463 - (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) بن عمر، أبو السُّكَيْن الطائي الكوفي البلخي اللؤلؤي الحافظ (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم وفي آخره راء (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها.
ورجال هذا الإسناد ما بين كوفي ومدني، وقد أخرج متنه المؤلِّف
ج 3 ص 326
في الصَّلاة، والمغازي [خ¦4122] والهجرة [خ¦3901] ، وأبو داود في «الجنائز» ، والنسائي في «الصَّلاة» .
(قَالَتْ أُصِيبَ سَعْدٌ) هو سعد بن معاذ أبو عَمرو سيِّد الأوس، بَدْريٌّ كبير، قال أبو نُعيم مات في شوال سنة خمس، وكذا قال ابن إسحاق ونزل في جنازته سبعون ألف مَلَكٍ ما وطئوا الأرض واهتزَّ له عرش الرحمن.
واختلفوا في وجه اهتزازه له فقيل وجهه الاستبشار لقدوم روحه، وقيل إنَّ المراد اهتزاز حملة العرش ومن عنده من الملائكة، وقيل المراد بالعرشِ الذي عليه، وسيأتي عند البخاري أنَّ رجلًا قال لجابر رضي الله عنه إنَّ البراء بن عازب يقول اهتزَّ السرير، فقال إنَّه كان بين هذين الحيَّين ضغائن [خ¦3803] .
قال ابنُ الجوزي وغيره يعني بالحيَّين الأوس والخزرج، وكان سعد من الأوس، والبراء من الخَزْرَج وكلٌّ منهم لا يُقِرُّ بفضل صاحبه عليه.
قال صاحب (( التلويح ) )وفيه نظر من حيث أنَّ سعدًا والبراء كلٌّ منهما أَوْسي، وإنما أشكل عليهم فيما أرى أنَّه رأى من نسب البراء بن عازب بن الحارث بن عَدِيّ بن جُشَم بن مَجْدَعَة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج، وسعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث الأوسي، فظنَّ أن الخزرج الأول هو أبو الخزرجيين، وإنما هو الخزرج أبو الحارثين المذكورين في نسبهما وهو ابن عَمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة، كذا ذكر نسبهما ابن سعد وابن إسحاق.
(يَوْمَ الْخَنْدَقِ) وهو يوم الأحزاب، ذكره ابن سعد في ذي القعدة، وموسى بن عقبة في شوال سنة أربع، وقال ابن إسحاق في شوال سنة خمس، وزعم أبو عمر وغيره أنَّ سعدًا مات بعد الخندق بشهر وبعد قُرَيظة بليال.
(فِي الأَكْحَلِ) هو عِرْق في اليد، ويقال له النَّسا في الفخذ، وفي الظَّهر الأبهر، قاله في (( المخصص ) )و (( المجمل ) )، وقيل هو عرق في وسط الذِّراع، وقيل الأكحل هو عرقُ الحياة ويدعى مهر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع في اليد لم يَرْقأ الدم.
وفي (( الصحاح ) )هو عرقٌ في اليد يُفْصَد، ولا يقال عرق الأكحل.
(فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لسعد (خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ) لفظ «ضرب» يستعمل لمعان كثيرةٍ، وأصل التَّركيب يدلُّ على الإيقاع، وهاهنا المعنى نصب خيمة وأقامها على أوتار مضروبة في الأرض، والخيمة بيت تبنيه من عيدان الشجر، والجمع خَيْمَات وخِيَم، مثل بدرة وبِدَر، وخيام مثل فَرْخ وفِرَاخ.
وعند أبي نُعيم الأصبهاني ضرب له النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِبَاءً في المسجد.
والخباء واحد الأخبيةِ، من وَبَرٍ
ج 3 ص 327
أو صوف، ولا يكون من شَعْر وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت.
(لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ) بضم الراء وسكون العين المهملة، من الرَّوع، وهو الفزع، يقال رعتُ فلانًا وروَّعته فارتاع؛ أي أفزَعْتُه فَفَزع.
وقال الخطَّابي الرَّوع إعظامك الشَّيءَ وإكباره فترتاعَ، قال وقد يكون من خوف.
وفي (( المحكم ) )الرَّوع والرَّواع الفزع، راعني الأمر رَوْعًا ورُووعًا، عن ابن الأعرابي كذلك حكاه بغير همز وإن شئت همزت، وارتاع من ولهٍ وروَّعه فتروَّع، ورجل رَوِع ورائع ومتروِّع كلاهما على النَّسب، والمعنى هاهنا فلم يفزعهم.
(وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ) بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء في آخره راء، وبنو غفار من كنانة رهط أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه، وهذه الخيمة كانت لرقية الأنصاريَّة، وقيل الأسلميَّة، وكانت تداوي الجرحى، وتحتسب بخدمتها من كانت به ضيقة من المسلمين.
(إِلاَّ الدَّمُ) بالرفع على أنَّه فاعل «فلم يرعهم» وما بينهما جملة معترضة (يَسِيلُ إِلَيْهِمْ) وقال الخطَّابي والمعنى أنَّهم بَيْنَاهم في حال طمأنينة وسكون حتَّى أفزعهم رؤيةُ الدَّم فارتاعوا.
(فَقَالُوا يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ؛ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟) بكسر القاف؛ أي من جهتكم (فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو) بالغين والذال المعجمتين؛ أي يسيل، وهو من غذا العِرْق نفسه يَغْذُو غَذْوًا وغذوانًا، إذا سال، وكلُّ ما سالَ فقد غذا، والغذوان المُسْرِع.
(جُرْحُهُ دَمًا) نصب على التَّمييز (فَمَاتَ) سعد رضي الله عنه (مِنْهَا) أي من الجراحة، وفي رواية ؛ أي في الخيمة أو في تلك الجراحة، وكان قد رماه رجل من قريش يقال له حِبَّان بن العَرِقَة وهو حبَّان بن أبي قيس من بني مَعِيص ابن عامر بن لؤي.
والعَرقة هي أمُّ عبد مناف، واسمها قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم بن عَمرو بن هُصَيص سمِّيت العرقة؛ لطيب ريحها فيما ذكره الكلبي.
وقال أبو عُبيد بن سلام العَرقة هي أم حبَّان، وتُكنى أمَّ فاطمة، قال السُّهيلي وهي جدَّة خديجة أم أمها هالة.
وقد استدلَّ مالك وأحمد بهذا الحديث على أنَّ النَّجاسات ليست إزالتها بفرض ولو كانت فرضًا لما أجاز النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للجريح أن يسكن المسجد، وبه قال الشَّافعي في القديم.
ولقائل أن يقول يجوز أن يَسْكُن سعدٌ في المسجد بعدما اندمل
ج 3 ص 328
جرحه، والجرح إذا أزيل زال ما يخشى من نجاسته.
ومن فوائد الحديث أيضًا أنَّ السلطان أو العالم إذا شقَّ عليه النهوض إلى عيادة مريض يزوره ممَّن يهمه أمره يَنْقُل المريضَ إلى موضع يَخِفُ عليه فيه زيارته وَيقْرُب منه.
وللحديث فوائد أخرى تأتي عند ذكر المؤلِّف تمامه [خ¦4122] إن شاء الله تعالى.