فهرس الكتاب

الصفحة 7761 من 11127

5228 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهَبَّارِيُّ القرشي الكوفي، واسمه في الأصل عبد الله، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بنُ أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام، (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لأَعْلَمُ) أي شأنك (إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى) في «المصابيح» هذا ممَّا ادَّعى ابن مالك فيه أنَّ إذا خرجت من الظَّرفية ووقعت مفعولًا، والجمهورُ على أن إذا لا تخرج من الظَّرفية؛ فهي في الحديث ظرف لمحذوف هو مفعول أعلم تقديره شأنك ونحوه.

(قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ) وفي رواية (ذَلِكَ؟ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني (قُلْتِ لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ) أي نعم.

(وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلاَّ اسْمَكَ) يُؤخذ من الحديث استقراء الرَّجلِ حالَ المرأة من فِعْلِها وقولها فيما يتعلَّق بالميل إليه وعدمهِ، والحكم بما تقتضيهِ القرائن في ذلك؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم جزمَ برضى عائشة رضي الله عنها وغضبها بمجرَّد ذكرها لاسمه وسكوتها، فبنى على تغير الحالتين من الذِّكر والسُّكوت تغير الحالتين من الرِّضى والغضب، ويحتملُ أن يكون انضم إلى ذلك

ج 23 ص 18

شيءٌ آخر أصرح منه، لكن لم يُنْقَل، وقول عائشة رضي الله عنها يا رسول الله، ما أهجر إلَّا اسمك.

قال الطِّيبي هذا الحصر في غاية من اللُّطف في الجواب؛ لأنَّها أخبرت أنَّها إذا كانت في حال الغَضَب الذي يَسْلُبُ العاقلَ اختيارَه لا يغيرها عن كمال المحبَّة المستغرقة ظاهرها وباطنها الممتزجه بزوجها، وإنَّما عَبرَّتْ عن التَّرك بالهجران ليدلَّ به على أنَّها تتألم من هذا الترَّك الذي لا اختيار لها فيه.

كما قال الشَّاعر

~إِنِّي لَأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وَإِنَّنِي قَسَمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأَمْيَلُ

وقال ابن المنيِّر مرادها أنَّها كانت تترك التَّسمية اللَّفظيَّة ولا يترك قلبُها التَّعلقَ بذاته الكريمة مودَّة ومحبة. انتهى.

وفي اختيار عائشة رضي الله عنها ذِكْر إبراهيم عليه السَّلام دون غيره من الأنبياء عليهم السَّلام دَلالة على مزيد فِطْنتها وقوَّة ذكائها؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أولى النَّاس بإبراهيم عليه الصلاة والسَّلام، كما نصَّ عليه القرآن، فلمَّا لم يكن لها بدٌّ من هجر الاسم الشَّريف أبدلتْه بمن هو منه بسبيل حتى لا يخرجَ عن دائرة التَّعلق في الجملة.

وقال المهلَّب قولها (( ما أهجر إلَّا اسمك ) )يدلُّ على أنَّ الاسم غير المسمَّى، إذ لو كان الاسمُ عينَ المسمَّى وهجرت اسمه لهجرته بعينه، ويدلُّ على ذلك أنَّ من قال أكلتُ اسم العسل لا يفهم منه إلَّا أنَّه أكلَ العسل، وإذا قال لقيت اسم زيد لا يدلُّ على أنَّه لقي زيدًا، وإنَّما الاسم هو المسمَّى في علم الله عزَّ وجلَّ وحده لا فيما سواه من المخلوقين لمباينته عزَّ وجلَّ، وأسمائه وصفاته حكم أسماء المخلوقين وصفاتهم. انتهى.

قال العيني والتَّحقيق في هذه المسألة أنَّ قولهم الاسم هو المسمَّى على معان ثلاثة

الأوَّل ما يجري مجرَى المجاز.

والثَّاني ما يجري مجرَى الحقيقة.

والثَّالث ما يجري مجرَى المعنى، فالأوَّل نحو قولك رأيت جملًا، يتصوَّر من هذا الاسمِ في نفس السَّامع ما يتصوَّر من المسمَّى الواقع تحته لو شاهدَه، فلمَّا ناب الاسم من هذا الوجه مناب المسمَّى في التَّصور، وكان التَّصور

ج 23 ص 19

في كلِّ واحدٍ منهما شيئًا واحدًا صحَّ أن يقال إنَّ الاسم هو المسمَّى على ضرب من التَّأويل، وإن كنَّا لا نشك في أنَّ العبارة غير المعبر عنه.

والثَّاني أكثر ما يتبين في الأسماء التي تشتق للمسمَّى من معان موجودة فيه قائمة به، كقولنا لمن وجدت فيه الحياة حيٌّ، ولمن وجدت منه الحركة متحرِّك، فالاسم في هذا النَّوع لازم للمسمَّى يرتفعُ بارتفاعهِ ويوجدُ بوجوده.

والثَّالث العرب تذهب بالاسم إلى المعنى الواقع تحت التَّسمية، فيقولون هذا مسمَّى زيد؛ أي اسم هذا المسمَّى بهذه اللَّفظة التي هي الزاي والياء والدال، ويقولون في المعنى هذا اسم زيد فيجعلون الاسم والمسمَّى في هذا الباب مُترادفين على المعنى الواقع تحت التَّسمية، كما جعلوا الاسم والتَّسمية مُترادفين على العبارة، ومطابقة الحديث للشطر الثَّاني من الترجمة، وقد أخرجه مسلم أيضًا في فضل عائشة رضي الله عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت