5142 - (حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن بشير بن فرقد، ويقال ابنُ فرقد بن بشير البرجمي التَّميمي الحنظلي؛ يكنى أبا السَّكن. قال البخاري توفي سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين. وقال الكِرماني ومكي بلفظ المنسوب إلى مكة المشرفة. وتعقَّبه العيني بأنَّه ظنَّه منسوبًا ولم يدر أنَّه اسمه.
قال (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني (قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه(كَانَ يَقُولُ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 22 ص 427
أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ)وقد تقدَّم ذكره في كتاب البيوع، في باب لا يبيع على بيع أخيه من حديث ابن عُمر رضي الله عنهما مختصرًا [خ¦2139] ، والمراد من النَّهي نهي تحريم.
(وَلاَ يَخْطُبَ الرَّجُلُ) بالنصب، ولا زائدة وبالرفع نفيًا وبالكسر نهيًا بتقدير قال، عطفًا على نهى؛ أي نهى وقال لا يخطبُ، ويؤيِّد الرفع قوله في رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع عند مسلم (( ولا يبيعُ الرَّجل على بيع أخيهِ ولا يخطبُ ) )برفع العين من يبيعُ، والباء من يخطبُ، وإثبات التحتانية في يبيع.
(عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) المسلم ويحتمل أن يكون الأخ النِّسبي والرَّضاعي (حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ) أي حتى يأذن الأوَّل للثاني، والمعنى في ذلك ما فيه من الإيذاء والتَّقاطع، وفي معنى الإذن ما لو ترك أو طال الزَّمان بحيث يُعَدُّ معرضًا أو غاب زمنًا يحصلُ به الضَّرر، أو رجعوا عن إجابته والمعتبر في التَّحريم إجابتها إن كانت غير مجبرة، أو إجابة الولي المجبر إن كانت مجبرة، أو إجابتهما معًا إن كان الخاطب غير كفؤ، أو إجابة السَّيد أو السُّلطان في الأمة المكاتبة كتابة صحيحة.
وقيل هذا النَّهي منسوخٌ بخطبة الشَّارع لأسامة فاطمة بنت قيس على خطبةِ معاوية وأبي جَهم، وفقهاءُ الأمصار على عدم النَّسخ، وأنَّه باقٍ، وخطبة الشَّارع كانت قبل النَّهي، وأغرب أبو سليمان الخطَّابي، فقال إنَّ هذا النَّهي للتَّأديب لا للتَّحريم، ونَقَلَ عن أكثر العلماء أنَّه لا يبطل، وعند داود يبطلُ نكاحُ الثاني، والأحاديث دالَّة على إطلاق التَّحريم.
وقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر أنَّه صلى الله عليه وسلم، قال (( لا يحلُّ لمؤمنٍ أن يخطبَ على خطبةِ أخيه حتى يذرَ، ولا يحلُّ له أن يبتاعَ على بيعِ أخيه حتى يذرَ ) )، وهو قول ابن عمر وعقبة بن عامر وابن هُرمز.
وقال ابنُ العربي اختلفَ علماؤنا هل الحق فيه لله عزَّ وجلَّ أو للخاطب؟ فقيل بالأوَّل فيَتَحلَّل فإن لم يفعلْ فارَقَها، قاله ابنُ وهب. وقيل إنَّ النَّهي في حال رضا المرأة به وركونها إليه، وبه فُسِّرَ في «الموطأ» دون ما إذا لم تركن ولم يتَّفقا على صداق.
ج 22 ص 428
وقال أبو عبيد هو وجه الحديث، وبه يقول أهل المدينة وأهل العراق، واستثنى ابن القاسم من النَّهي ما إذا كان الخاطب فاسقًا، وهو مذهبُ الأوزاعي، واستثنى ابنُ المنذر ما إذا كان الأول كافرًا، وقال لو خطب الذِّمِّي ذمِّية فأراد المسلم أن يخطبهَا جاز له ذلك، وهو قول الأوزاعي أيضًا، وكذا الخطابي، ويؤيِّده قوله في أول حديث عقبة بن عامر عند مسلم (( المؤمنُ أخو المؤمن فلا يحلُّ للمؤمن أن يبتاعَ على بيعِ أخيهِ، ولا يخطبُ على خطبته حتى يذرَ ) ).
قال الخطَّابي قطعَ الله الأخوة بين المسلم والكافر فيختصُّ النَّهي بالمسلم. وقال ابنُ المنذر الأصل في هذا الإباحة حتى يَرِدَ المنع، وقد وردَ المنع مقيَّدًا بالمسلم فبقيَ ما عدا ذلك على أصل الإباحة، وهو خلافُ قول الجمهور فإنَّهم ذهبوا إلى إلحاق المسلم بالذِّمِّي في ذلك، وأنَّ التَّعبيرَ بأخيه خرجَ على الغالب؛ فلا مفهومَ له.
وقال ابنُ نافع يخطبُ وإن رضيت بالأول حتى يتفقا على صداق، وخطَّأه ابنُ حبيب. وصرَّح الرُّوياني من الشَّافعية بأنَّ محلَّ التَّحريم إذا كانتِ الخطبةُ من الأول جائزة، فإن كانت ممنوعة كخطبة المعتدَّة لم يضر الثاني بعد انقضاء العدَّة أن يخطبَها، وهو واضحٌ؛ لأنَّ الأوَّل لم يثبتْ له حقٌّ بذلك.
وقالت الشَّافعية والحنابلة محلُّ التَّحريم ما إذا صرَّحت المخطوبة أو وليها الذي أذنت له حيث يكون إذنها معتبرًا بالإجابة، فلو وقع التَّصريح بالرَّد فلا تحريم، ولو لم يعلم الثاني بالحالِ فيجوز الهجومُ على الخطبة؛ لأنَّ الأصل الإباحة، وعند الحنابلة في ذلك روايتان، وإن وقعت الإجابة بالتَّعريض كقولها لا رغبةَ عنك، فقولان عند الشَّافعية الأصحُّ وهو قول المالكيَّة والحنفيَّة لا يحرم أيضًا وإذا لم ترد ولم تقبل فيجوز.
ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من شقِّه الثاني.