فهرس الكتاب

الصفحة 7829 من 11127

5269 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيدي، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائي، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة (عَنْ زُرَارَةَ) بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى (ابْنِ أَوْفَى) على وزن أفعل، من الوفاء العامري، قاضي الكوفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) بالنَّصب على المفعولية. وذكر المطرزي عن أهل اللُّغة أنَّهم يقولونه بالضم، يريدون بغير اختيارها. وقال العينيُّ قوله بالضم، ليس بجيدٍ، بل الصَّواب بالرَّفع، ولا تعلُّق له بأهل اللُّغة، بل الكُل سائغ في اللُّغة، حدَّثتُ نفسي بكذا، وحدَّثتني نفسي بكذا.

(مَا لَمْ تَعْمَلْ) أي في العمليات (أَوْ تَتَكَلَّمْ) في القوليات. قال الكرمانيُّ فإن قلت قالوا من عزم على ترك واجب، أو فعل محرَّم، ولو بعد عشر سنين مثلًا عصى في الحال.

وأجاب بأنَّ المراد بحديث النَّفس ما لم يبلغْ إلى حدِّ الجزم، ولم يستقر أمَّا إذا عقدَ قلبه به، واستقرَّ عليه فهو مؤاخذٌ بذلك الجزم. نعم، لو نفى ذلك الخاطر ولم يتركه يستقر لا يؤاخذ به، بل يكتب له به حسنة. وفيه إشارة إلى أنَّ هذا من خصائص هذه الأمَّة، وأنَّ الأمم المتقدِّمة كانوا يؤاخذون بذلك، وقد اختلف أيضًا هل كان ذلك يؤاخذُ به في أوَّل الإسلام، ثمَّ نسخ وخفَّف ذلك عنهم، أو هو تخصيصٌ، وليس بنسخٍ، وذلك قوله تعالى

ج 23 ص 171

{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة 284] فقد قال غيرٌ واحدٍ من الصَّحابة منهم أبو هريرة وابن عبَّاس رضي الله عنهم أنَّها منسوخة بقوله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286] .

واعلم أنَّ المرادَ بالكلام كلامُ اللِّسان؛ لأنَّه الكلامُ حقيقةً. وقولُ ابن العربي المراد به الكلامُ النَّفسي وإنَّ القولَ الحقيقيَّ هو الموجودُ بالقلب الموافق للعلم، مردودٌ عليه، وإنِّما قاله تعصبًا لما حُكِيَ عن مذهبه من وقوع الطَّلاق بالعزم، وإن لم يتلفَّظ، وليس لأحد خلاف في أنَّه إذا نوى الطَّلاق بقلبه، ولم يتلفظ به أنَّه لا شيءَ عليه، إلَّا ما حكاه الخطَّابي عن الزُّهري ومالك أنَّه يقع بالعزم، وحكاه ابنُ العربي عن رواية أشهب عن مالك في الطَّلاق والعتق والنُّذر أنَّه يكفي فيه عزمه وجزمه في قلبه بكلامه النَّفسي، وهذا في غاية البعد.

ونقضه الخطَّابي على قائله بالظِّهار وغيره، فإنَّهم أجمعوا على أنَّه لو عزمَ على الظِّهار لم يلزمه حتَّى يتلفَّظ به، ولو حدَّث نفسه بالقذف لم يكن قذفًا، ولو حدَّث نفسه في الصَّلاة لم يكن عليه إعادة، وقد حرَّم الله الكلام في الصَّلاة، فلو كان حديث النَّفس في معنى الكلام؛ لكانت صلاتُه تبطل. وقد قال عمر رضي الله عنه «إنِّي لأجهز جيشي وأنا في الصَّلاة» .

وممَّن قال إنَّ طلاق النَّفس لا يؤثر عطاء بنُ أبي رباح وابن سيرين والحسن وسعيد بن جُبير والشَّعبي وجابر بن زيد وقتادة والثَّوري وأبو حنيفة وأصحابه، والشَّافعي وأحمد وإسحاق. واستدَّل به جماعة أنَّه إذا كتب الطَّلاق وقع؛ لأنَّ الكتابة عمل، وهو محمدُ بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وشرطَ فيه مالك الإشهاد على الكتابة، وجعله الشَّافعي طلاقًا إن نوى به الطَّلاق، وإلَّا فلا.

وفي «المحيط» إذا كتب طلاق امرأته في كتاب، أو لوح، أو على حائط، أو أرض، وكان مستبينًا، ونوى به الطَّلاق يقع، وإن لم يكن مستبينًا، أو كتب في الهواء أو الماء لم يقعْ وإن نوى.

ج 23 ص 172

ومطابقة الحديث للتَّرجمة يمكن أن تُؤخذ من قوله في التَّرجمة وما لا يجوز من إقرار الموسوس، إذ الوسوسةُ من أحاديثِ النَّفْسِ، فإذا تَجَاوزَ الله عن عَبْدِه ما حدَّثتُ به نفسه يدخلُ فيه طلاق المُوَسْوِس أنَّه لا يقع.

وقد مضى الحديث في العتق، في باب الخطأ والنِّسيان في العتاقة والطَّلاق [خ¦2528] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت