو من أبي رافع، ولكنَّ الظَّاهر أنَّه من ثابت؛ لأنَّه رواه عنه جماعة هكذا، وأخرجه ابنُ خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال امرأة سوداء، ولم يشكَّ، ووقع في رواية البيهقي من حديث ابن بُريدة، عن أبيه أن اسم المرأة أم مِحْجَن.
وذكر ابن منده في (( الصحابة ) )خرقاء امرأة سوداء، كانت تقمُّ المسجد، وقع ذكرها في حديث حمَّاد بن زيد، عن ثابت، فعلى هذا يكون اسمها خرقاء، وكنيتُها أم محجن.
(كَانَ يَقُمُّ) أو كانت تقمُّ، فحذف كباقيها للدَّلالة عليه (الْمَسْجِدَ) من قمَّ الشيءَ يقمُّ، من باب نَصر يَنْصر؛ أي كنسه، والقُمامة _ بالضم _ الكُنَاسة، قاله ابن سيده.
وقال اللِّحياني قمامة البيت ما كُسِح منه، وألقي بعضه على بعض، وهي لغةٌ حجازيَّة، والقِمَّة _بالكسر _ المكنسةُ. هذا؛ وفي بعض طرق الحديث كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد، وبذلك تقع المطابقة بين التَّرجمة والحديث.
(فَمَاتَ) أو فماتت (فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ) أي عن حاله الناسَ، أو عنها (فَقَالُوا مَاتَ) أو ماتت، وأفاد البيهقي في روايته أنَّ الذي أجابه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن سؤاله عنها أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي رواية (أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) بالمد؛ أي أعلمتموني (بِهِ) أي بموته أو بها، حتى أصلي عليه أو عليها، زاد المؤلف في الجنائز قال (( فحقَّروا شأنه ) ) [خ¦1337] ، وزاد ابن خزيمة من طريق العلاء (( قالوا مات من اللَّيل، فكرهنا أن نوقظك ) )، وكذا في حديث بريدة.
(دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ قَبْرِهَا) على الشكِّ (فَأَتَى) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَبْرَهُ) أو قبرها (فَصَلَّى عَلَيْهاِ) أو عليه، وزاد الطبراني من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( وقال إني رأيتها في الجنَّة، بلَقْطِ
ج 3 ص 314
القذى من المسجد )) .
وإنما فعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك؛ لأنَّ صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهم نور ورحمة في قبرهم، على ما جاء في رواية مسلم (( أنَّ امرأة أو شابًا ... ) )الحديث، وزاد في آخره (( إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنَّ الله تعالى ينوِّرها عليهم بصلاتي عليهم ) )قيل وإنَّما لم يخرج المؤلِّف هذه الزِّيادة؛ لأنَّها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بين ذلك غير واحد من أصحاب حمَّاد بن زيد.
وقال البيهقي الَّذي يغلب على الظَّن أنَّ هذه الزِّيادة في غير رواية أبي رافع عن أبي هريرة، فإمَّا أن تكون من مراسيل ثابت، كما قال أحمد بن عَبْدة ومن تابعه، أو من رواية ثابت عن أنس، كما رواه ابن منده.
ووقع في (( مسند ) )أبي داود الطَّيالسي عن حمَّاد بن زيد وأبي عامر الخزَّاز، كلاهما عن ثابت بهذه الزِّيادة، وزاد بعدها فقال رجلٌ من الأنصار إنَّ أبي أو أخي مات، أو دُفِن، فصلَّ عليه، قال فانطلق معه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروى ابن حبَّان من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمَّه يزيد بن ثابت، قال (( خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلمَّا ورد البقيع، إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل فلانة، فعرفها، وقال ألا آذنتموني بها، قالوا كنتَ قَائِلًا؛ أي نائمًا من القيلولة، صائمًا، فكرهنا أن نؤذيك، قال فلا تفعلوا، ما مات فيكم ميِّت ما كنت بين أظهُركم إلَّا آذنتموني به، فإنَّ صلاتي عليه رحمة له، ثمَّ أتى القبر، فصففنا خلفه، فكبر عليه أربعًا ) )، كذا ذكره في (( صحيحه ) ).
وقال صاحب (( التلويح ) )وهو يحتاج إلى تأمُّلٍ ونظرٍ، وذلك أنَّ يزيد قُتِل باليمامة سنة ثنتي عشرة، وخارجة توفي سنة مائة أو أقل من ذلك، وسنه سبعون، فلا يتجه سماعه منه بحال.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة من حيث الكنسُ ظاهر، وأمَّا من حيث الالتقاطُ فمن جهة القياس على الكنس، والجامع بينهما التَّنظيف.
وقيل أشار البُخاري بذلك كله إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا (( وكانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد ) )، رواه ابن خزيمة، وفي حديث بريدة، عن أبيه (( كانت مُولَعة بلقط القذى من المسجد ) ).
ومن فوائد الحديث فضل تنظيف المسجد.
وقال ابنُ بطال فيه الحضُّ على كنس المساجد وتنظيفها؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما خصَّه بالصَّلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك، وقد روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كنس المسجد.
ومنها خدمة الصَّالحين، ومنها السؤال عن الخادم والصَّديق إذا غاب، وافتقاده، ومنها
ج 3 ص 315
المكافأة بالدعاء، والترحم على من وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم، ومنها التَّرغيب في شهود جنائز أهل الخير، ومنها جواز الصَّلاة على القبر، وهي مسألة خلافيَّة، جوَّزه طائفة، منهم علي وأبو موسى وابن عمر وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم، وهو قول الأوزاعي والشَّافعي وأحمد وإسحاق، ومَنَعه النَّخعي والحسن البصري والثوري، وهو قول أبي حنيفة واللَّيث ومالك. ومنهم من قال إنما يجوز إذا لم يُصلِّ الولي أو الوالي، ثم اختلف من قال بالجواز إلى كم يجوز؟ فقيل إلى شهر، وقيل ما لم يَبْلَ جسده، وقيل أبدًا، وسيأتي مزيد الكلام في «الجنائز» [خ¦1336] إن شاء الله تعالى، ومنها استحباب الإعلام بالموت.