5143 - 5144 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغرًا، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) ولليث فيه إسناد آخر، أخرجه مسلم من طريقه عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرَّحمن بن شماسة، عن عقبة بن عامر في قصَّة الخطبة فقط (عَنِ الأَعْرَجِ) هو عبد الرَّحمن بن هرمز، أنَّه (قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَأْثُرُ) بضم المثلثة؛ أي يروي؛ من أثرتُ الحديثَ آثره بالمدِّ أَثْرًا، بفتح أوله وسكون الثاني إذا ذكرتَه عن غيرك (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
ج 22 ص 429
أنَّه (قَالَ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ) تحذير منه؛ أي احذروا الظَّن السوء. وقال البيضاوي التَّحذير عن الظنِّ إنما هو فيما يجب فيه القَطْعُ والتَّحديثُ مع الاستغناء عنه.
وقال ابن التِّين يريد به أن تحقُّقَ الظَّنِّ قد يُوقع به في الإثم، وقيل (( إيَّاكم والظَّن ) )تحذير منه، والحال أنَّه يجبُ على المجتهدِ متابعة ظنِّه، وكذا على مقلِّده. وأُجيب بأنَّ ذلك في أحكام الشريعة، وقيل إحسان الظَّن بالله عزَّ وجلَّ وبالمسلمين واجب. وأُجيب بأنَّ هذا تحذيرٌ من سوءِ الظَّنِّ بهم، وقد أشرنا إليه في العنوان، وقيل الحزم سوء الظَّن بالناس وهو ممدوحٌ. وأُجيب بأنَّ ذلك بالنِّسبة إلى أحوال نفسه وما يتعلَّق بخاصَّته، وحاصله أنَّ المدح للاحتياط فيما هو ملتبسٌ له.
(فَإِنَّ الظَّنَّ) أي الظَّن السَّيئ (أَكْذَبُ الْحَدِيثِ) يعني أن الظَّن أكثر كذبًا من الكلام، وقيل إنَّ إثم هذا الكذب أزيدُ من إثم الحديث الكذب، أو من سائر الأكاذيب، وإنما كان إثمُه أكبر؛ لأنَّه أمرٌ قلبي ولا اعتبار به. فإن قيل الظَّن ليس كذبًا، وشرطُ أفعل أن يُضَافَ إلى جنسه. فالجواب أنَّه لا يلزم أن يكون الكذبُ صفةً للقول، بل هو صادقٌ أيضًا على الاعتقاد والظَّن ونحوهما إذا كان مخالفًا للواقع. أو الظَّنُّ كلامٌ نفساني وأفعل قد يضاف إلى غير جنسه أيضًا، أو يعني أنَّ الظَّن أكثرُه كذبٌ أو المظنونات يقعُ الكذب فيها أكثر من المجزومات.
وقال الخطَّابي هو تحقيق الظَّن دون ما يهجسُ في النفس، فإن ذلك لا يُمْلَك؛ أي المحرم من الظَّن ما يصر صاحبُه عليه ويستمر في قلبه دون ما يعرضُ ولا يستقر.
والمقصود أنَّ الظَّنَّ يهجمُ صاحبُه على الكذب إذا قال على غلبة ظنِّه ما لم يتيقَّنه فيقع الخبر عنه حينئذٍ كذبًا؛ أي أنَّ الظَّن منشأ أكثر الكذب.
(وَلاَ تَجَسَّسُوا) بالجيم؛ أي ولا تبحثوا عن العورات (وَلاَ تَحَسَّسُوا) بالحاء المهملة؛ أي لا تستمعوا لحديث القوم، وروي بالعكس
ج 22 ص 430
واختلفوا فيهما، فقيل التَّحسس، بالحاء الاستماعُ لحديث القوم، وبالجيم البحث عن العورات، وقيل بالحاء هو أن تطلبه لنفسك، وبالجيم أن تطلبه لغيرك، وقيل هما بمعنى واحدٍ وهو طلبُ معرفة الأخبار الغائبة والأحوال، قاله الحربي، وقيل بالحاء في الخيرِ، وبالجيم في الشَّرِّ. وقال ابنُ حبيب بالحاء أن تسمعَ ما يقول أخوك فيك، وبالجيم أن ترسلَ من يسأل لك عمَّا يُقال فيك، أو في أخيك من السوء.
(وَلاَ تَبَاغَضُوا) من التَّفاعل الذي هو بمعنى اشتراك الجماعة، وهذا من البغضِ ضدُّ الحب؛ أي بل تحابوا (وَكُونُوا إِخْوَانًا) ويروى أي كالإخوان في جلب المنفعة ودَفْعِ المَضَرَّة.
(وَلاَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ) أي امرأة (عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ) وفي نسخة أي المخطوبة؛ أي حتى يتزوَّج الخاطب الأوَّل فيحصل اليأس المحضُ، وقوله أو يترك؛ أي يترك الخاطب الأوَّل التزويج فيجوزُ حينئذٍ للثاني الخطبة، فالغايتان مختلفتان؛ الأولى ترجعُ إلى اليأس فإنَّه بعد النِّكاح لا يتصوَّر الخطبة فيحصلُ اليأس فيكون من باب التَّعليق بالمحال، كقوله تعالى {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف 40] ، فالمعنى إن استقامَ أن يخطبَ بعد النِّكاح جاز، وقد علم أنَّه لا يستقيم فلا يجوز. ويجوز أن يكون حتَّى بمعنى كي، وأو بمعنى إلى أن، وضمير ينكح راجعًا إلى الرجل، وفي يترك إلى أخيه.
والمعنى لا يخطبُ الرجل على خطبةِ أخيه لكي ينكحها إلى أن يتركَها أخوه، كذا في «شرح المشكاة» للطِّيبي، والثانية ترجعُ إلى الرَّجاء وهو ظاهرٌ، وإذا عقد الثاني صحَّ مع الحرمةِ، وقد سبق البحث في ذلك.
ومطابقة الحديث للترجمة كسابقهِ وهو من أفراد البخاري.