5283 - (حَدَّثَنا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام البِيْكَندي البُخاري، ويحتمل أن يكون محمَّد بن بشَّار، أو محمَّد بن المثنى؛ فإنَّهما من شيوخ البُخاري أيضًا، فإنَّ النَّسائي أخرجه من محمد بن بشار، وابن ماجه من محمد بن المثنى، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو ابنُ عبد المجيد الثَّقفي، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ) يترضَّاها لتختاره (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبَّاسٍ) هو ابنُ عبد المطلب، عم النَّبي صلى الله عليه وسلم، ووالد راوي الحديث. قيل [1] هذا يدلُّ على أنَّ قصَّة بريرة كانت متأخِّرة في السَّنة التَّاسعة أو العاشرة؛ لأنَّ العبَّاسَ رضي الله عنه إنَّما سكن المدينةَ بعد رجوعهم من غزوة الطَّائف، وكان ذلك في أواخر سنة ثمان.
ويؤيِّد هذا قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أنَّه شاهد ذلك، وهو إنَّما قدم المدينة مع أبويه، وهذا يردُّ قولَ من زعم أنَّها كانت قبل الإفك، والذي حمل ذلك القائل على هذا وقوع ذِكْرِها في حديثِ الإفك.
(يَا عَبَّاسُ أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيْثًا) ومحل التَّعجب هو أنَّ الغالب في العادة أنَّ المحبَّ لا يكون إلَّا حبيبًا، وبالعكس. وعند سعيد بن منصور أنَّ العبَّاسَ كان كلم النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يطلبَ إليها في ذلك. وفي «مسند» الإمام أحمد أنَّ مغيثًا توسَّل العبَّاس في سؤال النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي لبريرة (لَوْ رَاجَعْتِهِ) كذا وقع في الأصول بكسر المثناة الفوقية بعدها ضمير. ووقع في رواية ابن ماجه
ج 23 ص 202
(( لو راجعتيه ) )بإثبات الياء التَّحتية بعد التاء، وهي لغة ضعيفةٌ، قاله الحافظُ العسقلاني. وتعقَّبه العيني بأنَّه إن صحَّ هذا في الرِّواية فهي لغة فصيحةٌ؛ لأنَّه من أفصح الخلق، وزاد ابن ماجه في روايته (( فإنَّه أبو وَلَدَكِ ) )وظاهرُه أنَّه كان له منها ولد.
(فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي) بذلك (قَالَ) لا، وفي رواية الإسماعيلي زيادة (( لا ) ) (إِنَّمَا أَشْفَعُ) فيه. وقيل [2] في ذلك إشعار بأنَّ صيغة الأمر لا تنحصر في لفظ افعل؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم خاطبها بقوله (( لو راجعِته ) )فقالت تأمرني؛ أي أتريد بهذا القول الأمر، فيجبُ علي؟ وتعقَّبه العيني بأنَّ الأمر هو قول القائل افعل، وإنَّما معنى قولها أتأمرني، أشيءٌ وجب علي؟ كما وقع هذا في مرسل ابن سيرين فقالت يا رسول الله، أشيءٌ وجبَ علي؟ قال (( لا، إنَّما أنا شافع ) )أي أقول لك على سبيل الشَّفاعة له، لا على سبيل الحتمِ عليك.
(قَالَتْ لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ) أي إذا لم يجب عليَّ ذلك، فلا أختار العود إليه. وقد وقع في الباب الذي بعده لو أعطاني كذا وكذا ما كنت عنده.
وفي الحديث فوائد
منها استشفاع الإمام والعالم والخليفة في حوائج الرَّعية، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( اشفعوا تُؤجروا ويقضِي الله على لسان نبيه ما شاء ) )والسَّاعي فيه مأجورٌ وإن لم يَقْضِ الحاجةَ. ومنها أنَّه لا حرج على الإمام أو الحاكم إذا ثبتَ الحقُّ على أحد الخصمين إذا سأله الذي عليه الحقَّ أنَّ يسأل من الذي ثبتَ له تأخير حقِّه، أو وضعه عنه.
ومنها أنَّ من يُسْأَل من الأمور ممَّن هو غيرُ واجبٍ عليه فِعْلُه فله ردُّ سائله، وترك قضاء حاجته، وإن كان الشَّفيع سلطانًا، أو عالمًا، أو شريفًا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على بريرة ردَّها إيَّاه فيما شفع فيه.
ومنها أنَّ بغض الرَّجل للرَّجل المسلم لا على وجه العداوة له، ولكن لاختيار البُعد عنه؛ لسوء خلقه وخُبث عشرته، أو لأجل شيءٍ يكرهه النَّاس جائز، كما في قصَّة امرأة ثابت بن قيس؛ فإنَّها أبغضته مع مكانه من الدِّين والخلق لغير بأس لأجل دَمامته حتى افتدت منه.
ومنها أنَّه لا حرجَ على مُسْلِمٍ في هوى امرأة مسلمة،
ج 23 ص 203
وحبِّه لها ظهر ذلك، أو خفيَ، ولا إثمَ عليه في ذلك، وإن أفرطَ ما لم يأت محرَّمًا، ولم يغش إثمًا، وقد أطنبَ الحافظُ العسقلاني الكلام في فوائد قصَّة بريرة إطنابًا يضيقُ عنها نطاق الذِّكر والبيان.
[1] في هامش الأصل عسقلاني.
[2] في هامش الأصل عسقلاني.