41 - (قَالَ مَالِكٌ) أي ابن أنس، إمام دار الهجرة هكذا ذكره معلقًا ولم يوصله في موضع من الكتاب، لكنَّه لمَّا ذكره بلفظ جازم فهو صحيحٌ ولا قدح فيه، وقد ورد من جهاتٍ أُخرى صحيحة.
(أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) أبو أسامة القرشي المكي التابعي، مولى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة، هو أبو محمد
ج 1 ص 309
المدني مولى أمِّ المؤمنين ميمونة رضي الله عنها (أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم) ومن لطائف هذا الإسناد أن رواته أئمة أجلاء مشهورون. ومنها أنَّه مسلسل بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد. ومنها أن فيه التَّصريح بسماع الصَّحابي من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدفع احتمال سماعه من صحابيٍّ آخر.
(يَقُولُ) حال أو بدل اشتمالٍ، وهو حكاية حال ماضية لغرض الاستحضار (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ) هذا الحكم يشترك فيه الرِّجال والنساء، وذَكَرَه بلفظ المذكر؛ تغليبًا (فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ) بأن يدخلَ فيه ظاهرًا وباطنًا يقال في عرف الشَّرع حَسُن إسلام فلان، إذا دخل فيه حقيقة. وقال ابنُ بطال معناه ما جاء في حديث جبرائيل عليه السلام (( الإحسان أن تعبدَ الله كأنَّك تراه، فإن لم تكنْ تراه فإنَّه يراك ) ).
وحاصله أن يستحضرَ عند عمله قُرْبَ ربه منه وإطلاعه عليه.
(يُكَفِّرُ اللَّهُ) من التَّكفير وهو التَّغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في الطَّاعات. وقال الزمخشريُّ التَّكفير إماطة المستحق من العقاب بثوابٍ زائد، والرِّواية في (( يُكَفِّرُ ) )بالرفع، ويجوز فيه الجزم أيضًا؛ لكون فعل الشَّرط ماضيًا، كما في قوله
~وإنْ أتاهُ خليلٌ يومَ مسغبَةٍ يقولُ لا غائبٌ مَالي ولا حَرمُ
وقال الحافظ العسقلانيُّ (( يكفرُ الله ) )، بضم الراء؛ لأنَّ (( إذا ) )وإن كانت من أدوات الشَّرط لكنَّها لا تجزم.
وقال محمود العيني هذا كلام من لم يسم من العربية شيئًا.
وقد قال الشاعر
~استغْنِ مَا أغنَاكَ ربُّك بالغِنى وإذا تُصِبك خَصَاصةٌ فتجَمَّل
وفيه أنَّه قال ابن هشام في (( مغنيه ) )ولا تعمل إذا في الجزم إلَّا في الضَّرورة كقوله استغن ما أغناك البيت، وكذا قال الشَّيخ الرضي. فقول محمود العيني خارج عن دائرة الإنصاف، وفي رواية البزَّار (( كفر الله ) ).
(كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا) بتخفيف اللام المفتوحة، وبه قرئ على الحافظ المنذري وبتشديدها، وعزاه في (( التنقيح ) )للأَصيلي، وفي رواية بزيادة همزة، والكلُّ بمعنى؛ أي أسلفها وقدمها، كما وقع في رواية . ويؤيِّد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم (( الإسلام يَجُبُّ ما قبله ) )أي يهدمه ويمحوه.
(وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد حسن الإسلام (الْقِصَاصُ) وهو القَود، والمراد هنا مقابلة الشيء بالشيء؛ أي كل شيء يعمله يوضع في مقابلة شيء إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر
ج 1 ص 310
وهو مرفوع بأنه اسم كان، ويجوز أن تكون تامَّة، وإنما ذكره بلفظ الماضي وإن كان السياق يقتضي لفظ المضارع؛ لتحقق وقوعه، كما في قوله تعالى {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف 44] .
(الْحَسَنَةُ) بالرفع مبتدأ خبره (بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) أي تكتب وتجزئ بعشر أمثالها، والجملة مستأنفة كأنَّه قيل كيف يكون القصاص؟ فقال الحسنة مجزئة بعشر أمثالها، كما قال تعالى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام 160] .
وقوله (إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) بكسر الضاد؛ أي مثل ويقال لك ضعفه يريدون مثليه وثلاثة أمثاله؛ لأنه زيادة غير محصورة، قاله في (( القاموس ) )متعلق بمقدَّر ومحله النصب على الحال؛ أي منتهية إلى سبعمائة ضعفٍ، وهذا كما قال تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة 261] .
فإن قلت المفهوم من هذا الحديث الانتهاء إلى سبعمائة حتى زعم بعضهم أنَّ التَّضعيف لا يتجاوز سبعمائة، وقوله {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} يدلُّ على أنه قد يكون الانتهاء إلى أكثر.
فالجواب أنَّ المراد أن الله تعالى يضاعف تلك المضاعفة وهو أن يجعلها سبعمائة، وإن قلنا أن معناه أنه تعالى يضاعف السبع مئة بأن يزيد عليها أيضًا فذلك في مشيئة الله تعالى، وأما المتحقق فهو إلى سبعمائة فقط. وقد صرَّح في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه المؤلِّف في (( الرِّقاق ) )، ولفظه (( كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ) ) [خ¦6491] .
(وَالسَّيِّئَةُ) مبتدأ خبره (بِمِثْلِهَا) أي تكتب بمثلها من غير زيادة (إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا) أي عن السيئة بالعفو فلا تكتب ولا يجزي بها. وفي بعض الرِّوايات وهو الغفور وذلك من فضل الله وسعة رحمته حيث جعل الحسنة كالعشر، والسيئة كما هي بلا زيادة، بل يعفو عنها إن شاء. وفيه دليل لأهل السنة في أنَّ العبد تحت المشيئة إن شاء الله تجاوز عنه، وإن شاء أخذه، ورد على من قطع لأهل الكبائر بالنَّار كالمعتزلة.
اعلم أنَّه في جملة حديث مالك مما أسقطه البخاري أنَّ الكافر إذا حَسُنَ إسلامهُ يكتب له في الإسلام كلَّ حسنة عملها في
ج 1 ص 311
الشرك حيث ورد من طريق عبد الله بن نافع، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدَّمها، ومحى عنه كلَّ سيئةٍ زلفها ) ).
وورد من طرق أُخرى كذلك، فالله من فضله إذا كتب الحسنات المتقدِّمة في الإسلام، فبالأَوْلى أن يتفضَّل على عبده المسلم بما شاء من غير حساب، ونظير هذا الَّذي أسقطه المؤلِّف رحمه الله تعالى ما جاء في حديث حكيم بن حزام (( أسلمتَ علي ما أسلفت من خير ) )أخرجه البخاري في (( الزكاة ) ) [خ¦1436] وفي (( العتق ) ) [خ¦2538] ، ومسلم في (( الإيمان ) )، وإنما أسقطه البخاري، قيل لأنه مشكل على القواعد.
فقال المازريُّ ثم القاضي وغيرهما أن الجاري على القواعد والأصول أنَّه لا يصحُّ من الكافر التقرُّب فلا يثاب على طاعته في شركه؛ لأن من شرط التَّقرب أن يكون عارفًا بمن يتقرَّب إليه، والكافر ليس كذلك.
وأَوَّلُوا حديث حكيم بن حزام من وجوه
الأول أن معنى قوله عليه السلام (( أسلمتَ على ما أسلفت من خير ) )أنك اكتسبت طباعًا جميلة تنتفع بتلك الطباع في الإسلام بأن تكون لك مُعينة على فعل الطَّاعات.
والثاني أنَّك اكتسبت ثناء جميلًا بقي لك في الإسلام.
والثالث أنه يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام، ويكثر أجره؛ لِمَا تقدم له من الأفعال الحميدة، وقد جاء أنَّ الكافر إذا كان يفعل خيرًا فإنه يُخفَّف عنه به، فلا يبعد أن يُزاد في أجره.
والرابع وهو ما زاده القاضي أنه ببركة ما سبقَ من الخير هداك الله تعالى للإسلام.
وتعقبهم النووي في (( شرحه ) )فقال هذا الذي ذكروه ضعيفٌ، بل الصَّواب الذي عليه المحققون وقد ادعى فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة على جهة التَّقرب إليه تعالى كصدقة، وصلة رحم، وإعتاق ونحوها من الخصال الحميدة، ثمَّ أسلم، يُكتَب له كل ذلك، ويثاب عليه إذا مات على الإسلام. ودليله حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد ورد الشرع به فوجب قبوله، وأمَّا دعوى كونه مخالفًا للأصول فغير مقبولة.
وأمَّا قول الفقهاء لا تصح عبادةٌ من كافر، ولو أسلم لا يعتد بها، فمرادهم أنَّه لا يعتد بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرُّض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التَّصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة، فهو مجازفٌ، فيرد قوله بهذه السُّنة الصَّحيحة، وقد يُعتدُّ ببعض أفعال الكافر في الدنيا،
ج 1 ص 312
فقد قال الفقهاء إذا لزمه كفارة الظِّهار وغيرها فكفر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها، واختلفوا فيما لو أجنبَ واغتسل في كفْره، ثمَّ أسلم هل يلزمه إعادة الغسل والأصح اللُّزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال يصحُّ من كلِّ كافرٍ طهارة غسلًا كان أو وضوءًا أو تيممًا، وإذا أسلم صلى بها.
وقد ذهب إلى ما ذهب إليه النَّووي إبراهيمُ الحربي، وابن بطَّال، والقرطبي، وابن منير، وقال هو المخالف للقواعد أنَّه يكتب له ذلك في حال كفْره، وأمَّا أن الله تعالى يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنُّه خيرًا فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتدأ من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفى الشروط.
وقال ابن بطال لله تعالى أن يتفضَّل على عباده بما شاءَ ولا اعتراض عليه. واستدل عليه أيضًا بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرَّتين، كما مرَّ في حديث هرقل، وقد جاء في حديثٍ صحيحٍ أنه لو مات على إيمانه الأول لم ينفعْه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباء منثورًا، فدلَّ ذلك على أن ثواب عمله الأول يُكتَب له مضافًا إلى عمله الثاني، ويدل عليه أيضًا أنه لمَّا سألته عائشة رضي الله عنها عن ابن جدعان وما كان يصنعه من الخير هل ينفعه؟ فقال صلى الله عليه وسلم (( إنه لم يقل يومًا ربِّ اغفرْ لي خطيئتي يوم الدِّين ) )فدلَّ على أنَّه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفْر.
تنبيه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلًا من الله وإحسانًا أن يكون ذلك لكون عمله الصَّادر منه في الكفر مقبولًا، والحديث إنما تضمَّن كتابة الثَّواب ولم يتعرَّض فيه للقَبول، ويحتمل أن يكون المقبول معلَّقًا على إسلامه، فيقبل ويُثاب إن أسلم.