فهرس الكتاب

الصفحة 7731 من 11127

5208 - 5209 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ المديني، قال

ج 22 ص 637

(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح، أنَّه (سَمِعَ جَابِرًا) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ) وفي نسخة (كُنَّا نَعْزِلُ) بنون مفتوحة وزاي مكسورة (وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ) .

(وَعَنْ عَمْرٍو) أي ابن دينار (عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بتحتية مضمومة بدل النون وفتح الزاي على البناء للمفعول (وَالْقُرْآنُ) أي والحال أنَّ القرآن (يَنْزِلُ) أي بتفاصيل الأحكام. وزاد في رواية إبراهيم بن موسى، عن سفيان أنَّه قال حين روى هذا الحديث؛ أي لو كان حرامًا لنَزَلَ فيه. وقد أخرج مسلم هذه الزيادة عن إسحاق بن راهويه، عن سفيان فساقه بلفظ (( كنَّا نعزلُ والقرآن ينزلُ ) )، قال سفيان لو كان شيءٌ يُنْهَى عنه لنهانا عنه القرآن، فهذا ظاهرٌ في أنَّ سفيان قاله استنباطًا.

وأوهم كلام صاحب «العمدة» ومَن تبعه أنَّ هذه الزِّيادة من نفس الحديث فأدرجَها وليس الأمرُ كذلك، فقال الحافظُ العسقلاني إنَّني تتبعتُه من المسانيد فوجدتُ أكثر رواته عن سفيان لا يذكرون هذه الزِّيادة.

قال الحافظُ العسقلاني وكأنَّ ابن عُيينة حدَّث به مرَّتين؛ فمرَّةً ذَكَرَ فيها الإخبار والسَّماع فلم يَقُلْ فيها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرَّة ذكره بالعنعنة، فذكره.

فإن قيل روى مسلم من حديث أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس. الحديث، وفيه ثمَّ سألوه عن العزلِ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ذاك الوأدُ الخفي ) ).

وبه استدل إبراهيم النَّخعي وسالم بن عبد الله والأسود بن يزيد وطاوس وقالوا العزل مكروه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جعل العزلَ بمنزلة الوأد إلَّا أنَّه خفي؛ لأنَّ من يعزل عن امرأته إنما يعزلُ هربًا من الولد، فلذلك سُمِّيَ الموؤدة الصُّغرى، والموؤدةُ الكبرى هي التي تدفنُ وهي حيَّة، كان إذا وُلِدَ لأحدهم بنتٌ في الجاهلية دفنوها في التراب وهي حيَّة.

فكيف التَّوفيق بين هذا وبين حديث جابر وأبي سعيد وغيرهما. وفي حديث جابر قلنا يا رسول الله، إنا كنَّا نعزلُ فزعمتِ اليهود أنَّها الموؤدة الصُّغرى فقال صلى الله عليه وسلم (( كذبتِ اليهود إنَّ الله إذا أرادَ أن يخْلُقَه لم يَمْنَعْه ) )

ج 22 ص 638

رواه التِّرمذي.

فالجواب عن هذا بوجوه

الأوَّل أنَّه يحتمل أن يكون الأمرُ في ذلك كما وقع في عذاب القبر لما قالت اليهودُ إنَّ الميِّت يُعَذَّبُ في قبره فكذَّبهم النَّبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يُطلعه الله على ذلك، فلمَّا أطلعَه الله على عذاب القبرِ أثبت ذلك واستعاذَ بالله منه وهاهنا كذلك.

الثَّاني ما قاله الطَّحَّاوي إنَّه منسوخٌ بحديث جابر رضي الله عنه وغيره. فإن قيل ذكروا أنَّ جُذَامةَ أسلمت عام الفتح فيكون حديثُها متأخِّرًا فيكون ناسخًا لغيره. فالجواب أنَّهم ذَكَروا أيضًا أنها أسلمتْ قبل الفتح، قال عبدُ الحق هو الصَّحيح.

الثالث قالَ ابنُ العربي إنَّ حديثَ جُذامةَ مضطربٌ.

الرابع يرجع إلى التَّرجيح، فحديثُ جذامة يردُّ من حديثها، وحديث جابر رُوِيَ برجال الصَّحيح، كذا قيل. وله شاهدٌ من حديث أبي سعيد على ما سيأتي، وحديث أبي هُريرة رضي الله عنه الذي أخرجه النَّسائي من حديث أبي سلمة عنه، قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العَزْلِ فقيل إنَّ اليهود تزعم أنها الموؤدة الصُّغرى فقال (( كذبت يهود ) ).

وقد جمعوا بين الحديثين؛ أي بين تكذيب اليهود وبين إثبات كونه وأْدًا خفيًا، فقال بعضُهم إن قولَهم الموؤدة الصُّغرى يقتضي أنَّه وأدٌ ظاهرٌ لكنه صغير بالنَّسبة إلى دفنِ المولود بعد وضْعِه حيًا، فلا يعارضُ قوله إن العزلَ وأْدٌ خفيٌّ؛ فإنَّه يدلُّ على أنَّه ليس في حكم الظَّاهر أصلًا فلا يترتَّب عليه حكمه، وإنما جعله وأْدًا من جهة اشتراكِهما في قَطْع الولادة. وقال بعضهم قوله (( الوأْدُ الخفيُّ ) )ورد على طريق التَّشبيه؛ لأنَّه قطع طريق الولادة قبل مجيئه فأشبه قَتْلَ الوَلَدِ بعد مجيئه.

وقال ابن القيم الذي كَذَبَتْ فيه اليهود زَعْمُهم أنَّ العَزْلَ لا يتصوَّر معه الحمل أصلًا، وجعلوه بمنزلة قطع النَّسل بالوأد فأكذبهم وأخبرَ أنَّه لا يمنع الحملَ إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأْدًا حقيقةً، وإنما سمَّاه وأدًا خفيًا في حديث جُذامة؛ لأنَّ الرجل إنما يعزلُ هربًا من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرقَ بينهما أنَّ الوأدَ ظاهرُ بالمباشرةِ؛ اجتمع فيه القصدُ والفعل، والعزل يتعلَّق بالقصد صرفًا فلذلك وصفه بكونه خفيًا.

ولعلَّ هذا الجواب أحسن الأجوبة وأصوبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت