فهرس الكتاب

الصفحة 7825 من 11127

5268 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ) بفتح الفاء وسكون الراء، والمَغْرَاء، بفتح الميم والراء بينهما غين معجمة ساكنة، ممدود، الكندي الكوفي، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بلفظ الفاعل من الإسهار الكوفي الحافظ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْعَسَل) هو في الأصل يذكر ويؤنث (وَالْحَلْوَاءَ) بالهمز والمدِّ، وفي رواية أبي ذرٍّ بالقصر يمدُّ ويُقصر، قاله ابن فارس، وقال الأصمعيُّ هي مقصورة تُكْتَبُ بالياء، ووقعت في رواية علي بن مسهر بالقصر، وفي رواية أبي أسامة بالمدِّ. وعند الثَّعالبي في «فقه اللغة» إنَّ حلوى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم التي كان يحبُّها هي المَجِيْعُ، بالجيم، بوزن عظيم. قال في «القاموس» تمرٌ يُعْجَنُ بلبن.

وقد أفرد هذا القدر من هذا الحديث، كما سيأتي في الأطعمة [خ¦5431] ، وفي الأشربة [خ¦5599] ، وفي غيرهما من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، وهو عنده بتقديم الحلواء على العسل.

ولتقديم كلٍّ منهما على الآخر جهة من جهات التَّقديم، فتقديم العسل؛ لشرفه، ولأنَّه أصل من أصول الحلواء، ولأنَّه مفرد، والحلواء مركَّبة، وتقديم الحلواء؛ لشمولها وتنوعها؛ لأنَّها تُتَّخَذُ من العَسَل ومن غيره، وليس ذلك من عطفِ العام على الخاص، وإنَّما العام الذي يدخلُ الجميع فيه، كذا قال الحافظُ العسقلاني.

وتعقَّبه العيني بأنَّ الظَّاهر أن تشنيعَه على الكِرمانيِّ، حيث قال ذكر العسل بعده للتَّنبيه

ج 23 ص 136

على شرفه، وهو من باب عطف العام على الخاصِّ، لا وجه له؛ لأنَّ الصَّريح من كلامه أنَّه من باب عطف العام على الخاص، كما في قوله تعالى {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ} [الحجر 87] . وقوله وإنَّما العام الذي يدخل فيه الجميع، يردُّ عليه ما قال النَّووي في «شرح مسلم» قال العلماء المراد بالحلواء هنا كلُّ شيءٍ حلو، فكيف يقول وليس ذلك من باب عطف العام على الخاص. قال وهذه مكابرة ظاهرةٌ.

وأمَّا النَّووي فإنَّه صرَّح من باب عطف الخاص على العام، كما في قوله تعالى {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر 4] ، وكلٌّ منهما ذَكَرَ ما يليقُ بالمقام.

(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ) أي من صلاة العصر، كذا في رواية الأكثرين. وخالفهم حمَّاد بن سلمةُ عن هشام بن عروة، فقال (( من الفجر ) ). أخرجه عبد بن حُميد في «تفسيره» عن أبي النُّعمان، عن حماد.

ويساعدُه رواية يزيد بن رومان، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ففيها «وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الصُّبح جلس في مُصلَّاه، وجلس النَّاس حولهُ حتَّى تطلع الشَّمس، ثمَّ يدخل على نسائه امرأة امرأة، يسلِّم عليهنَّ ويدعو لهنَّ، فإذا كان يوم إحداهنَّ كان عندها» ، الحديث. أخرجه ابنُ مردويه.

ويمكن الجَمْعُ بين الرِّوايتين بأنَّ الذي كان وقع في أوَّل النَّهار سلامًا ودعاء محضًا، والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومُحادثة، إلَّا أنَّ المحفوظ في حديث عائشة رضي الله عنها ذِكْر العصر، ورواية حمَّاد شاذَّة.

(دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ) ويروى ، وفي رواية أبي أسامة أي مضى ومشى، ويجيء بمعنى قطع المسافة، ومنه (( فأكون أنا وأمتي أوَّل من يجيزُ ) )أي أوَّل من يقطع مسافة الصِّراط (فَيَدْنُو مِنْهُنَّ) وفي نسخة أي يقرب منهنَّ، والمراد به التَّقبيل والمباشرة من غيرِ جماع، كما في الرِّواية الأخرى (فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) رضي الله عنها (فَاحْتَبَسَ) أي مكثَ وأقام عندها زمانًا، وفي رواية أبي أُسامة (أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ) كلمة (( ما ) )مصدريَّة؛ أي أكثر احتباسه خارجًا

ج 23 ص 137

عن العادة (فَغِرْتُ) أي قالت عائشة رضي الله عنها فغِرْتُ، بكسر الغين المعجمة وسكون الراء وضم التاء، من الغيرة، وهي التي تعرضُ للنِّساء من الضَّرائر (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ) أي عن احتباسهِ الخارج عن العادة عند حفصة، ووقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بيان ذلك، ولفظه «فأنكرتْ عائشة رضي الله عنها احتباسه عند حفصة، فقالت لجويرية _ حبشيَّة يقال لها خضراء _ إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظرِي ما يصنع» .

فإن قيل في الحديث السَّابق أنَّه شرب في بيت زينب، وفي هذا الحديث أنَّه شَرِبَ في بيت حفصة، فهذا ما في «الصحيحين» . وروى ابن مَرْدويه من طريق ابن أبي مُليكة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ شُرْبَ العسل كان عند سودة، وأنَّ عائشة وحفصة رضي الله عنهما هما اللَّتان تواطأتا على وَفْقِ ما في رواية عُبيد بن عمير، وإن اخْتَلَفَتَا في صَاحِبةِ العَسَل.

فالجواب أنَّ طريقَ الجَمْعِ بين هذا الاختلاف الحملُ على التَّعدد فلا يمتنع تعدد السَّبب للأمر الواحد، فإن جنح إلى التَّرجيح فرواية عُبيد بن عُمير أثْبَتُ لموافقة ابن عبَّاس رضي الله عنهما على أنَّ المتظاهرتين حفصة وعائشة رضي الله عنهما على ما تقدَّم في التَّفسير [خ¦4913] ، وفي الطَّلاق [خ¦5191] من جزم عمر رضي الله عنه بذلك.

فلو كانت حفصةُ صاحبةَ العسل لم تقرن في المظاهرة بعائشة، لكن يمكن تعدُّد القصَّة في شرب العسل وتحريمه، واختصاص النُّزول بالقصَّة التي فيها أنَّ عائشة وحفصة رضي الله عنهما هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصَّة التي وقع فيها أن شَرْبَ العَسَلِ عند حفصَة كانت سابقة، ويؤيِّد هذا الحَمْلَ أنَّه لم يقع في طريق هشام بن عروة، التي فيها أنَّ شرب العسل كان عند حفصة، تعرُّضٌ للآية، ولا لِذِكْرِ سَبَبِ النُّزول.

والرَّاجح أيضًا أنَّ صاحبةَ العسل زينبُ لا سودة؛ لأنَّ طريقَ عُبيد بن عمير أثبتُ من طريق ابنِ أبي مُليكة بكثير، ولا جائز أن تَتَّحِدَ بطريقِ هشامِ بن عروة؛ لأنَّ فيها أنَّ سودةَ كانت ممَّن وافقَ

ج 23 ص 138

عائشة رضي الله عنها على قولِها (( أجدُ ريح مَغافير ) ).

ويرجِّحه أيضًا ما مضى في كتاب الهبة عن عائشة رضي الله عنها [خ¦2581] «أنَّ نساءَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كُنَّ حزبين أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأمُّ سلمة والباقيات في حزب» ، فهذا يرجح أنَّ زينبَ هي صاحبة العسل، ولهذا غارت عائشةُ رضي الله عنها منها؛ لكونها من غير حزبها، والله أعلم.

وممَّن جنح إلى التَّرجيح القاضي عياض، ومنه تَلَقَّفَ القُرطبيُّ، وكذا نقله النَّووي عن القاضي عياض وأقره. فقال القاضي عياض رواية عُبيد بن عمير أولى لموافقتها ظاهر كتاب الله؛ لأنَّ فيه وإن تظاهرا عليه، فهما ثنتان لا أكثر.

ولحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه، قال وكأنَّ الأسماء انقلبت على راوي الرِّواية الأخرى. وتعقَّبه الكِرمانيُّ فأجاد، حيث قال متى جوزنا هذا ارتفعَ الوثوق بأكثر الرِّوايات. وقال القرطبيُّ الرِّواية التي فيها أنَّ المتظاهرات عائشة وسودة وصفيَّة ليست بصحيحة؛ لأنَّها مخالفة للتِّلاوة لمجيئها بلفظ خطاب الاثنين، ولو كانت كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث. ثمَّ نقل عن الأَصيلي وغيرِه أنَّ روايةَ عُبيد بن عُمير أصح وأولى.

وما المانع أن تكون قصَّة حفصة سابقة؛ فلمَّا قيل له ما قيل تَرَكَ الشُّرْبَ من غير تصريحٍ بتحريم، ولم ينزلْ في ذلك شيءٌ، ثمَّ لمَّا شَرِبَ في بيت زينب تظاهرتْ عائشة وحفصة رضي الله عنهما على ذلك القول، فحرَّم حينئذٍ العسل فنزلت الآية.

قال وأمَّا ذِكْرُ سودة مع الجزم بالتَّثنية فيمن تظاهرَ منهنَّ فباعتبار أنَّها كانت كالمتابعة لعائشة، ولهذا وهبتْ يومها لها، فإن كان ذلك قَبْلَ الهبة، فلا اعتراضَ بدخوله عليها، وإن كان بعدَه فلا يمنع هبتُها يومَها لعائشة رضي الله عنها أنْ يتَرَدَّدَ إلى سَودة.

وقال الحافظُ العسقلاني لا حاجه إلى الاعتذار عن ذلك، فإن ذِكْرَ سودة إنِّما جاء في قصَّة شرب العسل عند حفصة، ولا تثنية فيه، ولا نزول على ما تقدَّم من الجمع الذي ذكر.

وأمَّا قصَّة العسل

ج 23 ص 139

عند زينب بنت جحش؛ فقد صرَّح فيها بأنَّ عائشة رضي الله عنها قالت «تواطأت أنا وحفصة» . فهو مطابقٌ لما جزم عمر رضي الله عنه من أنَّ المتظاهرتين عائشة وحفصة رضي الله عنهما، وموافقٌ لظاهر الآية، والله تعالى أعلم.

ووقع في «تفسير السُّدي» أنَّ شُرْبَ العسل كان عند أمُّ سلمة رضي الله عنها أخرجه الطَّبري وغيره، وهو مرجوحٌ لإرساله وشذوذهِ.

(فَقِيلَ لِي أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ) أي لحفصة رضي الله عنها امرأة من قومها، قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسم هذه المرأة (عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظة ، وزاد ابن عساكر ، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أُهْدِيَتْ لحفصة عكَّة فيها عسل من الطَّائف» . والعُكَّة، بضم العين المهملة وتشديد الكاف زقٌّ صغير، وقيل آنية السَّمن.

(فَسَقَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ أَمَا وَاللَّهِ) كلمة أَمَا، بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح، ويكثر قبل القسم (لَنَحْتَالَنَّ لَهُ) بفتح اللام للتَّأكيد، من الاحتيال. قال الكِرمانيُّ كيف جاز على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم الاحتيال له صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب هو من مقتضيات الغيرة الطَّبيعية للنِّساء، أو هو صغيرة معفوٌّ عنها مكفرة.

(فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ إِنَّهُ) صلى الله عليه وسلم (سَيَدْنُو) أي سيقرب (مِنْكِ) وفي رواية أبي أسامة (( فذكرتُ ذلك لسودة، وقلت لها إنَّه إذا دخل عليك سيدنو منك ) )، وقد مرَّ بيان المراد من الدُّنو عن قريب (فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي) أي له صلى الله عليه وسلم (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ) وفي رواية حماد بن سلمة (( إذا دخل على إحداكنَّ، فلتأخذْ بأنفها، فإذا قال ما شأنك؟ فقولي ريح المغافير ) )، وقد مرَّ تفسير المغافير قريبًا [خ¦5267] .

(فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ لاَ، فَقُولِي لَهُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ) وسقط في رواية ابن عساكر لفظ (فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ) وفي رواية حماد بن سلمة (( إنَّما هي عُسَيْلَةٌ سَقَتْنِيْها حفصةُ ) ) (فَقُولِي لَهُ جَرَسَتْ) بفتح الجيم والراء والسين المهملة؛ أي رعت.

ج 23 ص 140

وقال الكِرمانيُّ أي أكلت، وقال صاحب «العين» جَرَسَتِ النَّحل بالعَسَل تَجْرُسه جَرْسًا، وهو لَحْسُها إيِّاه (نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ) بضم العين المهملة والفاء وسكون الراء وبالطاء المهملة، من شجر العضا، وقد تقدَّم، وقال ابن قُتيبة هو نبات مرٌّ له ورقةٌ عريضةٌ تفرشُ على الأرض، وله شوكةٌ حجناء، وثمرةٌ بيضاء كالقطنِ مثل زرِّ القميص خبيث الرَّائحة تلحسه النَّحل، وتأكل منه؛ ليحصل منه العسل. وقيل هو الشَّجر الذي صمغه المغافير.

(وَسَأَقُولُ) أنا له (ذَلِكَ) هو إشارة إلى قوله (( أكلتَ المغافير ) ) (وَقُولِي) له (أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ) أي بنت حيي (ذَاكِ) بكسر الكاف، وفي رواية أبي ذرٍّ باللام، وفي رواية أبي أسامة أي قولي الكلام الذي علمته لسودة، وزاد أبو أسامة في روايته (( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتدُّ عليه أن يوجدَ منه الرِّيح ) )أي الغير الطَّيبة، وفي رواية يزيد بن رومان عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( وكان أشدُّ شيءٍ عليه أن يوجدَ منه ريح شيء ) )، وفي رواية حماد بن سلمة (( وكان يكره أن يوجدَ منه ريح كريهة ) )لأنَّه يأتيه الملك، وفي رواية ابن أبي مُليكة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( وكان يعجبه أن يوجدَ منه الرِّيح الطَّيبة ) ).

(قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها حكاية عن قول سودة؛ لمَّا دخل النَّبي صلى الله عليه وسلم عليها (تَقُولُ سَوْدَةُ) أي لي (فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَامَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَى الْبَابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِئَهُ) ضُبِطَ في أكثرِ الرِّوايات بالموحَّدة، من المبادأة وهي بالهمز، وفي بعضها بالنون بغير همز، من المناداة، وأمَّا (( أبادره ) )في رواية أبي أسامة فمن المبادرة، وهي المسارعةُ، ووقع فيها عند الكُشْمِيْهني والأَصيلي وأبي الوقت كالأوَّل بالهمز بدل الرَّاء، وفي رواية ابن عساكر بالنون.

(بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ) من أن أقول له أكلتَ مغافير (فَرَقًا) بفتح الفاء والراء؛ أي خوفًا (مِنْكِ) الخطاب لعائشة رضي الله عنها إلى هنا مقول سودة لعائشة رضي الله عنهما (فَلَمَّا دَنَا) صلى الله عليه وسلم (مِنْهَا) أي من سودة (قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ لاَ، قَالَتْ) له (فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ) أي إيَّاها(مِنْكَ؟

ج 23 ص 141

قَالَ)صلى الله عليه وسلم (سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ) وسقط في رواية عساكر لفظ (فَقَالَتْ) أي سودة (جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ) قالت عائشة رضي الله عنها (فَلَمَّا دَارَ) من الدَّوران (إِلَيَّ) بتشديد الياء، معناه لمَّا دخل عليها، وكذا في رواية مسلم (قُلْتُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ) أي القول الذي قلت لسودة أن تقول له، وسقط في رواية أبي ذرٍّ (فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ، قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل ما قالتْ سودةُ. فإن قيل لم عبر عند إسناد القول إلى صفيَّة مثل ذلك، وعند إسناد القول إلى عائشة نحو ذلك؟ فالجواب أنَّ عائشة رضي الله عنها لما كانت المبتكرة لذلك الأمر عبَّرت عنه بأي لفظ سنح [1] ببالها حينئذٍ، فلهذا قالت نحو ذلك، وأمَّا صفيَّة فإنَّها كانت مأمورة به، وليس لها فيه تصرُّف، إذ لو تصرفت فيه لخشيت من غضب الآمرة لها، فلهذا عبَّرت عنه بلفظ مثل.

قال الحافظُ العسقلاني هذا الذي ظهر لي في الفرق أولًا، ثمَّ راجعت مساق [2] أبي أسامة فوجدته عبر بالمثل في الموضعين، فغلب عليَّ الظَّن أن تغيير ذلك من تصرُّف الرُّواة. وتعقَّبه العيني بأنَّه لم يذكر جوابًا يشفي الغليل، ويروي العليل، فإذا عُلِمَ الفرقُ بين النَّحو والمثل عُلِمَتِ النُّكتة فيه، فالنَّحو في اللُّغة عبارة عن القصد يقال نحوتُ نحوكَ؛ أي قصدت قصدَك، ومثل الشَّيء شبَهه ومماثل له، ثمَّ إنَّهم يستعملون النَّحو بمعنى المثل إذا كان لهم قصدٌ كلِّي في بيان المماثلة، بخلاف لفظة المثل، فإن فيها مجرَّد بيان المماثلة مع قطع النَّظر عن غيرها، ولمَّا كانت عائشة رضي الله عنها قاصدة بالقصد الكلي تبليغَ هذه الكلمة أعني جَرَستْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، قالت نحو ذلك، بخلاف صفية فإنَّها لم تقصد ذلك أصلًا، ولكنها قالته للامتثال.

ولا ينبغي أن يظنَّ في الرُّواة التَّغييرَ بالظَّن الفاسد، فأقل الأمر فيه أن يقال هذا من باب التَّفنن، فإن فيه الرَّونق للكلام فتَبَصَّرْ.

(فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ) في اليوم الآخر (قَالَتْ) له(يَا رَسُولَ اللَّهِ،

ج 23 ص 142

أَلاَ)بالتَّخفيف (أَسْقِيكَ مِنْهُ) أي من العسل (قَالَ لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ) كأنَّه اجتنبه؛ لما وقع عنده من توارد النِّسوة الثَّلاث على أنَّه نشأت له من شربه له ريح منكرة، فتركه حسمًا للمادة (قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (تَقُولُ سَوْدَةُ) زاد أبو أسامة في روايته (( سبحان الله ) ) (وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ) بتخفيف الراء المفتوحة؛ أي منعناه، من حَرَم يَحْرِم، من باب ضَرَبَ يَضْرِب، يقال حَرَمَه الشَّيءَ يَحْرِمُه حَرِمًا، بالكسر، وحِرْمَة كذلك، وحَرِيمة وحِرْمَانًا إذا منعه، وأمَّا حَرُم الشَّيء، بالضم، فمصدره حُرْمة، بالضم.

قالت عائشة رضي الله عنها (قَلْتُ لَهَا) أي لسودة (اسْكُتِي) كأنَّها خشيت أن يفشو ذلك، فيظهر ما دبَّرته من كيدها لحفصة رضي الله عنها.

وفي الحديث فوائد

منها أنَّ الغيرةَ مجبولةٌ في النِّساء؛ فالغيرى تُعْذَرُ فيما يَقَعُ منها من الاحتيال في دَفْعِ ضَرَرِ الضَّرَّة.

ومنها ما فيه من بيان علوِّ مرتبة عائشة رضي الله عنها عند النِّبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت ضرَّتُها تهابها وتطيعها في كلِّ شيءٍ تأمرها به، حتى في مثل هذه القضيَّة مع الزَّوج الذي هو أرفع النَّاس قدرًا.

ومنها أنَّ عماد القسم اللَّيل، وأنَّ النَّهار يجوز فيه الاجتماع بالجميع بشرط ترك المجامعة إلَّا مع صاحبة النَّوبة.

ومنها أنَّ الأدبَ استعمالُ الكنايات فيما يستحيى من ذكره، كما في قوله في الحديث (( فيدنو منهنَّ ) )والمراد التَّقبيل والتَّحضين، لا مجرَّد الدُّنو.

ومنها أنَّ فيه فضيلة العسل والحلواء؛ لمحبة النَّبي صلى الله عليه وسلم إيَّاهما.

ومنها أنَّ فيه بيانَ صَبْرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غاية ما يكون، ونهاية حلمه وكرمه الواسع.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه منع النَّبي صلى الله عليه وسلم نفسه عن شرب العسل، يفهم ذلك من قوله (( لا حاجة لي فيه ) )، ويؤيِّد هذا زيادة هشام في روايته في الحديث السَّابق (( وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا ) )فنزلت {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم 1] ، كما سبق الإشارة إليه فيما تقدَّم.

وقال القاضي اختُلِفَ

ج 23 ص 143

في سَبَبِ نزول هذه الآية فقالت عائشة رضي الله عنها في قصَّة العسل. وعن زيد بن أسلم أنَّها نزلت في تحريم مارية جاريته، وحلفه أنَّه لا يَطأها، والصَّحيح أنَّه في قصَّة العسل لا في قصَّة مارية المروي في غير «الصَّحيحين» ، وقال النَّووي ولم تأت قصَّة مارية من طُرُقٍ صحيحة. وقال النَّسائي حديثُ عائشة رضي الله عنها في العَسَلِ حديثٌ صحيحٌ غاية، والله وتعالى أعلم.

[1] في هامش الأصل في نسخة سنح.

[2] في هامش الأصل في نسخة سياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت