5245 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد (عَنْ هُشَيْمٍ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة مصغرًا، هو ابنُ بشير الواسطي البلخي الأصل (عَنْ سَيَّارٍ) بفتح السين المهملة وتشديد التحتية وبعد الألف راء، هو ابنُ أبي سيار، واسمه وردان أبو الحكم العنزي الواسطي، وقد تقدَّم في «باب تزويج الثِّيبات» [خ¦5079] عن أبي النُّعمان، عن هُشيم، قال حدَّثنا سيار، وكذا في الباب الذي بعده [خ¦5247] حدَّثنا يعقوب الدَّوْرَقِيُّ حدَّثنا هشيم أخبرنا سيار (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل، وفي رواية أبي عَوَانة من طريق شريح بن النُّعمان، عن هُشيم حدَّثنا سيار حدَّثنا الشَّعبي، وفي رواية أحمد من وجه آخر (( سمعت الشَّعبي ) ) (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ) هي غزوة تبوك (فَلَمَّا قَفَلْنَا) أي رجعنا من القفول، بالقاف والفاء (تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ) أي لي (قَطُوفٍ) بفتح القاف؛ أي بطيء المشي.
(فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي) زاد في الباب اللاحق (( فنخسَ بعيري بعنزة كانت معه، فسار بعيري بأحسن ما أنت راءٍ من الإبل ) ) (فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) لي (مَا يُعْجِلُكَ) بضم الياء؛ أي أي شيءٍ يَجْعَلُك عاجلًا، وما سببُ إسراعك؟ (قَلْتُ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ) أي حديث بناء بامرأةٍ، وجديد التَّزوج، وطابق الجواب السُّؤال بلازمه، وهو الحدَاثة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ) بنصب فبكرًا بقوله تزوَّجت (أَمْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا، قَلْتُ بَلْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا) وفي بعض الأصول بزيادة لا، وعليه شرح صاحب «المصابيح» ، ثمَّ قال فإن قلت قول جابر رضي الله عنه لا بل ثيبًا، ما وجهه، ولم يتقدَّم له شيء يضرب عنه؟ وأجاب بأنَّ معناه لِمَ لا تزوَّجتَ بِكْرًا، وأضرب عنه، وزاد لا توكيدًا لتقرير ما قبلها من النَّفي، فقال لا بل ثيبًا. انتهى.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَهَلاَّ) تزوَّجت (جَارِيَةً) بكرًا(تُلاَعِبُهَا
ج 23 ص 56
وَتُلاَعِبُكَ، قَالَ)أي جابر رضي الله عنه (فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ) المدينة (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا؛ أَيْ عِشَاءً) هذا التَّفسير في نفس الخبر، وفيه إشارة إلى الجمع بين هذا الأمر بالدُّخول ليلًا، والنَّهي عن الطُّرُوق ليلًا بأن المراد بالأمر الدُّخول في أوَّل الليل، وبالنَّهي الدُّخول في أثنائه، وقد تقدَّم في أواخر أبواب العمرة في طريق الجَمْع بينهما أنَّ الأمرَ بالدُّخول ليلًا لمن عَلِمَ أهلُه بقدومه فاستعدُّوا له، والنَّهي عنه لِمَن لم يفعلْ ذلك.
(لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ) بالمثلثة؛ أي المنتشرةُ الشَّعر المغبرة الرَّأس (وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة؛ أي التي غابَ عنها زوجها، والاستحدادُ استعمالُ الحديدة في شعر العانة، وهو إزالته بالمُوْسَى هذا في حقِّ الرِّجال، وأمَّا النِّساء فلا يستعملنَ إلَّا النَّورة أو غيرها ما يزيل الشَّعر.
(قَالَ) أي هُشيم أشار إليه الإسماعيليُّ، وقال الكرماني الظَّاهر أنَّه البُخاري أو مسدد. قال العيني هو جريٌ على ظاهر اللَّفظ، والمعتمدُ ما قاله الإسماعيليُّ، كما سيجيء، لا يقال هذا روايةٌ عن مجهول؛ لأنَّه إذا ثبت عند الرَّاوي عنه أنَّه ثقة فلا بأسَ بعدم العلم باسمه، وقال الكِرماني إنَّما لم يصرِّح باسمه؛ لأنَّه لعلَّه نسيه، أو لمْ يُحَقِّقْه، وفيه تَأَمُّلٌ.
(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (الثِّقَةُ) قال الإسماعيليُّ كأنَّ البُخاري أشار إلى أنَّ هُشيمًا حمل هذه الزيادة عن شعبة؛ لأنَّه أورد طريق شعبة على إثر حديث هُشيم (أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَيْسَ الْكَيْسَ يَا جَابِرُ؛ يَعْنِي الْوَلَدَ) وفي رواية النَّسائي عن أحمد بن عبد الله بن الحكم، عن محمِّد بن جعفر ولفظه قال فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( إذا دخلتَ فعليك بالكَيْسِ الكَيْس ) )، ثمَّ قوله (( الكَيْسَ الكَيْسَ ) )بالتِّكرار مرَّتين منصوب على الإغراء، والكيس الجماعُ والعقل، والمراد حثَّه على ابتغاء الولد، وقال الخطَّابي الكيس هنا بمعنى الحذر، وقد يكون الكيس بمعنى الرِّفق، وحسن التَّأني، وقال ابنُ الأعرابي الكيس العقل كأنَّه جعل طلب الولد عقلًا، وقال غيره أراد الحذر من العجز عن الجماع، وكأنَّه حثَّ على الجماع، وقد جزمَ ابن حبَّان في «صحيحه» بعد تخريج هذا الحديث
ج 23 ص 57
بأنَّ الكيس الجماع، وتوجيهه ما ذكر، ويؤيِّده قوله في رواية محمد بن إسحاق (( فإذا قدمت فاعْمَل عَمَلًا كَيِّسًا ) ).
وفيه قال جابر رضي الله عنه فدخلنَا حين أمسينا، فقلت للمرأة إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أعملَ عملًا كَيِّسًا، قالت سمعًا وطاعة فدونَك، قال فبتُّ معها حتى أصبحتُ. أخرجَه ابن خُزيمة في «صحيحه» .
قال القاضي عياض فسَّر البُخاري وغيره الكيس بطلبِ الولد والنَّسل، وهو صحيحٌ، ويقال أكيس الرَّجل إذا وُلِدَ له أولاد أكياس. قال صاحب «الأفعال» كاس الرَّجل في عَمَلِه حَذقَ، وكاسَ ولد وَلَدًا كَيْسًا، وقال الكسائيُّ كاسَ الرَّجلُ وُلِدَ له ولدٌ كَيْس. انتهى، وأصل الكَيْسِ العقل كما ذكر الخطَّابي، لكنَّه بمجرده ليس المراد هنا، والشَّاهد لكون الكيس يرادُ به العقل.
قال الشَّاعر
~وَإِنَّمَا الشِّعْرُ لُبُّ الْمَرْءِ يَعْرِضُهُ عَلَى الرِّجَالِ فَإِنْ كَيْسًا وَإِنْ حُمْقًا
فقابله بالحُمْق، وهو ضدُّ العقل.
وفيه حديث (( الكَيِّسُ من دانَ نفسه وعَمِلَ لما بعد الموت، والأحمقُ من أتبع نفسَه هواها ) ). وأمَّا حديث (( كلُّ شيءٍ بقدر حتى العجز والكيس ) )، فالمراد به الفطنة. وفي اللُّغة الكوس، بالسين المهملة والمعجمة الجماع، يقال كاسَ الجاريةَ وكاسَها وكَارَسَها وكاوَسَها مكاوسةً وكواسًا واكْتَاسَها؛ كلُّ ذلك إذا جامَعَها.
ومطابقةُ الحديث للترجمة لا يتأتى أخذُها إلَّا من قوله صلى الله عليه وسلم (( الكَيْسَ الكَيْسَ يا جابر؛ يعني الولد ) )فإنَّ المراد منه كما عرفت الحث على ابتغاء الولد.
وقد أخرجه مسلم أيضًا في النِّكاح وفي الجهاد، وأبو داود في الجهاد، والنَّسائي في عِشْرة النِّساء.