فهرس الكتاب

الصفحة 7692 من 11127

5185 - 5186 - (حَدَّثَنَا) ويروى بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيم بن نصر السَّعدي البخاري نُسِبَ إلى جدِّه، كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد، قال (حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ) بضم الحاء، هو ابنُ علي بن الوليد. وفي رواية بدون اللام (الْجُعْفِي) بضم الجيم وسكون العين المهملة وبالفاء في مَذْحِج ينسبُ إلى جعفي بن سعد العشيرة بن مالك، ومالك هو جماعُ مَذْحِج (عَنْ زَائِدَةَ) هو ابنُ قدامة (عَنْ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، هو ابنُ عمَّار الأشجعي (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيِّ مولى عَزَّة، بفتح العين المهملة والزاي المشددة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي من كان يؤمن بالمبدأ والمعاد إيمانًا كاملًا (فَلاَ يُؤْذِي جَارَهُ) ومفهومُه أنَّ من آذاه لا يكون مؤمنًا، ولكن المعنى ما أشرنا إليه. وقد وقع في رواية حُسين الجُعفي عن زائدة بهذا الإسناد أيضًا (( من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فإذا شهدَ أمرًا فليتكلَّمْ بخير أو ليسكت ) ). ووقع في روايته أيضًا (( من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فليُحسن قِرى ضيفه ) ).

وقال الحافظُ العسقلاني والذي يظهر أنَّها أحاديث كانت عند حسين الجعفي، فربما جَمَعَ، وربما أَفْرَدَ، وربما استوعبَ، وربما اقتصرَ.

(وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) قال البيضاوي الاستيصاء قبول الوصية، فإنَّ الاستيصاء استفعال، وظاهرُه طلبُ الوصية، وليس هو المراد؛ أي أوصيكُم بالنساء خيرًا، فاقبلوا وصيَّتي فيهنَّ. وقال الطِّيبي الأظهر أنَّ السين للطَّلب مبالغة؛ أي أطلبوا الوصيَّة من أنفسكم في حقهنَّ بخير.

وقال الزَّمخشري في قوله تعالى {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة 89] السين للمبالغة؛ أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في استعجب، ويجوز أن يكون من الخطاب العام؛ أي يستوصي بعضُكم من بعض في حقهنَّ.

(فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ) استعير

ج 22 ص 530

الضِّلَعُ للمعوج؛ أي خُلِقْنَ خلقًا فيه اعوجاج فكأنَّهن خلقنَ من أصل معوجٍّ، وهذا لا يخالف الحديث الماضي من تشبيهِ المرأة بالضِّلع، بل يستفادُ من هذا نكتة التَّشبيه، أنَّها عوجاء مثله؛ لكون أصلها منه، وقد تقدَّم شيء من ذلك في كتاب بدء الخلق [خ¦3331] .

(وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ) ذكر ذلك تأكيدًا لمعنى الكسر؛ لأنَّ الإقامة أمرُها أظهرُ في الجهة العليا، أو أشار إلى أنَّها خُلِقَتْ من أعوج أجزاء الضِّلع مبالغة في إثبات هذه الصفة، فكأنَّه قال خُلِقْنَ من أعلى الضِّلعَ وهو اعوجاجه، ويحتمل أن يكون ضرب ذلك مثلًا لأعلى المرأة؛ لأنَّ أعلاها رأسُها، وفيه لسانُها وهو الَّذي يحصل منه الأذى، وإنَّما قال أعلاه، ولم يقل أعلاها، مع أنَّ الضِّلَع مؤنث، وكذلك قوله لم يزل أعوج، ولم يقل عوجاء؛ لأنَّ تأنيثه ليس بحقيقي. فإن قيل العوج من العيوبِ، فكيف يصحُّ منه أفعل التَّفضيل؟

فالجواب أنَّه أفعل الصِّفة أو أنَّه شاذًا أو الامتناع عند الالتباس بالصِّفة، فحيث تميَّز عنها بالقرنية جاز البناء.

(فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ) أي الضِّلَع (كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ) ولم تقمْه (لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ) فالضَّمائر للضِّلَع لا لأعلى الضِّلع كما توهم، وفي الرواية التي قبله (( إن أقمتها كسرتها ) )، والضمير أيضًا للضِّلع، وقد عرفت أنَّه يذكر ويؤنث، ويحتمل أن يكون للمرأة، ويؤيِّده قوله بعده وإن استمتعتَ بها، وفي رواية مُسلم (( لن يستقيمَ لك على طريقة، فإن استمتعتَ بها استمتعتَ وبها عوجٌ، وإن ذهبتَ تقيمها كسرتها وكسرُها طلاقُها ) ).

وفيه إشعارٌ باستحالة تقويمها؛ أي إن كان لا بدَّ من الكسر فكسرها طلاقها.

قال الشاعر

~هِيَ الضِّلَعُ الْعَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيمُهَا أَلَا إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا

~أَتَجْمَعُ ضَعْفًا وَاقْتِدَارًا عَلَى الفتى أَلَيْسَ عَجِيبًا ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا

(فَاسْتَوْصُوا) أي أوصيكم (بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) فاقبلوا وصيتي فيهنَّ واعملوا بها،

ج 22 ص 531

وكأن َّفيه رمزًا إلى التقويم برفق بحيث لا يُبَالَغ فيه فَكْسِر، ولا يتركه فيستمر على عوجه.

وإلى هذا أشار البخاري رحمه الله بإِتباعه بالترجمة التي بعده باب {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم 6] فيؤخذ منه أن لا يتركها على الاعوجاج إذا أفضى ما طبعت عليه من النَّقص إلى تعاطي المعصية بمباشرتها، أو ترك الواجب، وإنَّما المرادُ أن يتركَها على اعوجاجِهَا في الأمور المباحة.

وفي الحديث النَّدبُ إلى مداراة النِّساء لاستمالة النُّفوس وتأليف القلوب، وفيه سياستهنَّ بأخذ العفو منهنَّ والصَّبر على عوجهنَّ، وأنَّ من رام تقويمهنَّ رام مستحيلًا، وفاته الانتفاعُ بهنَّ مع أنَّه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكنُ إليها ويستعين بها على معاشه، فكأنَّه قال الاستمتاع بها لا يتمُّ إلَّا بالصبر عليها.

قال الإمام الغزالي وللمرأة على زوجها أن يُعاشرها بالمعروف، وأن يحسنَ خُلُقَه معها، وليس حُسْنُ الخلق معها كفُّ الأذى عنها، بل احتمالُ الأذى منها والحلم عن طيشهَا وغضبهَا اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان أزواجُه يراجِعْنَه الكلامَ وتهجُرُه إحداهنَّ إلى اللَّيل، وأعلى من ذلك أنَّ الرجل يزيدُ على احتمال الأذى الملاعبةَ فهي التي تطيبُ قلوبَ النساء، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزحُ معهنَّ، وينزل إلى درجات عقولهنَّ في الأعمال والأخلاق، حتى رُوِيَ أنَّه كان يُسَابِقُ عائشةَ رضي الله عنها في العَدْوِ فسَبَقَتْه يومًا وسبقها في بعض الأيام .... فقال لها (( هذه بتلك ) ).

ومطابقةُ الحديث للترجمة في قوله (( استوصوا بالنساء خيرًا ) )، وقد مضى الحديث في بدء الخلق [خ¦3331] ، في باب قال الله عزَّ وجلَّ {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} [البقرة 30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت