فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 11127

457 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عبد الله بن جعفر بن اليمان، أبو جعفر الجعفي البخاري، المعروف بالمُسنَدي، مات يوم الخميس لست ليالٍ بقين من ذي القعدة، سنة تسع وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين، ابن فارس البصري،

ج 3 ص 311

وقد مرَّ في باب إذا ذَكَر في المسجد أنه جُنُب [خ¦275] (قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاري السُّلَمي المدني (عَنْ) أبيه (كَعْبٍ) بن مالك الأنصاري الشاعر، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وأنزل فيهم {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة 118] . روي له ثمانون حديثًا، للبخاري منها أربعة [خ¦5504] [خ¦4418] [خ¦443] [خ¦4677] [خ¦6690] ، مات بالمدينة سنة خمسين، وكان ابنه عبد الله قائده حين عَمِي.

ورجال هذا الإسناد ما بين بخاري وبصري ومدني، وقد أخرج متنه المؤلف في الصُلح والملازمة [خ¦2706] وأخرجه مسلم في «البيوع» ، وأبو داود والنسائي في «القضاء» ، وابن ماجه في «الأحكام» .

(أَنَّهُ) أي كعبًا (تَقَاضَى) أي طالب (ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) بمهملات والحاء مفتوحة وكذا الراء والدال ساكنة، وهو عبد الله بن سلامة، كما صرح به البخاري في إحدى رواياته [خ¦2424] ، وهو صحابي على الأصح، شهد الحديبية وما بعدها، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة. وقال الجوهري حدرد اسم رجل، لم يأت من الأسماء على فعلع بتكرير العين غير حدرد.

(دَيْنًا) أي بدين، بنزع الخافض؛ لأنَّ تقاضى يتعدَّى إلى مفعول واحد (كَانَ لَهُ) أي لكعب (عَلَيْهِ) أي على ابن أبي حدرد، وعند الطَّبراني عن الزُّهري أنه كان أوقيتين (فِي الْمَسْجِدِ) النَّبوي، وهو متعلق بقوله تقاضى (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) من قبيل قوله تعالى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم 4] ، ويجوز اعتبار الجمع في صوتيهما بالنَّظر إلى تنوع الصوت (حَتَّى سَمِعَهَا) وفي رواية (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ) المنوَّر به (فَخَرَجَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَيْهِمَا) وفي رواية الأعرج [خ¦2706] (( فمرَّ بهما النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )، والتَّوفيق بين الروايتين أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا سمع صوتهما خرج من البيت لأجلهما، ومرَّ بهما، كذا قاله محمود العيني، وهو لا يلائم سياق الحديث، والأولى ما قاله بعضُهم أنَّه يحتمل أن يكون مرَّ بهما أولًا، ثمَّ إن كعبًا أشخص خصمه للمحاكمة، فسمعهما النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو في بيته، فخرج إليهما.

(حَتَّى كَشَفَ سجْفَ حُجْرَتِهِ) بكسر السين المهملة وفتحها بعدها جيم ساكنة وفاء، قال ابن سيده هو الستر، وقيل هو الستران المقرونان بينهما فُرجة، وكلُّ باب سُتِر بسترين مقرونين فكلُّ ستر منه سجف، والجمع أسجافٌ وسُجُوف، والتّسْجيف إرخاء السَّجف، وقال عياض وغيره لا يسمَّى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين.

(فَنَادَى) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا كَعْبُ؛ قَالَ) كعب (لَبَّيْكَ) أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ضَعْ) عنه (مِنْ دَيْنِكَ، وَأَوْمَأَ) بهمزة في أوَّله وآخره (إِلَيْهِ) أي إلى كعب (أَي الشَّطْرَ) أي ضع عنه النصف، وجاء لفظ (( النصف ) )مصرحًا في رواية الأعرج الآتية [خ¦2706] ، وهو تفسير لما أومأ إليه.

(قَالَ) كعب والله (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ما أمرت به، وخرج ذلك منه مخرج المبالغة في امتثال الأمر،

ج 3 ص 312

ولذا أكد باللام و «قد» ، وفيه معنى القسم أيضًا (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابن أبي حدرد (قُمْ فَاقْضِهِ) أمر على جهة الوجوب؛ لأنَّ ربَّ الدَّين لما أطاع بوضع ما أُمِر به، تعيَّن على المديون أن يقومَ بما بقي عليه، لئلا يجتمع على ربِّ الدين الوضيعة والمُطْل.

ووجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في التَّقاضي ظاهر، أمَّا في الملازمة فهو أنَّ كعبًا لما طالب ابن أبي حدردٍ بدينه في مسجدِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لازمه، إلى أن خرجَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفصل بينهما، أو أن البخاري أشار بالملازمة هنا إلى ما رواه في الصلح بلفظ (( أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد مال، فلزمه ) ) [خ¦2706] الحديث، كما هو دأبه في أمثال هذا.

ومن فوائد الحديث جواز المخاصمة في المسجد بالحقوق، والمطالبة بالدُّيون، ومنها إباحة رفع الصَّوت في المسجد، ما لم يتفاحش؛ لعدم إنكاره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وأمَّا الأحاديث الدَّالة على منعه، كحديث واثلة (( جنِّبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم ) )، فمحمولة على ما إذا كان رفع الصَّوت متفاحشًا، ومنها الحضُّ على الحطِّ عن المُعْسر، ومنها القضاء بالصُّلح، إذا رآه السُّلطان مصلحة، وهاهنا وقع الصُّلح على الإقرار، وهو متَّفق عليه؛ لأنَّ نزاعهما لم يكن بالدَّين، وإنما كان في التَّقاضي، وأمَّا الصُّلح عن إنكار فأجازه أبو حنيفة ومالك، وهو قول الحسن، وقال الشافعي وهو باطل، وبه قال ابنُ أبي ليلى.

ومنها جواز الملازمة في الاقتضاء، ومنها الشفاعة إلى صاحب الحقِّ، والإصلاح بين الخصوم، وحُسْن التَّوسط بينهم، ومنها قبول الشفاعة في غير معصية، ومنها إسبال السُّتور عند الحجرة، ومنها جواز الاعتماد على الإشارة، وأنَّها بمنزلة الكلام إذا فهمت لدَلالتها عليه، فيصحُّ على هذا يمين الأخرس وشهادتُه ولِعانُه وعقودُه، إذا فهم عنه ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت