5232 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البعلاني، قال (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابنُ سعد الإمام (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ) المصري، واسم أبي حبيب سويد، أعتقته امرأة مولاة لبني حسَّان بن عامر بن لؤي القرشي، وفي روايةٍ لمسلمٍ من طريق ابن وَهْبٍ، عن اللَّيث وعَمرو بن الحارث وحيوة وغيرهم (( أن يزيدَ بن أبي حبيب حدَّثهم ) ) (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مرثد بن عبد الله اليزني المصري، ومَرْثَد بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة.
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجُهَني رضي الله عنه، وفي رواية ابن وهب عند أبي نُعيم في «المستخرج» (( سمعت عقبةَ بن عامر رضي الله عنه ) ) (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ) بالنَّصب على التَّحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذورٍ ليحترز عنه، كما قيل إيَّاك والأسد، وقوله إيَّاكم مفعول فعل مضمرٍ تقديره اتَّقوا أنفسكم أن تدخلوا (عَلَى النِّسَاءِ) والنِّساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية ابن وهب بلفظ (( لا تدخلوا على النِّساء ) )، ويتضمَّن منع مجرد الدُّخول منع الخلوة بها على الطَّريق الأولى، وعند التِّرمذي (( لا يخلونَّ رجلٌ بامرأة فإنَّ الشَّيطان ثالثهما ) ).
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على تسميته (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وبالواو؛ يعني أخبرني عن حُكْم دخول الحَمْو على المرأة،
ج 23 ص 29
زاد ابنُ وهب في روايته عند مسلم (( سمعت اللَّيث يقول الحمو أخو الزَّوج، وما أشبهه من أقارب الزَّوج ابن العم ونحوه ) )، ووقع عند التِّرمذي بعد تخريج الحديث، قال التِّرمذي يقال هو أخو الزَّوج، كره له أن يخلو بها، قال ومعنى الحديث على نحو ما روي (( لا يخلونَّ رجل بامرأة فإنَّ ثالثهما الشَّيطان ) )انتهى.
وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه أحمدُ من حديث عامر بن ربيعة، وقال النَّووي اتَّفق أهل اللَّغة على أنَّ الأحماء أقاربُ زوج المرأة كأبيه وعمِّه وأخيه وابنِ أخيه وابنِ عمِّه ونحوهم، وأنَّ الأختان أقاربُ زوجةِ الرَّجل، وأنَّ الأصهار تقعُ على النَّوعين. انتهى، وقد اقتصرَ أبو عبيد وتبعه ابنُ فارس والدَّاوديُّ على أنَّ الحَمْو أبو الزَّوجة، زاد ابنُ فارس وأبو الزَّوج يعني أنَّ والدَ الزَّوج حموُ المرأة، ووالدَ الزَّوجة حموُ الرَّجل، وهذا الذي عليه عُرْفُ النَّاس اليوم، وقال الأصمعيُّ وتبعه الطَّبري والخطَّابي مَا نَقَلَه النَّووي، وكذا نُقِلَ عن الخليل، ويؤيِّده قول عائشة رضي الله عنها (( ما كان بيني وبين علي إلَّا ما كان بين المرأة وأحمائها ) ).
وقد قال النَّووي المراد في الحديث أقارب الزَّوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنَّهم محارم للزَّوجة يجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت، قال وإنَّما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابن العم وابن الأخت ونحوهم ممَّن يحلُّ تزويجه لها لو لم تكن متزوجة، وجرت العادةُ بالتَّساهل فيه فيخلو الأخ بامرأة أخيهِ فشبهه بالموت، وهو أولى بالمنعِ من الأجنبي. انتهى، وقد جزم التِّرمذي وغيره، كما تقدَّم، وتبعه المازري بأنَّ الحَمْوَ أبو الزَّوج، وأشار المازري إلى أنَّه ذكر للتَّنبيه على منع غيره بطريقِ الأولى، وتبعه ابنُ الأثير في «النهاية» .
وردهَّ النَّوويُّ فقال هذا كلامٌ فاسدٌ مردودٌ لا يجوز حمل الحديث عليه. انتهى، وسيظهر من كلام الأئمة في تفسير المراد بقوله (( الحمو الموت ) )ما تبين منه أنَّ كلام المازري ليس بفاسد، ثمَّ إنَّه اختلف في ضبط الحَمْو؛ فصرَّح القرطبي بأنَّ
ج 23 ص 30
الذي وقع في هذا الحديث حمؤ بالهمز، وأمَّا الخطَّابي فضَبَطَه بواو بغير همز؛ لأنَّه قال إنَّه وزن دَلْوٍ، وهو الذي اقتصرَ عليه أبو عُبيد الهروي وابن الأثير وغيرهما، وقال الحافظُ العسقلاني وهو الذي ثبتَ عندنا في روايات البخاري، وفيه لغتان أخريان إحداهما حم بوزن أخ، والأخرى حمى بوزن عصًا، ويخرجُ من ضبط المهموز بتحريك الميم لغة أُخرى خامسة حكاها صاحب «المحكم» .
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الْحَمْوُ الْمَوْتُ) قيل المراد أنَّ الخلوة بالحمو قد تؤدِّي إلى هلاك الدَّين إنْ وقعت المعصية، أو إلى الموت حقيقة إن وَقَعَتِ المعصيةُ ووَجَبَ الرَّجْم، أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها إذا حَمَلَتْه الغيرةُ على تطليقها، أشارَ إلى ذلك كلِّه القُرطبيُّ، وقال الطَّبري المعنى أن خلوة الرَّجل بامرأة أخيه أو ابن أخيه تنزلُ منزلة الموت، والعربُ تصف الشَّيء المكروه بالموت.
قال ابنُ الأعرابي هي كلمة تقولها العَرَبُ مثلًا، كما تقول الأسدُ الموت؛ أي لقاؤه فيه الموت، والمعنى احذروه، كما يحذرُ الموت، وقال صاحب «مجمع الغرائب» يحتملُ أن يكون المراد أنَّ المرأة إذا خلتْ فهي محل الآفة ولا يؤمن عليها أحدٌ، فليكن حموها الموت؛ أي لا يجوز لأحد أن يخلو بها إلَّا الموت، كما قيل نِعْمَ الصِّهر القبر، وهذا لائقٌ بكمال الغيرة والحمية.
وقال أبو عُبيد معنى قوله (( الحمو الموت ) )؛ أي فليمت ولا يفعلُ هذا.
وتعقَّبه النَّووي فقال هذا كلامٌ فاسدٌ، وإنَّما المراد أنَّ الخلوة بقريب الزَّوج أكبر من الخلوة بغيره والشَّر يتوقع منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكن؛ لتمكِّنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكير عليه؛ بخلاف الأجنبي.
وقال القاضي عياض إنَّ الخلوة بالأحماء مؤدِّية إلى الفتنة والهلاك في الدَّين، فجعله كهلاك الموت، وأورد الكلام مورد التَّغليظ، وقال القُرطبي في «المفهم» المعنى أنَّ دخول قريب الزَّوج على امرأة الزَّوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة؛ أي فهو
ج 23 ص 31
محرَّم معلوم التَّحريم، وإنَّما بالغ في الزَّجر عنه وشبهه بالموت لتسامح النَّاس به من جهة الزَّوج والزَّوجة لإلفهم بذلك حتى كأنَّه ليس بأجنبي من المرأة، فخرج هذا مخرج قول العرب الأسدُ الموت، والحربُ الموت؛ أي لقاؤه يفضِي إلى الموت، وكذلك دخوله على المرأة قد يفضي إلى مَوْت الدِّين، أو إلى مَوْتِها بطلاقِها عند غيرة الزَّوج، أو إلى الرَّجم إن وقعت الفاحشة.
وقال ابن الأثير في «النهاية» المعنى أنَّ خلوة المحرَّم بها أشد من خلوة غيره من الأجانب؛ لأنَّه ربما حسن لها أشياء وحَمَلَها على أُمُوْرٍ تَثْقُلُ على الزَّوج من التماس ما ليس في وسعهِ، فتسوء العشرة بين الزَّوجين بذلك، ولأنَّ الزَّوج قد لا يؤثر أن يطلع والد زوجته أو أخوها على باطنِ حاله ولا على ما اشتمل عليه. انتهى، وكأنَّه قال الحمو الموت؛ أي لا بدَّ منه ولا يمكن حجبه عنها كما أنَّه لا بدَّ من الموت، وأشار إلى هذا الأخير الشَّيخ تقي الدين في «العمدة» .
تنبيه مَحْرم المرء مَنْ حَرُمَ عليه نكاحُها على التَّأبيد إلَّا أم الموطوءة بشبهةٍ والملاعنة، فإنَّهما حرامان على التَّأبيد ولا محرميَّة هناك، وكذا أمَّهات المؤمنين، وأخرجهنَّ بعضُهم بقوله في التعريف بسبب مباحٍ لا لحرمتها، وخرج بقيد التَّأبيد أختُ المرأة وعمَّتُها وخالتُها وبنتُها إذا عقدَ على الأم ولم يدخل بها، ومطابقةُ الحديث للشَّطر الأوَّل من التَّرجمة كما ذكر، وقد أخرجه مسلم في الاستئذان، والتِّرمذي في النِّكاح، والنَّسائي في الاستئذان.