5193 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، المعروف ببُنْدَار، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد التحتية، واسمه محمد (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) أي ابن مهران الأعمش (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة وبالزاي، هو سلمان الأشجعي، مولى عَزَّة الأشجعيَّة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ) أو السَّيد أمتَه (إِلَى فِرَاشِهِ) أي لِأَنْ يُجَامِعَها. وقال ابنُ أبي جمرة الظَّاهر أنَّ الفراش كنايةٌ عن الجماعِ، ويقويه قوله (( الولد للفراش ) )أي لمن يطأُ في الفراش، والكنايةُ عن الأشياء التي يُستَحْيَى منها كثيرة في القرآن والسنة.
(فَأَبَتْ) أي امتنعت
ج 22 ص 609
(أَنْ تَجِيءَ) كلمة أن مصدرية؛ أي عن المجيء. زاد أبو عَوَانة، عن الأعمش كما تقدَّم في بدء الخلق (( فبات غضبان عليها ) )، وبهذه الزيادة يتَّجه وقوع اللَّحن؛ لأنَّها حينئذٍ يتحقَّق ثبوت معصيتها؛ بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك، فإنَّه يكون إمَّا لأنَّه عذرها، وإمَّا لأنَّه تركَ حقَّه من ذلك (لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) ظاهره اختصاص اللَّعْنِ بما إذا وَقَعَ ذلك منها ليلًا؛ لقوله (( حتى تصبحَ ) )وكان السرُّ فيه تأكُّد ذلك الشَّأن في اللَّيل وقوَّة الباعث عليه، ولا يلزم من ذلك أنَّه يجوز لها الامتناع في النَّهار. وإنَّما خصَّ اللَّيل بالذِّكر؛ لأنَّه المظنَّة لذلك. انتهى.
وقد وقع في رواية يزيد بن كَيسان، عن أبي حازم عند مسلم بلفظ (( والذي نفسِي بيده ما من رجلٍ يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه إلَّا كان الذي في السَّماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها ) ). ولابنِ خُزيمة وابن حبَّان من حديث جابر رضي الله عنه رَفَعه (( ثلاثةٌ لا يقبل الله لهم صلاةً ولا يَصْعَدُ لهم إلى السَّماء حسنةٌ العبدُ الآبق حتى يرجعَ، والسَّكران حتى يصحو، والمرأة السَّاخط عليها زوجها حتى يرضى ) )فهذه الإطلاقات تتناول اللَّيل والنَّهار.
وروى ابنُ الجوزي في كتاب «النِّساء» من حديث محمَّد بن ربيعة حدثنا يحيى بن العلاء حدثنا العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه سمعت أبا هُريرة رضي الله عنه، قال (( لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسوِّفة والمُفَلِّسة، أما المسوفة فهي التي إذا أرادها زوجها قالت سوف سوف، والمفَلِّسة، وفي لفظ المُفَسِّلة هي التي إذا أرادها زوجها قالت إنِّي حائض، وليست بحائض ) ).
وعن الخطابي في «غريب الحديث» فيما نقله عنه صاحب «تحفة العروس» (( لعَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغَامِصة ) )بالغين المعجمة والصاد المهملة الحائضُ التي لا يَعْلَم زوجُها أنها حائضٌ.
والمُغْوِصَة بكسر الواو التي لا تكون حائضًا، وكذبتْ زوجها، وتقول إنها حائضٌ. وروى ابنُ أبي شيبة من حديث ليث، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عُمر رضي الله عنهما، قال جاءت امرأة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، ما حقُّ الزوج على المرأة؟ قال (( لا تمنعْه نفسَها وإن كانت على ظهرِ قتبٍ ) ).
وفي حديث الباب أنَّ الملائكة تدعو على أهلِ المعصية ما داموا
ج 22 ص 610
فيها، وذلك يدلُّ على أنهم يدعون لأهل الطَّاعة ماداموا فيها، كذا قال المهلَّب. وقال أيضًا هذا الحديث يوجبُ أنَّ منع الحقوق في الأبدان كانت أو في الأموال ممَّا يوجبُ سخطَ الله إلَّا أن يتغمَّدها الله بعفوه، وفيه أيضًا جواز لعن العاصي المسلم إذا كان على وَجْهِ الإِرْهابِ عليه؛ لئلا يُواقَع الفِعْلَ، فإذا واقعه فإنما يُدْعَى له بالتَّوبة والهداية. وقال الحافظُ العسقلاني ليس هذا التَّقييد مستفادًا من هذا الحديث بل من أدلَّة أخرى.
وقد ارتضى بعضُ مشايخنا ما ذكره المهلَّب من الاستدلال بهذا الحديث على جواز لعن العاصي المعين. وفيه نظرٌ، والحقُّ أنَّ مَن مَنَعَ اللَّعنَ أراد به معناه اللُّغويَّ وهو الإبعادُ من الرَّحمة.
وهذا لا يليقُ أن يُدعى به على المسلم بل يُطلب له الهداية والتَّوبة والرُّجوع عن المعصية، والذي أجازه أراد به معناه العرفيَّ، وهو مُطلق السَّب ولا يخفى أنَّ محلَّه إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر. وأمَّا حديث الباب فليس فيه إلَّا أن الملائكة تفعل ذلك، ولا يلزم منه جوازه على الإطلاق.
وقد مرَّ الحديث في بدء الخلق [خ¦3237] . ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ.