فهرس الكتاب

الصفحة 7626 من 11127

5149 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة، قال (سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ)

ج 22 ص 447

سلمة بن دينار (يَقُولُ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) رضي الله عنه (يَقُولُ إِنِّي لَفِي الْقَوْمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ قَامَتْ امْرَأَةٌ) كلمة إذ للمفاجأة، وفي رواية فضيل بن سليمان (( كنَّا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم جلوسًا فجاءته امرأة ) ). وفي رواية هشام بن سعد (( بينما نحن عند النَّبي صلى الله عليه وسلم أتت امرأةٌ إليه ) )، وكذا في معظم الرِّوايات أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فليس المراد من قوله هنا إذ قامت امرأة أنَّها كانت جالسةً في المجلسِ فقامت، بل معنى قوله قامت وقفت؛ أي جاءت إلى أن وقفت عندهم. وفي رواية سفيان الثَّوري عند الإسماعيلي (( جاءت امرأة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ) )فأفادَ تعيينَ المكانِ الذي وَقَعَتْ فيه القصة.

وقال الحافظُ العسقلاني وهذه المرأة لم أقف على اسمها، ووقع في «الأحكام» لابن الطَّلاع أنَّها خولة بنت حكيم أو أم شريك، نقل هذا من اسم الواهبه الوارد في قوله تعالى {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب 50] ، وقد تقدَّم في سورة الأحزاب ما يدلُّ على تعدُّدِ الواهبة [خ¦4788] .

(فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ) فيه التفات، وكذا في رواية حماد بن زيد لكن قال (( إنَّها قد وهبتْ نفسها لله ولرسوله ) )، وكان السِّياق يقتضي أنَّ تقول إنِّي قد وهبتُ نفسي لك.

وبهذا اللَّفظ وقع في رواية مالك، وكذا في رواية زائدة عند الطَّبراني، وفي رواية يعقوب وكذا الثَّوري عند الإسماعيليِّ (( فقالت يا رسول الله، جئتُ أهب نفسي لك ) )، وفي رواية فضيل بن سليمان (( فجاءته امرأةٌ تعرضُ نفسها عليه ) ). وفي كلِّ هذه الرِّوايات حذف مضاف تقديره أمر نفسي أو نحوه وإلَّا فالحقيقة غيرُ مرادة؛ لأنَّ رقبة الحرِّ لا تُمْلَك فكأنَّها قالت أتزوجك بغير صداق.

(فَرَ) براء مفتوحة، على أنَّه أمر من رأى؛ لأنَّ عين الفعل ولامه محذوفان؛ لأنَّ أصله إرء على وزن افعل، حُذِفَتْ

ج 22 ص 448

لامُ الفِعْلِ للجزمِ، ثمَّ نُقِلَتْ حَركةُ الهمزة إلى الراء، فحُذِفَت الهمزةُ فاستُغْنِيَ عن همزة الوصل، ولبعضهم بهمزة ساكنة بعد الراء، ووقعَ بإثبات الهمزة في حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه أيضًا.

وقال العيني القاعدةُ في مثل هذا الباب نحو رَ وقِ وعِ أن يلحقها هاء السَّكت، فيقال رَه وقِه وعِه؛ لأنَّ الابتداء بكلمة والوقوف عليها وهي حرف واحد فيه بعض تعسر واستثقال.

(فِيهَا رَأْيَكَ، فَلَمْ يُجِبْهَا) صلى الله عليه وسلم (شَيْئًا) في رواية مَعمر والثَّوري وزائدة (( فصمتَ ) )، وفي رواية يعقوب وابن أبي حازم وهشام بن سعد (( فنظرَ إليها فصعَّدَ النَّظر وصوَّبه ) )بتشديد العين من صعَّد، والواو من صوَّبَ، والمراد أنَّه نظر أعلاها وأسفلها والتَّشديد إما للمبالغة في التَّأمل وإمَّا للتَّكرير، وبالثاني جزم القرطبي في «المفهم» قال أي نظرَ أعلاها وأسفلها، مرارًا، ووقع في رواية فضيلِ بن سليمان (( فخفَّض فيها البصرَ ورفَّعه ) )وهما بالتشديد أيضًا، ووقع في رواية الكُشْمِيْهَني من هذا الوجه بدل البصر. وقال في هذه الرواية وهو بمعنى قوله فصمتَ، وقال في رواية فضيل من سليمان (( فلم يردها ) ).

(ثُمَّ قَامَتْ) الثانية (فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ، فَلَمْ يُجِبْهَا) صلى الله عليه وسلم (شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَتْ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ) وقد سقط في رواية الحَمُّويي هنا ، وفي رواية مَعمر والثَّوري معًا عند الطَّبراني (( فصمتَ ثمَّ عرضت نفسها عليه فصمت فلقد رأيتها قائمةً مليًا تعرضُ نفسها عليه وهو صامت ) ). وفي رواية مالك (( فقامت طويلًا ) )، ومثله للثَّوري عنه وهو نعت مصدر محذوف؛ أي قيامًا طويلًا أو لظرف محذوفٍ؛ أي زمنًا طويلًا. وفي رواية مبشر (( فقامت حتى رثينَا لها من طولِ القيام ) )، زاد في رواية يعقوب وابن أبي حازم (( فلمَّا رأت المرأة أنَّه لم يقض فيها شيئًا جلستْ ) )، ووقع

ج 22 ص 449

في رواية حمادِ بن زيدٍ أنَّها وهبتْ نفسها لله ولرسوله، فقال (( مالي في النِّساء حاجة ) ).

ويُجْمَعُ بينها وبين ما تقدَّم أنه قال ذلك في آخر الحال فكأنَّه صمت أولًا لتفهم أنَّه لم يُرِدْها، فلمَّا أعادت الطَّلب أفصح لها بالواقع، ووقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند النَّسائي جاءت امرأةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضتْ نفسها عليه، فقال لها (( اجلسِي ) )فجلست ساعة ثمَّ قامت، فقال (( اجلسي بارك الله فيك أمَّا نحن فلا حاجةَ لي [1] فيك ) ).

ويؤخذُ منه وفورُ أدب المرأة مع شدَّة رغبتها؛ لأنَّها لم تبالغ في الإلحاح في الطَّلب وفهمت من السُّكوت عدم الرَّغبة، لكنَّها لما لم تيأس من الرَّد جلستْ تنتظرُ الفرجَ، وسكوتُه صلى الله عليه وسلم حياءً من مواجهتها بالرَّد، وكان صلى الله عليه وسلم شديدَ الحياء جدًا، كما تقدَّم في صفته أنَّه كان أشدَّ حياءً من العذراء في خِدرها، أو انتظارًا للوحي، أو تفكرًا في جوابٍ مناسبٍ للمقام.

(فَقَامَ رَجُلٌ) وفي رواية فضيل بن سليمان (( من أصحابه ) ). قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه، لكنْ وَقَعَ في رواية مَعمر والثَّوري عند الطَّبراني (( فقام رجلٌ أَحْسَبُه من الأنصار. ) )ووقع في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند الدَّارقطني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من ينكحُ هذه ) )فقام رجل (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحْنِيهَا) وفي رواية مالك (( زوِّجْنِيها إن لم يكن لك بها حاجة ) )ونحوه ليعقوب وابن أبي حازم ومَعمر والثَّوري وزائدة، ولا يُعارض هذا قوله في رواية حماد بن زيد (( لا حاجة لي ) )لجواز أن تتجدَّد الرَّغبة فيها بعد أن لم تكن. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند النَّسائي (( أمَّا نحن فلا حاجة لنا [2] فيك، ولكن تُمَلِّكِينِي أمرك، قالت نعم، فنظر في وجوه القوم فدعا رجلًا، فقال إني أريدُ أن أزوِّجك هذه إن رضيتَ ) )قال ما رضيت لي فقد رضيت، وهذا إن كانت القصَّة متَّحدة يحتمل أن يكون وقع نظرهُ في وجوه القوم

ج 22 ص 450

بعد أن سألَه الرَّجل أن يزوِّجها له فاسترضاها أولًا، ثمَّ تكلَّم معه في الصَّداق، وإن كانت القصَّة متَّعددة فلا إشكال.

ووقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما في «فوائد أبي عمر» أنَّ رجلًا قال إنَّ هذه امرأة رضيت بي فزوِّجْها مني، قال (( فما مهرها ) )قال ما عندِي شيء، قال (( أمهرها ما قل أو كثر ) )قال والذي بعثك بالحقِّ ما أملك شيئًا، وهذه الأظهرُ فيها التَّعدد.

(قَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ) تصدقها، وفيه أنَّ النِّكاح لا بدَّ فيه من الصَّداق، وقد اتَّفق على أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يطأَ فرجًا وُهِبَ له دون الرَّقبة بغير صداق دَينًا أو نقدًا، وفيه أيضًا أنَّ الأَولى ذِكْرُ الصَّداق في العَقْد؛ لأنَّه أقطعُ للنِّزاعِ وأنْفَعُ للمَرْأَةِ؛ لأنَّه يثبتُ له نِصْفُ المُسَمَّى إن طُلِّقت قَبْلَ الدُّخول.

(قَالَ لاَ) زاد في رواية هشام بن سعد (( قال فلا بدَّ لها من شيءٍ ) ) (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) وفي رواية يعقوب وابن أبي حازم وابن جُريج (( اذهبْ إلى أهلك فانظرْ هل تجد شيئًا، فذهبَ ثمَّ رجعَ، فقال لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئًا، قال انظرْ ولو خاتمًا من حديد، فذهب ثمَّ رجع، فقال لا والله يا رسول الله، ولا خاتمًا من حديد ) ). وكذا وقع في رواية مالك ثمَّ ذهب يطلبُ مرَّتين لكن باختصار. وفي رواية هشام بن سعد (( فذهبَ فالتمسَ فلم يجد شيئًا فرَجَعَ، فقال لم أجدْ شيئًا، فقال له اذهبْ فالتمسْ، وقال فيه ولا خاتم من حديدٍ لم أجد ثم جلس ) ).

ووقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال (( قمْ إلى النساء فقام إليهنَّ فلم يجدْ عندهنَّ شيئًا ) )، والمراد بالنِّساء أهل الرجل كما دلَّت عليه رواية يعقوب. قال القاضي عياض ولو تقليليَّة، ووهم من زعم خلاف ذلك.

(فَذَهَبَ فَطَلَبَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا وَلاَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) وزاد في رواية أبي غسان هنا (( فجلسَ الرَّجلُ حتى إذا طالَ مجلسُه قامَ فرآه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم

ج 22 ص 451

فدعاهُ أو دُعِيَ له )) .

قال ابنُ العربي ذِكْرُ الخاتم الحديد كان قبل النَّهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّه حِليةُ أهلِ النَّار ) )فنسخَ النَّهيُّ جوازَه وطلبه له. وقال بعض المالكيَّة لعلَّ الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدًا لقلَّة الصناع يومئذٍ عندهم. قيل وللحنفي أيضًا أن يقول لعلَّه كان يساوي عشرة فما فوقها فلا ينتصب دليلًا للشَّافعية في أن أقلَّ المهر أدنى ما يتموَّل به.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له، وفي رواية أبي ذرٍّ بدون الفاء (هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ) تحفظه وتقرأه عن ظهر قلب (قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا) وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّه قال (( سورة البقرة أو التي تليها ) )كذا بأو في رواية أبي داود والنَّسائي.

قال الحافظُ العسقلاني وزعم بعضُ من لقيناه أنَّ عند أبي داود بالواو، وعند النَّسائي بأو وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه سورة البقرة وسورة من المفصل، وفي حديث ضميرة (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلًا على سورة البقرة لم يكن عنده شيءٌ ) ).

وفي حديث أبي أمامة (( زوَّج النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من أصحابه امرأة على سور من المفصل جعلها مهرها، وأدخلَها عليه وقال علِّمها ) ). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فعَلِّمْها عشرين آية، وهي امرأتك ) ). وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أزوجها منك على أن تعلِّمها أربع أو خمس سور من كتاب الله تعالى ) )، وفي مرسل أبي النُّعمان الأزدي عند سعيد بن منصور (( زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن ) )، وفي حديث ابن عبَّاس وجابر رضي الله عنهم (( هل تقرأ من القرآن شيئًا؟ قال نعم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} قال أصْدِقْها إيَّاها ) )ويجمعُ بين هذه الألفاظ بأنَّ بعضَ الرواة حَفِظَ ما لم يحفظْه الآخر أو القصَّة متعدِّدة.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي نسخة (اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) وقد مرَّ أنَّ الشَّافعيَّ ذهب إلى هذه الأحاديث، وإلى أن أخذ الأجر على تعليمِ القرآن جائزٌ، وأن كلَّ عمل يستأجرُ عليه كتعليم قرآن وخياطة يجوز جعله صداقًا،

ج 22 ص 452

فإنْ أصْدَقَها تعليمَ سورٍ من القرآن أو جزءٍ منه بنفسه اشتُرِطَ تعيينُه واشتُرِطَ عِلْمُ الزَّوج والوليِّ بالمشروط تعليمه بأن يعلما عينه وسهولته أو صعوبته، ولا يُشْتَرطُ تعيينُ الحَرف الذي يُعَلِّمُه لها كقراءة نافع أو أبي عَمرو مثلًا، فيعلمها ما شاء، فإنَّ عيَّنه كحرف نافع تعيَّن عَمَلًا بالشَّرط، فلو خالف وعَلَّمَها حرف أبي عَمرو فمتطوِّعٌ به، ويلزمُه تعليمُ الحَرْفِ الذي عيَّنه عَمَلًا بالشَّرط.

فلو لم يحسن الزَّوج التَّعليم لما شرط تعليمه لم يجز إصداقه إلَّا في الذمَّة لعجزه في الأوَّل دون الثاني، فيأمر به غيره بتعليمها أو يتعلم ثمَّ يعلِّمها، وإذا تعذَّر التَّعليم لبلادةٍ نادرةٍ أو ماتت أو مات، والشَّرط أن يُعَلِّمَ بنفسِه وجبَ مهر المثل، فإن طلَّقَها بعد أن علَّمَها وقبل الدُّخول رَجَعَ عليها بنصف الأجرة، هذا، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك واللَّيث والمزني لا يكون تعليم القرآن مهرًا، وزاد أبو حنيفة وأصحابه فإن تزوَّج على ذلك فالنِّكاح جائز، وهو في حكم من لم يُسَمِّ لها مهرًا فلها مهرُ مثلها إن دَخَلَ بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة.

وقال الطَّحَّاوي قوله أنْكَحْتُكَها أو زوجْتُكَها أو ملَّكْتُكَها بما معك من القرآن خاصٌّ بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز لغيره؛ لأنَّ الله تعالى أباحَ له ملك البضع بغير صداقٍ، ولم يجعل ذلك لغيره لقوله {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب 50] ، وكان له ما خصَّه الله تعالى به أن يملك غيره ما كان يملكه بغير صداقٍ ويكون ذلك خاصًا به. وقال اللَّيث لا يجوز لأحدٍ أن يتزوَّج بالقرآن.

والدَّليل على صحَّة ذلك أنَّها قالت قد وهبت لك نفسي، فقام رجلٌ فقال إن لم يكن لك بها حاجة فزوِّجْنِيها، ولم يذكر في الحديث أنَّ سيدَنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شاوَرَها في نفسها، ولا أنَّها قالت زوِّجني منه، فدلَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم كان له أن يهبهَا بالهبة التي جاز له نكاحها، وما قيل يحتمل أنَّه صلى الله عليه وسلم سألها أن يزوِّجها منه ولم يُنْقَل،

ج 22 ص 453

فمعارَضٌ بأنَّه يحتمل أن يكون جَعَلَ لها مهرًا غيرَ السوُّر ولم يُنْقَل، وليس أحدُ الاحتمالين أولى من الآخر.

وقد رُوِيَ أنَّه استأذنها وأنَّه قال لها (( عَوِّضْها إذا رَزَقَك الله ) )، وفي حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه (( قد أنْكَحْتُكَها على أن تقرِئها وتعلِّمها، وإذا رزقَك الله عَوَّضْتَها، فتزوَّجَها الرَّجُلُ على ذلك ) ).

وقال ابن التِّين لما تحقَّق صلى الله عليه وسلم عجز الرَّجل سأله (( هل معك من القرآن شيءٍ ) )؛ لأنَّ القرآن هو الغنى الأكبر، [فلمَّا ثَبَتَ له حظٌّ منه] [3] ثبتَ له حظ من النَّبي صلى الله عليه وسلم فزوَّجه، وليس في الحديث إسقاط الصَّداق، فلعلَّه زوَّجه إيَّاها بصداقٍ وجدت مظنته ولم توجد حقيقته، وإذا وجدت مظنته أوشك أن يحصلَ بفضل الله، وإنَّما استفسره عن جهده نُصْحًا للمرأة، فلمَّا أخبره أنَّه يحفظ شيئًا من القرآن عَلِمَ أنَّ الله لا يُضَيِّعهما.

قال ولو فرضنَا امرأةً فوَّضت أمرها في التَّزويج لرجل فخطبَها مِنه مَن لا مال له، ولكنَّه حامل للقرآن فزوَّجها منه ثقةً بوعد الله تعالى لحاملِ كتابه بالغنى واقتداء بهذا الحديث لكان جديرًا بالصَّواب ويجعل الصَّداق في ذمَّته، ويكون تفويضًا ولا معنى للتَّفويض إلَّا ما وقع في الحديث. انتهى.

والحاصل أنَّه يحتمل أنَّه صلى الله عليه وسلم زَوَّجَها بما مَعَه من القرآن لحرمتهِ، وعلى وجه التَّعظيم للقرآن وأهله لا على أنَّه مَهْر، فعلى هذا يكون الباء في قوله (( بما معك ) )للسَّببية لا للمقابلة. وقد أطنبَ الحافظ العسقلاني في هذا المقام بما يضيقُ عنه نطاق التَّحرير والتَّقدير.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، فإن فيه التَّزويج على القرآن من غير ذِكْرِ صداق. وقد مرَّ الحديثُ بطرقٍ كثيرةٍ ومتونٍ مختلفة.

[1] في هامش الأصل في رواية لنا.

[2] في هامش الأصل في رواية لي.

[3] سقط استدرك من القسطلاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت