466 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السين المهملة ثم نونين بينهما ألف (قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء وفتح اللام وفي آخره حاء مهملة، هو ابن سليمان، وكان اسمه عبد الملك، وفليح لقبه فغلب على اسمه واشتهر به.
(قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، سالم بن أبي أمية (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ) بالتصغير فيهما، أبي عبد الله المدني، مات بالمدينة سنة خمس ومئة (عَنْ بُسْرِ) بضم الموحدة وسكون السين المهملة وفي آخره راء (ابْنِ سَعِيدٍ) وسقط في رواية ذكر ، وفي رواية ، فعلى هذا يكون أبو النضر سمعه من شيخين حدَّثه كل منهما به عن أبي سعيد، فَحَذْفُ العاطفُ خطأٌ من محمد بن سنان أو من فليح، وهو من تابعي المدينة كان من العُبَّاد المنقطعين، وأهل الزهد في الدنيا مات بها سنة مئة.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك رضي الله عنه، وقد أخرج هذا الحديث المؤلِّف في فضل أبي بكر رضي الله عنه [خ¦3654] ، وأخرجه مسلم أيضًا في «الفضائل» .
ج 3 ص 332
(قَالَ خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في مرض موته الذي مات فيه، كما سيجيء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما [خ¦467] (فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) أي عند الله في الآخرة (فَاخْتَارَ) العبد (مَا عِنْدَ اللَّهِ) وسقط في رواية .
(فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ) وفي رواية (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قال أبو سعيد رضي الله عنه (فَقُلْتُ فِي نَفْسِي) أي أي شيء (يُبْكِي) من الإبكاء (هَذَا الشَّيْخَ؟) نصب على أنَّه مفعول «يبكي» (إِنْ يَكُنِ اللَّهُ) بكسر همزة إن الشرطية وجزم يكن على أنه فعل الشرط (خَيَّرَ) على البناء للفاعل من التَّخيير (عَبْدًا) وفي رواية على البناء للمفعول، وإن حرف شرط، ويكن فعل شرط على حالهما، وعلى التَّقديرين الجزاء محذوف لدَلالة السِّياق عليه.
وفي رواية أخرى بفتح الهمزة؛ أي لأجل كون الله تعالى خيَّر عبدًا أو لأجل كون لله عبد خيِّر فيشكل حينئذٍ الجزم في يكن، ويوجَّه بأنه سكن مع الناصب للوقف فأشبه المجزوم فحذفت الواو، كما تحذف في المجزوم، وفي رواية أخرى .
(بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) تعالى (فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ) وسقط في رواية الأَصيلي وابن عساكر قوله (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ) المخيَّر الذي اختار ما عند الله (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (أَعْلَمَنَا) حيث فهم أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفارق الدنيا فبكى حزنًا على فراقه، وإنَّما قال عبدًا على سبيل الإبهام؛ ليظهر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب العرفان في تفسير هذا المبهم، فلم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، فقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا، كما جاء في رواية أخرى.
(فَقَالَ) وفي رواية (يَا أَبَا بَكْرٍ؛ لاَ تَبْكِ) واختصَّه بالخصوصية العظمى، فقال (إِنَّ أَمَنَّ) بفتح الهمزة والميم وتشديد النون، (النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه، قال الخطَّابي أي أكثرهم جودًا وسماحة بنفسه وماله، وليس هو من المنِّ الذي هو الاعتداء بالصنيعة؛ لأنَّه مُبْطل للثواب، ولا منَّة لأحدٍ عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل المنَّة لله ولرسوله في قبول ذلك وعلى جميع الخلق، قال والمَنُّ في كلام العرب الإحسان، قال الله تعالى {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ} [ص 39] وقال تعالى {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر 6] أي لا تعط لتأخذ أكثر ممَّا أعطيت.
وقال القرطبي هو من الامتنان، ومعناه أنَّ أبا بكر رضي الله عنه له من الحقوق ما لو كان لغيره لأمْتَنَّ بها، وذلك لأنه بادرَ بالتَّصديق ونفقة المال وبالملازمة والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأنَّ الله ورسوله لهما المنَّة في ذلك والفضل، لكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 3 ص 333
بجميل أخلاقه وكرم أعراقه اعترف بذلك عملًا بشُكْرِ المُنْعِم.
وفي (( جامع الترمذي ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( ما لأحد عندنا يَدٌ إلَّا كافيناه ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة ) ).
(وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) أي مخالِلًا يخاللني ويوافقني في خلالي، ويساير في طريقتي، من الخل وهو الطَّريق في الرمل، أو الخليل هو الذي يسد خَلَلك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك وحجبك، وقيل أصل الخلَّة الانقطاع، فخليل الله المنقطعُ إليه.
وقال ابن فورك الخلَّة صفاء المودَّة بتخلل الأسرار، وقيل الخليل من لا يتسع قلبه لغير خليله
وقال القاضي عياض أصل الخلَّة الافتقار والانقطاع، فخليل الله هو المنقطع إليه الذي قصر حاجته عليه، وقيل الخلَّة الاختصاص بأصل الاصطفاء.
وسمِّي إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام خليل الله؛ لأنَّه والى فيه وعادى فيه، وقيل سُمِّي به؛ لأنه تخلَّل بخلال حسنة وأخلاقٍ كريمةٍ، وخلَّة الله له جَعْلُه إمامًا لمن بعده (مِنْ أُمَّتِي) وفي رواية .
وزعم السَّفاقسي أنه كان اتخذ خليلًا من الملائكة ولذلك قال (( لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي ) )، ويرده قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رواية أخرى (( ولكن صاحبكم خليل الرَّحمن ) )وفي رواية أخرى (( لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي ) ) [خ¦3654] .
(لاَتَّخَذْتُ) منهم (أَبَا بَكْرٍ) رضي الله عنه؛ يعني خليلًا، كما في رواية، ومعنى الحديث أنَّ أبا بكر رضي الله عنه يستأهل أن أتَّخذه خليلًا لولا المانع وهو أنَّه امتلأ قلبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما تخلَّله من معرفة الله ومحبَّته وموافقته ومراقبته حتى كأنها مزجت أجزاء قلبه بذلك فلم يتَّسع قلبه لخلة غير الله، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلَّا واحد ولم ينته إلى ذلك ممَّن تعلَّق القلب به فهو حبيب لا خليل، ولذلك أثبت صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي بكر وعائشة رضي الله عنهما أنهما أحبُّ الناس إليه، ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبَّة.
وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك، فذهبَ الجمهور إلى أنَّ الخلَّة أعلى تمسُّكًا بهذا الحديث، وذهب ابن فورك إلى أن المحبَّة أعلى؛ لأنها صفة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أفضل من الخليل.
وقيل هما سواء، فلا يكون الخليل إلَّا حبيبًا ولا الحبيب إلَّا خليلًا، وقيل معنى الحديث لو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس لخصصت به أبا بكرٍ؛ لأنَّ الخليل من تفرَّد بخلة من الفضل لا يشركه فيها أحد،
ج 3 ص 334
وقيل معنى الحديث لو كنت منقطعًا إلى غير الله لانقطعت إلى أبي بكر رضي الله عنه، لكن هذا ممتنع؛ لامتناع ذلك.
فإن قيل قال بعضُ الصَّحابة سمعت خليلي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فالجواب أنَّ الانقطاع إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انقطاع إلى الله تعالى، وفي حُكمِ ذلك.
(وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الأَصيلي بلا همزة.
قال الكرماني وتوجيهه أن يقال نُقِلت حركة الهمزة إلى نون لكن وحذف الهمزة فعرض بعد ذلك استثقال ضمة بين كسرة وضمة فسكَّن النون تخفيفًا فصار ولكن خوَّة الإسلام.
ثمَّ نُقِلَ عن ابن مالك أنَّ فيه ثلاثةَ أوجه سكون النون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النون وحذف الهمزة، وسكونه وحذف الهمزة، فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع. انتهى.
وقال محمود العيني كلُّ هذا تكلف خارج عن القاعدة، ولكن الوجه أن يقال إن «لكن» على حالها ساكنة النون، وحُذِفت الهمزة من أخوة اعتباطًا.
ولهذا قال ابنُ التين روِّيناه بغير همزة ولا أصل لهذا، ولكن الهمزة سقطت هنا وهي ثابتة في باقي المواضع.
ثمَّ إنَّ قوله (( أخوة الإسلام ) )كلام إضافي، مبتدأ خبرُه محذوف؛ أي ولكن أخوَّة الإسلام أفضل، يدلُّ عليه قوله في الحديث الآتي «ولكن خلَّة الإسلام أفضل» [خ¦467] .
فإن قيل فما المفضل عليه، إذ ليس المراد تفضيل الأخوة والمودة على الخلة؟.
فالجواب أن المراد به الزِّيادة المطلقة، فافهم.
(وَمَوَدَّتُهُ) أي مودَّة الإسلام عطف على «أخوَّة الإسلام» ، والفرق بين الخلَّة والمودَّة مع أنهما بمعنىً واحد بدليل قوله الآتي (( ولكن خلة الإسلام ) ) [خ¦467] باعتبار المتعلق، فالمثبتة ما كانت بحسب الإسلام والدين، والمنفية ما كانت بجهة أخرى.
وقد قيل إنَّ الخلة أخص وأعلى مرتبة من المودة، فنفى الخاص وأثبت العام، فإن قيل المراد من السياق أفضلية أبي بكر رضي الله عنه والصحابة كلهم رضي الله عنهم داخلون تحت أخوة الإسلام، فمن أين لزم أفضليَّته؟.
فالجواب أنها تُعْلم ممَّا قبله وممَّا بعده، على أنَّ المودة الإسلاميَّة متفاوتة بحسب التفاوت في إعلاء كلمة الله، وتحصيل الثواب، ولا ريب أن الصَّدِّيق رضي الله عنه كان أفضل الصَّحابة من هذه الحيثية.
(لاَ يَبْقَيَنَّ) بالبناء للفاعل، من البقاء، والنون مشدَّدة للتَّأكيد (فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ) بالرفع على أنَّه فاعل «لا يبقين» ، والنَّهي راجع إلى المكلَّفين لا إلى الباب، فكنَّى بعدم البقاء عن عدم الإبقاء؛ لأنَّه لازمٌ له كأنَّه قال لا يبقيه أحد حتَّى لا يبقى، وذلك كما يقال لا أَرَينَّك
ج 3 ص 335
هاهنا؛ أي لا تقعد عندي حتى لا أراك، وفي بعض النسخ على البناء للمفعول، من الإبقاء، والنون على حالة مشدَّدة، و «بابٌ» ناب عن الفاعل.
(إِلاَّ سُدَّ) استثناء مفرَّغ تقديره لا يبقينَّ باب بوجه من الوجوه إلَّا بوجه السدِّ، أو يكون التقدير إلَّا بابًا سدَّ حتى لا يقع الفعل مستثنى ومستثنى منه، فافهم.
(إِلاَّ بَاب أَبِي بَكْرٍ ) ) رضي الله عنه بالنصب على الاستثناء، أو بالرفع على البدل.
ومن فوائد هذا الحديث ما قاله الخطَّابي من أنَّ أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسدِّ الأبواب الشَّارعة إلى المسجد غير باب أبي بكر يدلُّ على اختصاص شديد له رضي الله عنه وإكرام؛ لأنهما كانا لا يفترقان، وقد أفرده بأمر لا يشاركه فيه أحد فأولى ما يصرف إليه التَّأويل فيه الخلافةُ، وقد أكَّد الدَّلالة عليها بأمره إيَّاه بالإمامة في الصَّلاة التي بنى لها المسجد، ولأجلها يدخل من أبوابه، قال ولا أعلم في إثبات القياس أقوى من إجماع الصحابة على استخلاف أبي بكر مستدلِّين في ذلك باستخلافه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة، فقاسوا عليها سائر الأمور، وكأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخرج عن باب بيته وهو في المسجد للصَّلاة فلما غلَّق الأبواب إلَّا باب أبي بكر رضي الله عنه دلَّ على أنَّه يخرج منه إليه للصَّلاة، فكأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بذلك دَلالة على أنَّه يفعل من بعده هكذا.
فإن قيل روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( سدُّوا الأبواب إلَّا باب علي رضي الله عنه ) )، فالجواب أنه قال الترمذي هو غريب، وقال البخاري حديث «إلا باب أبي بكر» أصحُّ، وقال الحاكم تفرَّد به مسكين بن بُكير الحرَّاني عن شعبة، وقال ابن عساكر وهو وهم، قال (( صاحب التوضيح ) )وتابعه إبراهيم بن المختار.
ومنها التَّعريض بالعلم للنَّاس وإن قلَّ فُهَماؤهم خشية أن يدخلَ عليهم مساءة أو حزن، ومنها أنَّه لا يستحق أحد العلم حقيقةً إلَّا من فهم، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ عالم بالنَّص لا بالمعنى، ومنها إنَّ أبا بكر رضي الله عنه أعلم الصَّحابة رضي الله عنهم، ومنها الحضُّ على اختيار ما عند الله تعالى والزُّهد في الدُّنيا والإعلام بمن اختار ذلك من الصَّالحين، ومنها أنَّ على السُّلطان شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله واختصاصه بالفضيلة التي لم يشاركه فيها غيره، كما خصَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما لم يجعله لغيره حيث جعل بابه في المسجد ليخلفه في الإمامة فيخرج من بيته إلى المسجد، كما كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 3 ص 336
يخرج ومَنْعُ الناس كلهم من ذلك دليل على خلافته بعده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنها ائتلاف النفوس بقوله (( ولكن أخوة الإسلام أفضل ) )، ومنها أنَّ المساجد تُصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها إلَّا من أبوابها إلَّا عن حاجة مهمَّة. ومنها أنَّ الخليل فوق الصَّديق والأخ.