5207 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هو القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاري رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ) ويروى (رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي في زمنه قول الصَّحابي كنَّا نفعل كذا، إن أضافَه إلى زَمَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فله حُكم الرَّفع على الصَّحيح عند أهل الحديث والأصوليين، وذهب أبو بكر الإسماعيلي إلى أنَّه موقوف؛ لاحتمال أن لا يكون صلى الله عليه وسلم اطَّلع على ذلك.
وهذا الخلافُ لا يجيء هنا لوجود النَّقل باطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك، كما ثبتَ في «صحيح مسلم» من رواية أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه من قوله (( فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فلم ينهنَا ) ).
فقد روي هذا الحديث عن جابر رضي الله عنه بوجوه. فروى البخاري أيضًا من طريق عَمرو، عن عطاء، عن جابر رضي الله عنه، قال (( كنَّا نعزلُ والقرآن ينزلُ ) ). وأخرجه مسلم أيضًا نحوه. وروى النَّسائي والتِّرمذي من حديث مَعْمر
ج 22 ص 635
عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرَّحمن بن ثوبان، عن جابر رضي الله عنه، قال قلنا يا رسول الله، إنا كنَّا نعزلُ فزعمت اليهودُ إنها الموءودة الصُّغرى فقال (( كذبتِ اليهود إنَّ الله إذا أراد أن يخلقَه لم يَمْنَعه ) ).
وروى مسلم من رواية مَعقل، وهو ابنُ عبيد الله الجزري، عن عطاء، قال سمعت جابرًا رضي الله عنه يقول (( لقد كنَّا نعزلُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). وروى مسلم أيضًا من حديث أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه، قال (( كنَّا نعزلُ على عهدِ نبي الله صلى الله عليه وسلم فبلغَ ذلك نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم فلم ينْهنَا ) ).
وروى أيضًا والنَّسائيُّ من رواية عروة بن عياض، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال (( سألَ رجل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال إنَّ عندي جارية لي وأنا أعزلُ عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ ذلك لَمْ يَمْنَعْ شيئًا أرادَ الله ) )الحديث.
وروى أيضًا وأبو داود من رواية زهير، عن أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه، قال (( جاء رجلٌ من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنَّ لي جاريةً أطوفُ عليها وأنا أكرهُ أن تحملَ، فقال اعزلْ عنها إن شئتَ، فإنَّه سيأتيها ما قدِّر لها، فلبث الرَّجل ثم أتاهُ، فقال إنَّ الجارية قد حبلتْ، قال قد أخبرتك به ) )الحديث لفظ أبي داود، وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» من رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر رضي الله عنه نحوه.
وقد استُدِلَّ بحديث الباب على جوازِ العَزْل، فممَّن قال به من الصَّحابة سعد بن أبي وقَّاص وأبو أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، ذكره عنهم مالك في «الموطأ» . ورواه ابن أبي شيبة أيضًا عن أُبيِّ بن كعب، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك رضي الله عنهم. ورواه أيضًا عن غيرِ واحدٍ من الصَّحابة لكن في العَزْلِ عن الأَمَةِ، وهُم عمر بن الخطَّاب وخبَّاب بن الأرت. ورُوِيَ كراهتُه عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وأبي أمامة رضي الله عنهم. وكذا روي عن سالم والأسود وسعيد بن جبير وإبراهيم التَّيمي وعمرو بن مرَّة
ج 22 ص 636
وجابر بن زيد والحسن وعطاء وطاوس. وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وحكاه صاحب «التقريب» عن الشَّافعي، وكذا عزاه إليه ابنُ عبد البر في «التمهيد» ، وهو قولُ أكثر أهل العلم.
وتفصيل القول فيه أنَّ المرأة إن كانت حرَّة؛ فقد ادَّعى فيه ابن عبد البر في «التمهيد» أنَّه لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يعزل عنها إلَّا بإذنها. وقال الشيخ زين الدِّين العراقي دعوى الإجماع لا تصحُّ؛ فقد اختلف الشَّافعي على طريقين أظهرهما كما قال الرافعي إنَّها إن رضيتْ جاز لا محالةَ، وإلَّا فوجهان أصحُّهما عند الغزالي الجواز، وكذا قال الرَّافعي في «الشرح الصغير» ، والنَّووي في «شرح مسلم» إنَّه الأصحُّ. وقال في «الروضة» إنَّه المذهب. والطَّريق الثاني إنَّها إنْ لم تأذنْ لم يجزْ، وإن أَذِنَتْ فوجهان. وإن كانت المرأة أمَة فاختلف العلماء في وجوب استئذان سيِّدها، فحكى ابنُ عبد البر في «التمهيد» عن مالك وأبي حنيفة وأصحابهما أنهم قالوا الإذن في العزلِ عنها إلى مولاها. وقال الشَّافعي له أن يعزلَ عنها بدون إذنها وإذنِ مولاها، وإن كانت المرأة أمَة له، فقال ابنُ عبد البر لا خلافَ بين فقهاء الأمصار أنَّه يجوز العزلُ عنها بغير إذنها، وأنَّه لا حقَّ لها في ذلك.
وقال الشَّيخ زين الدين العراقي هكذا أطلق نفي الخلاف وليس بجيدٍ. وقد فرَّق أصحاب الشَّافعي في الأمة بين المستولدة وغيرها، فإن لم يكن قد استولدها؛ فقال الغزالي وتَبِعَه الرَّافعيُّ والنَّووي لا خلاف في جوازهِ. قال الرَّافعي صيانة للملك.
واعترض صاحب «المهمات» بأنَّ فيه وجهًا، حكاه الرُّوياني في «البحر» أنَّه لا يجوز لِحقِّ الولد. وإن كانت مستولدةً له فقال الرَّافعي الرَّاجح الجواز؛ لأنَّها ليستْ راسخةً في الفراش، ولهذا لا تَستحِقُّ القسم، وبعضُهم رتَّبها على المنكوحة الرَّقيقة، وأَولى بالمنعِ؛ لأنَّ الولد حرٌّ، وآخرون على الحرَّة.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّه فَسَّرَ الإبهامَ الذي في الترجمة، وهو من أفراده.