462 - (حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد المصري (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبُري (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي رواية .
ورجال هذا الإسناد ما بين مصريٍّ ومدني، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصلاة [خ¦469] والمغازي [خ¦4372] ، وأخرجه مسلم في «المغازي» ، وأبو داود في «الجهاد» ، والنسائي في «الطَّهارة» ببعضهِ، وببعضه في الصَّلاة.
(قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا) أي فرسانًا ومنه قوله تعالى {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسراء 64] أي بفرسانك ورجالتك.
وقال ابن إسحاق السَّرية التي أخذت ثمامة كان أميرها محمد بن مسلمة، أرسله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثلاثين راكبًا إلى القُرَطاء من أبي بكر بن كلاب بناحية ضَرِيَّة بالبكرات لعشر ليال خلون من المحرَّم سنة ستٍّ.
وعند ابن سعد على رأس تسعة وخمسين شهرًا من الهجرة، وكانت غيبته بها تسعة عشر ليلة، وقدم لليلة بقيت من المحرَّم.
والقُرَطَاء بضم القاف وفتح الراء والطاء المهملة، نفر من أبي بكر بن كلاب وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضَرِيَّة.
وضَرِيَّة بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وتشديد الياء، وهي أرض كثيرة العشب وإليها ينسب الحمى، بينها وبين المدينة سبع ليال، وضريَّة في الأصل بنت ربيعة بن نزال بن مَعَد بن عدنان، وسُمي الموضع المذكور باسمها.
والبَكرات بفتح الموحدة في الأصل جمع بَكْرة، وهي ماء بناحية ضريَّة.
(قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة (نَجْدٍ) بفتح النون وسكون الجيم، هو من جزيرة العرب، قال المدائني جزيرة العرب خمسة أقسام تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض،
ج 3 ص 323
ويمن.
أمَّا تهامة فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأمَّا نجد فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأمَّا الحجاز فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتَّصل بالشام وفيه المدينة وعمَّان، وأمَّا العروض فهو اليمامة إلى البحرين، وقال الواقدي الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، ومن وراء ذلك إلى أن يشارفَ أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف، وما كان من وراء وجرة البحر فهو يمامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز سمي به؛ لأنه يحجز بينهما.
(فَجَاءَتْ) تلك الخيل (بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ) بفتح الحاء المهملة (يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) ثُمَامَة بضم المثلثة وتخفيف الميمين بينهما ألف، وأُثَال بضم الهمزة وتخفيف المثلثة وباللَّام بعد الألف (فَرَبَطُوهُ) بأمر النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما صرَّح به ابن إسحاق في (( مغازيه ) ).
(بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) مَنًَّا عليه، أو تألفًا، أو لِمَا عَلِم من إيمان قلبه وأنَّه سيظهره، أو أنَّه مرَّ عليه فأسلم، كما رواه ابن خُزيمة وابن حبَّان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد أخرج البخاري رحمه الله هذا الحديث في أواخر المغازي من هذا الوجه بعينه مطولًا، وفيه أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرَّ على ثمامة ثلاث مرَّات وهو مربوطٌ في المسجد [خ¦4372] ، وإنَّما أمر بإطلاقه في اليوم الثالث، وكذا أخرجه مسلم وغيره.
(فَانْطَلَقَ) وفي رواية ؛ أي فأطلقوه فانطلق أو فذهب (إِلَى نَخْلٍ) بالخاء المعجمة، كذا في أكثر الرِّوايات، وكذا في رواية مسلم، وفي النُّسخة المقروءة على أبي الوقت بالجيم وهو الماء النابع من الأرض، وقال ابن دُريد هو الماء الجاري، وقال الجوهري استنجل الموضع؛ أي كثر به النجل وهو الماء يظهر من الأرض.
(قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ) النَّبوي، ويؤيد الرواية الأولى ما رواه ابن خزيمة في (( صحيحه ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ ثمامة أُسِرَ فكان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغدو إليه فيقول (( ما عندك يا ثمامة؟ ) )فيقول إن تقتل تقتل ذا دمٍ، وإن تمنَّ تمنَّ على شاكرٍ، وإن تُرِد المالَ نعطك منه ما شئت، وكان أصحاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحبُّون الفداء ويقولون ما نصنع بقتل هذا، فمرَّ عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومًا فأسلم فحلَّه وبعث به إلى حائط
ج 3 ص 324
أبي طلحة فأمره أن يغتسلَ فاغتسل وصلى ركعتين، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لقد حَسُن إسلام أخيكم ) )وبهذا اللَّفظ أخرجه ابن حبَّان في (( صحيحه ) )وأخرجه البزار أيضًا بهذه الطريق، وفيه فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يغتسلَ بماءٍ وسدرٍ.
(فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) ومن فوائد الحديث جواز دخول الكافر المسجد.
قال ابن التِّين وعن مجاهد وابن مُحَيْرِيْز جواز دخول أهل الكتاب فيه، وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك والمزني لا يجوز، وقال أبو حنيفة يجوز للكتابي دون غيره، واحتجَّ بما رواه أحمد في (( مسنده ) )بسندٍ جيدٍ عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا يدخل مساجدنا هذا بعد عامنا هذا مشركٌ إلا أهل العهد وخُدَّامهم ) ).
واحتجَّ مالك بقوله تعالى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة 28] وبقوله تعالى {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور 36] ودخول الكافر فيها مناقض لرفعها، وبقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر ) )، والكافر لا يخلو عن ذلك، وبقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا أُحِلُّ المسجد لحائضٍ ولا جُنبٍ ) )والكافر جنب. ومذهب الشَّافعي أنَّه يجوز بإذن المسلم سواء كان كتابيًا أو غيره، واستثنى الشَّافعي من ذلك مسجد مكة وحَرَمه، وحجَّته حديث ثمامة، وبأن ذات المشرك ليست بنجسة.
ومنها أسر الكافر وجواز إطلاقه، وللإمام في حقِّ الأسير العاقلُ القتلُ أو الاسترقاقُ أو الإطلاقُ مَنًَّا عليه أو الفداء، ومنها جواز ربط الأسير في المسجد، وقال القرطبي يمكن أنَّ يقال إن ربطه بالمسجد لينظر حُسْنَ صلاة المسلمين واجتماعهم عليها فيأنس لذلك.
ويوضح هذا ما رواه ابن خُزيمة في (( صحيحه ) )عن عثمان بن أبي العاص أنَّ وفد ثقيف لمَّا قَدِموا أنزلهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد؛ ليكون أرقَّ لقلوبهم.
وقال جبيرُ بن مُطْعِم فيما ذكره أحمد دخلتُ المسجد ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلِّي المغرب فقرأ بالطُّور، فكأنَّما صُدِعَ قلبي حين سمعتُ القرآن نحوه عند البخاري [خ¦4023] .
وقيل يمكن أن يكون ربطه في المسجد؛ لأنَّه لم يكن لهم موضع يربط فيه إلَّا المسجد.
ومنها اغتسال الكافر، إذا أسلم ذهب الشَّافعي إلى وجوبهِ على الكافر إذا أسلم إن كانت عليه جنابة في الشِّرك سواء اغتسلَ في الشِّرك منها أو لا، وقال بعض أصحابه إن كان اغتسلَ منها أجزأهُ وإلَّا وجب، وقال بعضُ أصحابه وبعض المالكيَّة لا غُسلَ عليه
ج 3 ص 325
ويسقط حكم الجنابة بالإسلام، كما تسقط الذُّنوب، وضعَّفوا هذا بالوضوء وأنَّه يلزم بالإجماع، هذا إذا كان أجنبَ في الكفر، أمَّا إذا لم يُجنب أصلًا ثمَّ أسلم فالغسل مستحبٌّ، وكذا قاله مالك.
وقال القُرطبي وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ غسل الكافر كان مشروعًا عندهم معروفًا، وهذا ظاهر البُطلان.
وقال أيضًا والمشهور من قول مالك أنَّه إنَّما يغتسل لكونه جنبًا، قال ومن أصحابنا مَن قال إنَّه يغتسل للنَّظافة، واستحبَّه ابن القاسم، ولمالك قول إنَّه لا يعرف الغسل، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس.
وقال ابنُ بطَّال أوجبَ الإمام أحمد الغُسل على من أسلمَ، وقال الشَّافعي أحب أن يغتسلَ فإن لم يكن جنبًا أجزأهُ أن يتوضَّأ، وقال مالك إذا أسلم النَّصراني فعليه الغسل؛ لأنهم لا يتطهَّرون من النَّجاسة في أبدانهم ويستحيلُ عليهم التطهُّر من الجنابة وإن نووها؛ لعدم الشرع، وقال وليس في الحديث أنَّ النَّبي صلى الله علبيه وسلم أمره بالاغتسال، ولذلك قال مالك لم يبلغنا أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر أحدًا أسلم بالغُسل. وفيه أنَّه مرَّ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه ابن خُزيمة وابن حبَّان والبزَّار أنه أمره أن يغتسلَ. وفي (( تاريخ نيسابور ) )للحاكم من حديث عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن أبيه، عن جدِّه قال لما أسلَمتُ أَمَرَني النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالاغتسال. وفي (( الحلية ) )لأبي نُعيم عن واثلة، قال لما أسلمت قال لي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( اغتسل بماءٍ وسدرٍ واحلقْ عنك شَعْرَ الكفر ) )، وفي كتاب القرطبي روى عبد الرحيم بن عبيد الله بن عَمرو، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرَ رجلًا أسلم أن يغتسل، وروى مسلم بن سالم عن أبي المغيرة عن البراء بن عازب أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر رجلًا أسلم أن يغتسلَ بماء وسدر.
ومنها ما قاله ابن المنذر من جوازِ دخول الجُنُب المسلم المسجد، وأنَّه أولى من المشرك؛ لأنه ليس بنجس بخلاف المشرك.