5235 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكر بن أبي شيبة، واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، وعثمان شيخ البُخاري هو ابنُ محمد بن أبي شيبة، واسم أخيه أبي بكر عبد الله، وكلاهما من شيوخ البُخاري ومسلم، قال (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) ضدُّ الحُرَّة، هو ابنُ سليمان (عَنْ هِشَامِ) هو ابنُ عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها، وفي رواية سفيان، عن هشام في غزوة الطَّائف [خ¦4324] (( عن أمها أمُّ سلمة ) )، هكذا قال أكثر الأصحاب هشام بن عروة وهو المحفوظ، وسيأتي في اللِّباس [خ¦5887] من طريق زهير بن معاوية، عن هشام أنَّ عروة أخبره أنَّ زينب ابنة أمُّ سلمة أخبرته أنَّ أمُّ سلمة أخبرتها، وخالفهم حماد بن سلمة عن هشام فقال عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة، وقال مَعمر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، ورواه مَعمر أيضًا عن الزُّهري، عن عروة، وأرسله مالك فلم يذكر فوق عروة أحدًا، أخرجها النَّسائي، ورواية مَعمر عن الزُّهري عند مسلم وأبي داود أيضًا.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهَا وَفِي الْبَيْتِ) أي البيت الذي هي فيه (مُخَنَّثٌ) بفتح النون المشددة وكسرها بعدها مثلثة، وهو الذي يشبه النِّساء في أخلاقهنَّ في حركاتهنَّ وكلامهنَّ، وهو على نوعين من خُلِقَ كذلك
ج 23 ص 35
فلا ذمَّ عليه؛ لأنَّه معذورٌ، ولهذا لم يُنْكِر النَّبي صلى الله عليه وسلم أولًا دخوله عليهنَّ، ومن يتكلَّف ذلك وهو المذموم، وقد تقدَّم في غزوة الطَّائف [خ¦4324] أنَّ اسمَ هذا المُخنث هِيْت، بكسر الهاء وسكون التحتية وبالمثناة الفوقية، على الأصح، وكان يدخل على أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم، كما في «تاريخ الجوزجاني» ، وروى المستغفري من مرسل محمد بن المنكدر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نفى هيتًا في كلمتين تكلَّم بهما من أمر النِّساء، قال لعبد الرَّحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما (( إذا افتتحتُم الطَّائف غدًا فعليكَ بابنةِ غيلان ) )فذكر نحو حديث الباب، وزاد (( اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ رغبوا عن خلقِ الله وتشبَّهوا بالنِّساء ) )، وذكر ابن إسحاق في «المغازي» أن اسمَه ماتع بالمثناة الفوقية، وقيل بالنون، وحكى أبو موسى المديني في كون ماتع لقبُ هيت أو بالعكس، أو أنَّهما اثنان خلافًا، وجزم الواقدي بالتَّعدد فإنَّه قال كان هيتُ مولى عبد الله بن أبي أميَّة، وكان ماتع مولى فاختة.
وذكر ابن إسحاق في «المغازي» أنَّ اسم المخنث في حديث الباب ماتع، فرَوَىَ عن محمد بن إبراهيم التَّيمي قال كان مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الطَّائف مولى لخالته فاختة بنت عَمرو بن عائذ مخنَّث يقال له ماتع، يدخل على نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم ويكون في بيته، لا يرى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّه يفطنُ لشيءٍ من أمر النِّساء مما يفطن له الرِّجال، ولا أن له إربةً في ذلك، فسَمِعَه يقول لخالد بن الوليد رضي الله عنه يا خالد، إن افتتحتُم الطَّائف فلا ينفلتنَّ منك بادية بنت غيلان، فإنَّها تُقبل بأربع وتُدبر بثمانٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سَمِعَ ذلك منه (( ألا أرى هذا الخبيث يفطن لِمَا أسمع ) )ثمَّ قال لنسائه (( لا يدخلنَّ هذا عليكنَّ ) )فحُجِبَ عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذُكِرَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نفاهما؛ أي هيتًا وماتعًا إلى الحِمْى، وذَكَرَ البَاوَرْدِي في «الصَّحابة» من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن حفص أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت لمخنَّث كان بالمدينة يقال له أنَّه بفتح الهمزة وتشديد النون ألا تدلنا على امرأة نخطبها على عبد الرَّحمن بن أبي بكر؟ قال بلى، فوصف امرأةً تُقبل بأربعٍ وتُدبر بثمان، فسَمِعَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال (( يا أنَّه اخرج من المدينة إلى حمراء الأسد، وليكن بها منزلك ) )، والرَّاجح أنَّ اسمَ المذكور
ج 23 ص 36
في حديث الباب هيت، ولا يمتنعُ أن يتواردا في الوصف المذكور، وقال ابنُ حبيب المخنث هو المؤنث من الرِّجال، وإن لم تعرف منه فاحشة، مأخوذة من التَّكسر في الشَّيء وغيره، وسيأتي في كتاب «الأدب» [خ¦5885] لعن من فعل ذلك.
وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أتى بمخنَّث قد خَضَبَ يديه ورجليهِ، فقيل يا رسول الله، إنَّ هذا يتشبه بالنِّساء، فنفاه إلى النَّقيع بالنون فقيل ألا تقتله؟ قال (( إني نَهَيتُ عن قَتْلِ المصلِّين ) ).
(فَقَالَ الْمُخَنَّثُ لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ) وقد وقع في مرسل ابنِ المنكدر أنَّه قال ذلك لعبد الرَّحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، فيُحْمَلُ على تعدُّد القول لكلٍّ منهما لأخي عائشة ولأخي أمِّ سلمة رضي الله عنهم، والعَجَبُ أنَّه لم يقدر أنَّ المرأة الموصوفة حصلت لواحد منهما؛ لأنَّ الطَّائف لم يفتح حيئنذٍ، وقُتِلَ عبد الله بن أمية في حال الحصار، ولمَّا أسلم غيلان بن سلمة وأسلمت بنته بادية تزوَّجها عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، فقدر أنَّها استُحيضت عنده وسألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن المستحاضة، وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك في «كتاب الطَّهارة» [خ¦309] ، وتزوَّج عبد الرَّحمن بن أبي بكر ليلى بنت الجودي، وقصَّته معها مشهورة.
وقد وقع حديث سعدِ بنِ أبي وقاص رضي الله عنه أنَّه خطب امرأة بمكَّة فقال من يخبرني عنها؟ فقال مخنث يقال له هيت أنا أصفها لك، فهذه قصَصٌ وقعت لهيت.
(عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) أي ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أخي أم سلمة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأمَّه عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم، وكان شديدًا على المسلمين مخالفًا مبغضًا، وهو الذي قال {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء 90] ، وكان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنَّه خَرَجَ مهاجرًا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فلقيه بالطَّريق بين
ج 23 ص 37
السُّقيا والعَرْجِ، وهو يريد مكَّة عام الفتح، فتلقاه فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّة بعد مرَّة، فدخل إلى أخته وسألها أن تشفع له، فشفعت له أخته أمُّ سلمة رضي الله عنها، وهي أخته لأبيه، فشفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأسلم وحسن إسلامه، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكَّة مُسْلِمًا، وشَهِدَ حنينًا والطَّائف، ورُمِيَ يوم الطَّائف بسَهْمٍ فقَتَلَه ومات يومئذ.
وقال أبو عمر بن عبد البر وزَعَمَ مسلم بن الحجَّاج أنَّ عروةَ بن الزُّبير روى عنه أنَّه رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي في بيت أمُّ سلمة في ثوب واحدٍ مُلتحفًا به مخالفًا بين طرفيه، وذلك غلطٌ، وإنَّما الذي روى عنه عروة بن عبد الله بن أبي أميَّة، واسم أبي أمية حذيفة.
(إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا) ووقع في رواية أبي أسامة، عن هشام في أوَّله (أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلاَنَ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، وفي رواية حماد بن سلمة (( لو قد فُتِحَتْ لكم الطَّائف لقد أريتك باديةَ بنت غيلان ) )، واختلف في ضبطِ بادية، فالأكثر على أنَّه بموحدة ثمَّ دال مهملة ثمَّ تحتانية، ضدُّ الحاضرة، وقيل بنون بدل التَّحتانية، حكاه أبو نعيم.
ولبادية ذكر في «المغازي» ذكر ابن إسحاق أنَّ خولة بنتَ حكيم قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّ فتحَ اللهُ عليك الطَّائف أعطني حليَّ بادية بنت غيلان، وكانت من أحلى نساءِ ثقيفٍ، وأبوها غَيْلان، بفتح الغين المعجمة وسكون التحتانية، هو ابنُ مسلمة بن مُعَتِّب، بفتح العين المهملة وتشديد المثناة الفوقية وآخره موحدة، ابن مالك بن عَمرو بن سعد بن عوف بن قيس، وهو ثقيف، وأمَّه سبيعة بنت عبد شمس، أسلم بعد فتح الطَّائف ولم يُهاجر، وكان أحد وجوه ثقيفٍ ومُقَدَّميهم، وكان شاعرًا مُحْسِنًا، وتوفي في أواخر خلافةِ عمر رضي الله عنه، وهو الذي أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يختارَ أربعًا.
(فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ)
ج 23 ص 38
قال ابنُ حبيب عن مالك معناه أنَّ أعكانها ينعطف بعضُها على بعضٍ، وهي في بطنها أربع طرائقَ ويَبْلُغُ أطرافُها إلى خاصرتها في كلِّ جانبٍ أربع، فإذا أدبرتْ كانت أطرافُ هذه العُكَن الأربع عند مُنقطع جَنْبَيْها ثمانية، وقال بثمان، وكان الأصل ثمانية؛ لأنَّ واحد الأطراف مُذَكَّر؛ لأنَّه لم يقل ثمانية أطراف، أو لأنَّ كلاًّ من الأطراف عكنٌة تسميةً للجزءِ باسم الكلِّ فأنَّث بهذا الاعتبار، وتفسيرُ مالك المذكور تبعه فيه الجمهور، وقال الخطَّابي يريد أنَّ لها في بطنها أربع عُكن لسمنها، فإذا أقبلتْ رؤيت مواضعها بارزة منكسرةً بعضها على بعضٍ، وإذا أدبرتْ كان أطراف هذا العكن الأربع عند جنبيها ثمانية.
وحاصله أنَّه وصفها بأنَّها مملوءةُ البدن سمينةٌ بحيث يكون لبطنها عُكَنٌ، وذلك لا يكون إلا للسَّمينة من النِّساء، وجرت عادةُ الرِّجال غالبًا في الرَّغبة فيمن تكون بتلك الصِّفة، والعُكنة، بالضم الطَّي الذي في البطن من السِّمن، وعلى هذا فقوله في حديث سعد إن أقبلتْ قُلت تمشي بستٍّ، وإن أدبرتْ، قلتَ تمشي بأربعٍ كأنَّه يعني ثدييها ورجليها وطرفي ذلك منها مقبلة ورَدْ فَيْها مُدبرة، وإنَّما نقصَ إذا أدبرت؛ لأنَّ الثَّديين تحتجبان حينئذٍ، وزاد ابنُ الكلبي بعد قوله (( وتدبرُ بثمانٍ بثغرٍ كالأقحوان إن قعدتْ تثنَّت، وإن تكلَّمت تغنَّت، وبين رجليها مثل الإناء المكفوء ) )، وزاد المدائني من طريق يزيد بن رومان عن عروة مرسلًا (( أسفلها كثيبٌ وأعلاها عسيبٌ ) ).
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَدْخُلَنَّ) بفتح اللام وتشديد النون (هَذَا عَلَيْكُم) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهني ، وهي رواية مسلم، وزاد في آخر رواية الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ألا أرى هذا يَعْرِفُ ما هاهنا، لا يَدْخُلُ عَلَيْكُنَّ ) )قالت فحجبوه، وزاد أبو يعلى في روايته من طريق يونس عن الزُّهري في آخره (( وأخرجه فكان بالبيداء يدخلُ كل يوم جمعة يستطعمُ ) ).
وزاد ابن الكلبي في حديثه فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لقد غَلْغَلْتَ النَّظر إليها يا عدوَّ الله ) )،
ج 23 ص 39
ثمَّ أجلاه عن المدينة إلى الحِمى، ووقع في حديث سعد الذي أشير إليه أنَّه خَطَبَ امرأةً بمكَّة، فقال هيت أنا أنعتُها لك، إذا أقبلتْ قلتَ تمشي بستٍّ، وإذا أدبرت قلتَ تمشي بأربعٍ، وكان يدخل على سودة، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما أَرَاه إلَّا مُنْكَرًا ) )فمَنَعَه، ولمَّا قدم المدينة نفاه.
قال المهلَّب إنَّما حجبه عن الدُّخول إلى النِّساء لمَّا سَمِعَه يصفُ المرأة بهذه الصِّفة التي تهيج قلوب الرِّجال، فمَنَعَه لئلا يصف الأزواجَ للنَّاس، فيسقط معنى الحجاب. انتهى.
وفي سياق الحديث ما يُشْعِر بأنَّه حَجَبَه لذاتهِ أيضًا لقوله (( ألا أرى هذا يَعْرِفُ ما هاهنا ) )، ولقوله (( وكانوا يَعُدُّونه من غير أولي الإربة ) )، فلمَّا ذكر الوصف المذكور دلَّ على أنَّه من أولي الإربة فنفاهُ لذلك، وغيرُ أولي الإربة هو الأَبْلهُ العنين الذي لا يفطنُ بمحاسن النِّساء، ولا إِرْبَ له فيهنَّ، والإِرْبَ، بالكسر الحاجة، ويستفادُ منه حجب النِّساء عمَّن يفطن لمحاسنهنَّ، وهذا الحديث أصلٌ في إبعاد من يسترابَ منه في أمر من الأمور.
قال المهلَّب وفيه حجَّة لمن أجاز بيع العين الموصوفة بدون الرُّؤية لقيام الصِّفة مقام الرُّؤية في هذا الحديث، وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّ من اقتصر في بيع جارية على ما وقع في الحديث من الصِّفة لم يَكْفِ في صحَّة البيع اتِّفاقًا، فلا دَلالة فيه، وقال الحافظُ العسقلاني إنَّما أراد المهلَّب أنَّه يستفاد منه أنَّ الوصفَ يقوم مقام الرُّؤية، فإذا استوعبَ الوصف حتى قامَ مقام الرُّؤيةِ المعتبرِة أجزأ، هذا مرادُه، وانْتِزَاعُه من الحديثِ ظاهرٌ، وفي الحديث أيضًا تعزيرُ من يَتَشَبَّه بالنِّساء بالإخراج من البيوت، والنَّفي إذا تعين ذلك طريقًا لِرَدْعِهِ، وظاهرُ الأمر وجوبُ ذلك، وتشبُّه النِّساءِ بالرِّجال والرِّجالِ بالنِّساء من قاصدٍ مختارٍ حَرامٌ اتِّفاقًا، وقد مضى الحديث في المغازي، في أوَّل باب غزوة الطَّائف [خ¦4324] .
ومطابقته للترجمة في آخر الحديث.