فهرس الكتاب

الصفحة 7764 من 11127

5230 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو ابنُ سعيد البلخي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد الإمام (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبد الرَّحمن بن أبي مُليكة زهير بن عبد الله التَّيمي، الأحول المكِّي، القاضي على عهد ابن الزُّبير (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو في الأوَّل، وبفتح الميمين وسكون الخاء المعجمة في الثَّاني، هو ابنُ نوفل الزُّهري، كذا رواه اللَّيثُ وتابعَهَ عَمرو بن دينار وغيرُ واحد، وخالفهم أيُّوب فقال عن ابن أبي مُليكة عن عبد الله بن الزُّبير، أخرجه التِّرمذي، وقال حَسَنٌ، وذكر الاختلاف فيه، ثمَّ قال ويحتمل أن يكون ابن أبي مُليكة حمله عنهما جميعًا. انتهى.

قال الحافظُ العسقلاني والذي يظهرُ ترجيح رواية اللَّيث لكونه تُوبع، ولكون الحديث قد جاء عن المِسْوَر، وقد تقدَّم ما يتعلَّق بذلك في فرض الخمس [خ¦3127] .

(سَمِعْتُ) أي أنَّه قال سمعت (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهْوَ) أي والحال أنَّه (عَلَى الْمِنْبَرِ إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ) وقع في رواية مسلم (( هاشم بن المغيرة ) )، والصَّواب هشام لأنَّه جدُّ المخطوبة وبنو هشام هم أعمامُ بنت أبي جهل لأنَّه أبو الحكم عَمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه الحارث بن هشام، وسلمة بن هشام عام الفتح وحسُن إسلامهما، وممَّن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة عكرمة

ج 23 ص 22

بن أبي جهل بن هشام، وقد أسلم أيضًا وحسُن إسلامه (اسْتَأْذَنُوا) وفي رواية الكُشْمِيْهني (أَنْ يُنْكِحُوا) بضم أوَّله من أنكح (ابْنَتَهُمْ) جويرية أو العوراء أو جميلة بنت أبي جهل، تقدَّم في بابِ أصْهارِ النَّبي صلى الله عليه وسلم من كتاب المناقب [خ¦3729] أنَّه تزوَّجها عتَّاب بن أسيد بن أبي العيص لمَّا تركها علي رضي الله عنه.

(عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) هكذا في رواية ابن أبي مليكة أنَّ سبب الخطبة استئذان بني هشام بن المغيرة، وفي رواية الزُّهري عن عليِّ بن الحسين سببٌ آخر ولفظه (( أنَّ عليًّا رضي الله عنه خطبَ بنت أبي جهلٍ على فاطمة رضي الله عنها، فلمَّا سمعتْ بذلك فاطمة رضي الله عنها أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت إنَّ قومَك يتحدَّثون ) )، كذا في رواية شعيب. وفي رواية عُبيد الله بن أبي زياد عنه في «صحيح» ابن حبَّان (( فبلغَ ذلك فاطمة رضي الله عنها فقالت إنَّ النَّاس يزعمون إنَّك لا تغضب لبناتك، وهذا عليٌّ ناكحٌ بنت أبي جهل ) )هكذا أطلقتْ عليه اسم فاعل مجازًا لكونه أرادَ ذلك وصمَّم عليه فنَزّلَتْهُ مَنْزِلَةَ من فَعَلَه.

ووقع في رواية عُبيد الله بن أبي زياد خطبَ ولا إشكالَ فيها، قال المِسْوَر فقام النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حَنظلة «أنَّ عليًّا خطبَ بنت أبي جهل فقال له أهلُها لا نزوِّجك على فاطمة» .

قال الحافظُ العسقلاني وكأنَّ ذلك كان سبب استئذانهم، وجاء أيضًا أنَّ عليًَّا رضي الله عنه استأذن بنفسه؛ فأخرج الحاكم بإسناد صحيحٍ إلى سُويد بن غَفَلة، وهو أحدُ المُخَضْرَمين ممَّن أَسْلَم في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يَلْقَه، قال خطبَ عليٌّ بنت أبي جَهْلٍ إلى عمِّها الحارث بن هشام، فاستشار النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( أعن حسنها تسألني؟ ) )فقال لا، ولكن أتأمرني بها؟ قال (( لا، فاطمةُ بضعةٌ منِّي، ولا أحسبُ إلَّا أنَّها تحزنُ أو تجزعُ ) )، فقال عليٌّ رضي الله عنه لا آتي

ج 23 ص 23

شيئًا تكرهه.

ولعلَّ هذا الاستئذان وقعَ بعد خطبة النَّبي صلى الله عليه وسلم بما خطبَ ولم يحضر عليٌّ الخطبة المذكورة، فاستشار فلمَّا قال له (( لا ) )لم يتعرَّض بعد ذلك لِطَلَبِها، ولهذا جاء في آخر حديث شعيب عن الزُّهري فترك عليٌّ رضي الله عنه الخِطْبة وهي بكسر الخاء المعجمة، ووقع عند أبي داود من طريق مَعْمر، عن الزُّهري، عن عُروة «فسكت عليٌّ عن ذلك النِّكاح» .

(فَلاَ آذَنُ، ثُمَّ لاَ آذَنُ، ثُمَّ لاَ آذَنُ) كرَّر ذلك ثلاث مرَّات تأكيدًا، قال الكِرمانيُّ فإن قلت لابدَّ في العطف من المغايرة بين المعطوفين، قلت الثَّاني مغاير للأوَّل لأنَّ فيه تأكيدًا ليس في الأوَّل، وفيه إشارة إلى تأبيد مدَّة منع الإذن، وكأنَّه أرادَ رفع المجاز لاحتمال أن يحمل اللَّفظ على مدَّة بعينها، فقال ثمَّ لا آذن؛ أي ولو مضتِ المدَّة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها ثمَّ كذلك أبدًا.

(إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ) هو عليٌّ رضي الله عنه، فكأنَّه كره ذلك من علي رضي الله عنه فلذلك لم يقل علي بن أبي طالب (أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) قال الحافظُ العسقلاني هذا محمولٌ على أنَّ بعض من يبغض عليًّا رضي الله عنه وَشَى به أنَّه صمَّم على ذلك وإلَّا فلا يظنُّ أنَّه يستمر على الخطبة بعد أن استشار النَّبي فمنعَه، وسياق سُويد بن غفلة يدلُّ على أنَّ ذلك وقعَ قبل أن تعلمَ به فاطمة رضي الله عنها، وكأنَّه لما قيل لها ذلك وشكت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعلمه علي على أنَّه تركَ أنكر عليه ذلك، وزاد في رواية الزُّهري (( وإنِّي لست أحرِّم حلالًا ولا أحلِّلُ حرامًا، ولكن والله لا تجتمعُ بنتُ رسول الله وبنتُ عدوِّ الله أبدًا ) )، وفي رواية مسلم (( مكانًا واحدًا ) )، وفي رواية شعيب (( عند رجل واحدٍ أبدًا ) ).

قال ابن التِّين السَّفاقسي أصحُّ ما يحمل عليه هذه القصة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حرَّم على عليٍّ رضي الله عنه أن يجمعَ بين ابنته وبين ابنة أبي جهل؛ لأنَّه علَّل بأن ذلك يُؤذيه

ج 23 ص 24

وأذيَّته حرام بالإجماع، ومعنى قوله (( لا أحرِّم حلالًا ) )هي له حلال لو لم يكن عنده فاطمة، وأمَّا الجَمْعُ بينهما الذي يستلزمُ تأذي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لتأذِّي فاطمة رضي الله عنها به فلا، وزعم غيره أنَّ السياق يشعرُ بأنَّ ذلك مُباح لعلي رضي الله عنه، لكن منعه النَّبي صلى الله عليه وسلم رعاية لخاطر فاطمة رضي الله عنها، وقيل هو ذلك امتثالًا لأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم، والذي يظهرُ أنَّه لا يبعدُ أن يُعَدَّ في خصائصِ النَّبي صلى الله عليه وسلم أن لا يُتَزَوَّجَ على بناته، ويحتملُ أن يكون ذلك خاصًا بفاطمة رضي الله عنها، والله أعلم.

(فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي) بفتح الموَحَّدة وسكون الضاد المعجمة؛ أي قطعة، وحكي بِضَمِّ الموحدة وكسرها، ووقع في رواية سويد بن غَفَلة كما تقدَّم (( مضغة ) )بضم الميم وبالغين المعجمة (يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا) بضم الياء، من أراب يُريب رباعيًا، ووقع في رواية مسلم (( يريبني ما رابها ) )ثلاثيًا يقال أرابني فلان إذا رأيت منه ما تكرهه، وهذه؛ أي زيادة الألف في أوَّل ماضيه لغة هُذيل، وزاد في رواية الزُّهري (( وأنا أخافُ أن تُفتن في دينها ) )يعني أنَّها لا تصبر على الغيرة فيقعُ منها في حقِّ زوجها في حال الغضب ما لا يليقُ بحالها في الدِّين، وفي رواية شعيب (( وأنا أكره أن يسوءها ) )؛ أي تزويج غيرها عليها، وفي رواية مسلم من هذا الوجه (( أن يفتنوها ) )وهي بمعنى أن تفتن.

(وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا) وفي رواية أبي حنظلة (( فمن آذاها فقد آذاني ) )، وفي حديث عَبْدِ الله بن الزُّبير رضي الله عنهما (( يُؤذيني ما آذاها ويُنْصِبُني ما أَنْصَبَها ) )، وهو بنون ومهملة وموحدة من النَّصَب بفتحتين، وهو التَّعَب والمشقَّة، وفي رواية عُبيد الله بن أبي رافع، عن المِسْوَر رضي الله عنه (( يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها ) )أخرجها الحاكم، ويُؤخذ من هذا أنَّ فاطمة رضي الله عنها لو رَضِيَتْ بذلك لم يُمْنَع عليٌّ رضي الله عنه من التَّزويج بها أو بغيرها، وفي الحديث تحريم أذى من يتأذَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 23 ص 25

بتأذيه؛ لأنَّ أذى النَّبي صلى الله عليه وسلم حرامٌ اتِّفاقًا قليله وكثيره، وقد جزم بأنَّه يُؤذيه ما آذى فاطمة، فكلُّ من وقع منه في حقِّ فاطمة شيءٌ فتأذى به فهو يؤذي النَّبي صلى الله عليه وسلم بشهادة هذا الخبر الصَّحيح، ولا شيءَ أعظم في إدخالِ الأذى عليها من قَبْلِ وَلَدِها، ولهذا عُرِفَ بالاستقراء معاجَلَةُ من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدُّنيا ولعذاب الآخرة أشدُّ، وفيه حجَّة لمن يقول بسد الذَّريعة؛ لأنَّ تزويج ما زاد على الواحد حلال للرَّجل ما لم يجاوز الأربع، ومع ذلك فقد منعَ من ذلك في الحال لما يترتب عليه من الضَّرر في المآل.

وفيه بقاء عار الآباء في أعقابهم لقوله بنت عدوِّ الله، فإنَّ فيه أشعارًا بأنَّ للوصف تأثيرًا في المنع مع أنَّها هي كانت مسلمة حسنةَ الإسلام، وقد احتجَّ به من منعَ كفاءة من مسَّ أباه الرِّقُّ ثمَّ أُعْتِقَ، بمن لم يمسَّ أباها الرِّقُّ، ومن مسَّها الرِّقُّ بمن لم يمسَّها بل مسَّ أباها فقط، وقيل فيه حجَّة لمن منع الجمع بين الحرة والأمَّة، ويُؤخذ من الحديث إكرام من ينتسبُ إلى الخير والشَّرف أو الدِّيانة.

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ فيه الإخبار عن ذبِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ابنته فاطمة رضي الله عنها في الغيرةِ والإنصافِ لها، وقد مضى الحديث في مناقب فاطمة رضي الله عنها [خ¦3767] ، وسيجيء في الطَّلاق أيضًا [خ¦5278] ، وأخرجه بقية الجماعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت