فهرس الكتاب

الصفحة 7732 من 11127

5210 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) الضَّبعي البصري، هو ابنُ أخي جويرية، قال (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) أي ابن أسماء بن عبيد الضُّبَيْعِي، شارك مالكًا في الرواية عن نافع، وتفرَّد عنه بهذا الحديث وبغيرهِ، وهو من الثِّقات الأثبات. قال الدَّارقطني بعد أن أخرجَه من طريقٍ صحيحٍ غريبٍ تفرَّد به جويرية، عن مالك.

وقال الحافظُ العسقلاني ولم أره إلَّا من رواية ابن أخيه عبد الله بن محمد بن أسماء عنه، وأسماء وجويرية من الأعلام المشتركة بين الرِّجال والنِّساء.

(عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) الإمام (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ) بحاء مهملة ثم راء ثم زاي مصغرًا، اسمه عبد الله، وكذلك وقع في رواية يونس، كما سيأتي في القدر [خ¦6603] عن الزُّهري أخبرني عبد الله بن مُحَيْرِيْزٍ الجُمَحِي، وهو مدنيٌّ، سَكَن الشَّام، ومُحَيْرِيز أبوه هو ابن جنادة بن وهب،

ج 22 ص 639

وكان من رهط أبي محذورة المؤذن، وكان يتيمًا في حجره (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) وفي رواية يونس (( أنَّ أبا سعيد الخدري رضي الله عنه أخبره ) )، وفي رواية ربيعة في المغازي، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان [خ¦4138] (( عن ابن محيريز أنَّه قال دخلت المسجد ورأيت أبا سعيد الخدريَّ فجلستُ إليه وسألتُه عن العَزْل ) )كذا عند البخاري، ووقع عند مسلم من هذا الوجه (( دخلتُ أنا وأبو صِرْمة على أبي سعيد فسأله أبو صِرْمة، فقال يا أبا سعيد، هل سمعتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَذْكُرَ العَزْل ) ).

وأبو صِرْمة بكسر المهملة وسكون الراء، اسمه مالك، وقيل قيس، صحابي مشهور، من الأنصار، وقد وقع في روايةٍ للنَّسائي من طريقِ الضَّحَّاك بن عُثمان عن محمد بن يحيى بن حبَّان (( عن ابن مُحَيْريز، عن أبي سعيد وأبي صِرْمة قالا أصبنا سبايا ) )والمحفوظ الأول.

(أَصَبْنَا) أي إنَّه قال أصبنا (سَبْيًا) أي من جواري أخذناها من الكفَّار أسْرًا، وفي رواية شعيب في البيوع ويونس المذكورة [خ¦2229] (( أنَّه بينما هو جالس عند النَّبي صلى الله عليه وسلم ) )زاد يونس (( جاء رجل من الأنصار ) ). وفي رواية ربيعة (( خرجنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فسبينا كرائمَ العرب، وطالت علينا العزبة، ورغبنا في الفداءِ، فأردنا أن نستمتعَ ونعزلَ، فقلنا نفعلُ ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا لا نسأله فسألناهُ ) ).

وروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» من رواية أبي سلمة بن عبد الرَّحمن وأبي أمامة بن سهل جميعًا، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال (( لما أصبنا سبْيَ بني المصطلق استمتعنا من النِّساء وعَزَلْنَا عنهنَّ، قال ثمَّ إني وقفتُ على جارية في سوق بني قينقاع، فمرَّ رجل من اليهود، فقال ما هذه الجارية يا أبا سعيد؟ قلت جاريةٌ لي أبيعها، قال هل كنتَ تصيبُها؟ قال قلت نعم قال فلعلَّك تبيعها وفي بطنها سَخْلة؟ قال كنت أعزلُ عنها، قال هذه الموؤدة الصُّغرى،

ج 22 ص 640

قال فجئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرتُ ذلك له فقال (( كذبتْ يهودُ، كذبتْ يهودُ ) ).

(فَكُنَّا نَعْزِلُ) عنهنَّ كراهةَ مجيءِ الولدِ من الأَمة أنفةً، أو خوفَ تعذُّر بيع الأمة إذا صارت أمَّ ولد، أو فرارًا من كَثْرةِ العيال إذا كان مقلاًّ فيرغب في قلَّة الولد لئلا يتضرَّر بتحصيل الكَسْبِ، أو غير ذلك (فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية يونس وشعيب [خ¦2229] (( فقال إنَّا نصيب سبينا ونحبُّ المال فكيف ترى في العزل ) ). ووقع عند مسلم من طريق عبد الرَّحمن بن بشر، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال ذُكِرَ العزلُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (( وما ذلكم؟ ) )قالوا الرجل تكون له المرأة ترضعُ له فيصيب منها ويكرهُ أن تحمل منه، والرَّجل يكون له الأمَة فيصيبُ منها ويكره أن تحملَ منه.

ففي هذه الرواية أشار إلى أن سببَ العزل شيئان

أحدهما كراهةَ مجيء الولد من الأَمَة وهو إمَّا أنفة من ذلك، وإمَّا لئلا يتعذَّر بيع الأمة إذا صارتْ أمَّ ولد، وإمَّا لغير ذلك.

والثاني كراهةَ أن تحملَ الموطوءةُ وهي ترضعُ فيضر ذلك بالولد المرضع.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَوَإِنَّكُمْ) بفتح الهمزة والواو (لَتَفْعَلُونَ) أي العزلَ المذكور (قَالَهَا ثَلاَثًا) اختلفوا في معناه، فقالت طائفةٌ ظاهره الإنكار والزَّجر، فينهى عن العزل، وحُكِيَ ذلك أيضًا عن الحَسَن، وكأنَّهم فَهِمُوا من كلمة لا في رواية أخرى وهي رواية ربيعة (( لا عليكم أن لا تفعلوا ) )، ووقع في رواية مسلم من طريق أخرى عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر، عن أبي سعيد رضي الله عنه (( لا عليكم أن لا تفعلوا ذلك ) )، قال ابنُ سيرين قوله (( لا عليكم ) )أقربُ إلى النَّهي.

قال ابن عون فحدَّثتُ به الحَسَن فقال والله لكأن هذا زجرًا، وقال القرطبي كأنَّ هؤلاء فهموا من (لا) النَّهي عمَّا سألوا عنه، فكأنَّ عندهم بعد (لا) حَذْفًا تقديره لا تعزلوا وعليكم أن لا تفعلوا، ويكون قولُه عليكم. .. إلى آخره تأكيدًا للنَّهي.

وتُعُقِّبَ بأن الأصلَ عدمُ هذا التَّقدير، وإنما معناه ليس عليكم

ج 22 ص 641

أن تتركوا، وهو الذي يساوي أن لا تفعلوا. وروى القاسم وغيرُه عن مالك أنَّها للنَّهي عمَّا سُئل عنه، وأنَّ كلمة (لا) في أن لا تفعلوا، لتأكيدِ النَّهي. وقالت طائفةٌ أخرى معنى قوله (( لا عليكم أن لا تفعلوا ) )لا حرج عليكم أن لا تفعلوا؛ ففي ذلك نفيُ الحَرَجِ عن عدم الفعل، فأَفهم ثبوتَ الحَرَج في فِعْلِ العَزْلِ، ولو كان المرادُ نفيَ الحَرَجِ عن الفعل لقال لا عليكم أن تفعلوا إلَّا إن ادَّعى أنَّ كلمةَ لا زائدة، فيقال الأصلُ عدم ذلك.

ووَقَعَ في رواية مجاهدٍ الآتية في التَّوحيد تعليقًا [خ¦7409] ووصلها مسلم وغيره ذُكِرَ العزلُ عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال (( ولِمَ يَفعلُ ذلك أحدُكم ) )ولم يقل لا يفعل ذلك، فأشار إلى أنَّه لم يصرِّح لهم بالنَّهي، وإنما أشار إلى أنَّ الأولى تَرْكُ ذلك؛ لأنَّ العزلَ إنْ كان خشيةَ حصول الولد فلا فائدةَ في ذلك.

وأشار إلى ذلك بقوله (مَا مِنْ نَسَمَةٍ) بفتحات؛ أي نفس (كَائِنَةٍ) أي قدر كونها (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هِيَ كَائِنَةٌ) سواء عزلتُم أو لا؛ أي ما قدِّر وجوده لا يمنعْه العَزْلُ، وذلك لأنَّ الله تعالى، إنْ كان قَدَّر خَلْقَ الولد، لم يمنع العزلُ ذلك فقد يسبقُ الماءُ ولا يشعرُ العازل، فيحصلُ العلوق ويلحقُه الولد ولا رادَّ لما قضَى الله تعالى، والفرارُ من حصول الولد يكون لأسبابٍ منها خشيةُ عُلوق الزَّوجة الأمَّة لئلا يصيرَ الولد رقيقًا، أو خشيةُ دخول الضَّرر على الولد المرضع إذا كانت الموطوءة مرضعة، أو الفرارُ من كثرةِ العيال إذا كان الرجل مقلاًّ فيرغب في قلَّة الولد؛ لئلا يتضرَّر بتحصيل الكسب، وكلُّ ذلك لا يغني شيئًا.

وفي حديث جابر أيضًا أنَّ ذلك لم يمنع شيئًا أَراده الله. وفي حديثه أيضًا في رواية مسلم (( اعزلْ عنها إن شئتَ فإنَّه سيأتيها ما قدِّر لها ) ). وفي حديث البراء رواه التِّرمذي في كتاب «العلل» (( ليس من كلِّ الماءِ يكونُ الوَلَد ) ). وقد أخرج أحمد والبزَّار وصحَّحه ابنُ حبَّان من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلًا سأل عن العَزْلِ فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم

ج 22 ص 642

(( لو أنَّ الماءَ الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرةٍ لأخرج اللهُ منه ولدًا ) )وليس في جميع الصُّور التي يقعُ العزل بِسَبَبِها ما يكونُ العزلُ فيها راجحًا سوى الصُّورة المتقدِّمة عند مسلم من طريق عبد الرَّحمن بن بشر، عن أبي سعيد رضي الله عنه، وهي خشيةُ أن يضرَّ الحمل بالولد المرضع؛ لأنَّه ممَّا جُرِّبَ فضرَّ غالبًا، لكن وقع في بقيَّة الحديث عند مسلم أنَّ العزلَ بسبب ذلك لا يفيدُ لاحتمال أن يقعَ الحمل بغير اختيار.

ووقع عند مسلم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أعزِلُ عن امرأتي شفقةً على ولدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن كان لذلك فلا، ما ضرَّ ذلك فارس ولا الروم ) )، وفي العزل أيضًا إدخالُ ضَرَرٍ على المرأة لما فيه من تَفْوِيتِ لذتها.

تنبيه قيل الاستفهام المذكور يُشْعِرُ بأنَّه صلى الله عليه وسلم ما كان اطَّلع على فعلهم ذلك، ففيه تعقُّبٌ على من قال إنَّ قول الصَّحابي كنَّا نفعل كذا في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم مرفوع؛ معتلًا بأن الظَّاهرَ اطلاعُ النَّبي صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم، ففي هذا الخبر أنَّهم فعلوا العزل ولم يعلم به حتى سألوه عنه.

نعم للقائل أن يقول كانت دواعيهم متوافرةً على سؤاله عن أمور الدِّين، فإذا فعلوا الشَّيء وعَلِمُوا أنَّه لم يطَّلع عليه بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه، فيكون الظُّهور من هذه الحيثية.

وقد تقدَّم الخلاف في كون العزل حرامًا أو مكروهًا أو جائزًا بلا كراهة بالتَّفصيل فلا أُعيده، وقد انتزعَ بعضُهم من حكم العزلِ حُكْمَ معالجة المرأة إسقاط النُّطفة قبل نفخ الرُّوح، فمن قال بالمنع هناك ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن يلتحقَ به هذا، ويمكن أن يفرق بأنَّه أشد؛ لأنَّ العزل لم يقع فيه تعاطِي السَّبب، ومعالجة السقط يقع بعد تعاطي السبب.

ويلتحقُ بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطع الحبل من أصله، وقد أفتى بعضُ متأخري الشَّافعية بالمنع، وهو مشكلٌ على القول بإباحة العزل مطلقًا.

هذا ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد سبق

ج 22 ص 643

في البيوع، في باب بيع الرقيق [خ¦2229] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت