فهرس الكتاب

الصفحة 7863 من 11127

5295 - (وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ) هو عبدُ العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عَمرو بن أويس، العامري المديني، شيخ المؤلَّف، وقد مرَّ في العلم [خ¦99] ، ونِسْبَتُه إلى أحدِ أجداده أويس (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، القرشي (عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ) ابن أنس بن مالك (عَنْ) جدِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ عَدَا) بالمهملتين؛ أي تعدى (يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي في زمنه وأيامه (عَلَى جَارِيَةٍ) لم تُسَمَّ (فَأَخَذَ أَوْضَاحًا) بفتح الهمزة، جمع وَضَح، بالضاد المعجمة والحاء المهملة، وهو نوعٌ من الحلي يُعْمَلُ من الفضَّة؛ سمِّيت بها لوضوحها.

وقال الكِرمانيُّ الأوضاح الحلي من الدَّراهم الصِّحاح، سمِّيت بذلك لوضوحها وبياضها وصفائها، وقيل ومنه أنَّه أُمِرَ بصيام الأواضح وهي أيام البيض، وفي حديث آخر (( صومُوا من وَضَحٍ إلى وَضَحٍ ) )أي من الضَّوء إلى الضَّوء، وقيل من الهلال إلى الهلال، وهو الوجه؛ لأنَّ سياقَ الحديث يدلُّ عليه، وتمامه (( فإن خَفِيَ عليكم فأتمُّوا العدَّة ثلاثين يومًا ) )، والأواضح جمع واضحة؛ لأنَّ أصله وواضح، قُلِبَتِ الواو الأولى همزة.

(كَانَتْ عَلَيْهَا) جملة وقعتْ صفةً لأوضاح (وَرَضَخَ) بالمعجمتين، من الرَّضخ، وهو الدَّق والكَسْر هاهنا، ويجيء بمعنى الشَّدخ والعطية (رَأْسَهَا، فَأَتَى بِهَا) أي بالجارية (أَهْلُهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْيَ) أي والحال أنَّها (فِي آخِرِ رَمَقٍ [1] ) أي نَفَسٍ، وزنًا ومعنى (وَقَدْ أُصْمِتَتْ) على البناء للفاعل

ج 23 ص 248

أو للمفعول، يقال صَمَتَ العليلُ وأُصْمِتَ فهو صامتٌ ومُصْمَتٌ إذا اعتقل لسانه وسكت، والصَّموت والإصمات بمعنى (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلاَنٌ) أي أفلانٌ الهمزة فيه مُقَدَّرة، ويُروى كذلك (لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لاَ) أي ليس قتلني فلان، وكلمة (( أن ) )تفسيرية في المواضع الثَّلاثة.

(قَالَ فَفُلَانٌ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره بدون الفاء (لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ) برأسها (أَنْ لاَ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَفُلاَنٌ لِقَاتِلِهَا، فَأَشَارَتْ) برأسها (أَنْ نَعَمْ) قتلني هو (فَأَمَرَ بِهِ) أي باليهودي (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُضِخَ رَأْسُهُ) على البناء للمفعول (بَيْنَ حَجَرَيْنِ) .

وقد اختلفت ألفاظُ هذا الحديثِ هنا فروي (( رضَّ رأسه بين حجرين ) )، وكذا في رواية لمسلم.

وفي روايةٍ لأبي داود عن أنس رضي الله عنه (( أنَّ يهوديًا قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثمَّ ألقاها في قليبٍ ورضخ رأسها بالحجارةِ، فأُخِذَ فأُتِيَ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأُمِرَ به أن يُرْجَم حتَّى يموت، فرُجِمَ حتَّى مات ) ).

واستدلَّ بهذا الحديث جماعةٌ على أنَّ القاتلَ يُقتلُ بما قَتَلَ به، وهُم عُمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن وابنُ سيرين ومالك والشَّافعي وأحمد وأبو إسحاق وأبو ثَور وابن المنذر وجماعة الظَّاهرية، وخالفهم آخرون وقالوا كلُّ من وَجَبَ عليه القَوَدُ لم يُقْتَلْ إلَّا بالسَّيف، وهُم الشَّعبي والنَّخعي والحسن البصري وسفيان الثَّوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وقال ابنُ حزم وهو قول أبي سليمان، واحتجُّوا في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا قَوَدَ إلَّا بالسَّيف ) )، رُوِي هذا عن خمسةٍ من الصَّحابة وهم أبو بكرة والنَّعمان بن بشير وابن مسعود وأبو هريرة رضي الله عنهم، أمَّا حديث أبي بكرة رضي الله عنه، فرواه ابنُ ماجه من حديث الحَسَنِ، عن أبي بكرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال (( لا قَوَدَ إلَّا بالسَّيف ) )، وأمَّا حديث النَّعمان فأخرجه ابن ماجه

ج 23 ص 249

أيضًا عن جابر الجُعفي، عن أبي عَازِبٍ، عن النُّعمانِ بنِ بَشير رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا قودَ إلَّا بالسَّيف ) ).

وأمَّا حديث ابن مسعود، فأخرجه الطَّبراني في «معجمه» من حديث علقمة عنه مرفوعًا نحوه.

وأمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فأخرجه الدَّارقطني في «سننه» من حديث سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، وأمَّا حديث عليٍّ رضي الله عنه، فأخرجه الدَّارقطني أيضًا من حديث عاصم بن ضَمرة، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا قَوَدَ في النَّفس وغيرِها إلَّا بحديدة ) ). فإن قيل قال البزَّار في حديث أبي بكرة بعد أن أخرجه النَّاس يروونه عن الحسن مرسلًا.

فالجواب أنَّه تابعه الوليدُ بن صالح بن محمد الأيلي، عن مُبارك، عن فَضَالة، عن الحسن، عن أبي بكرة مرفوعًا، فإن قيل رواه ابن عدي في «الكامل» وأعلَّه بالوليد، وقال أحاديثُه غيرُ محفوظةٍ، وقال البيهقي والمبارك بن فَضَالة لا يحتج به؟

فالجواب أنَّه أخرج له ابنُ حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مستدركه» ، ووثَّقه، والمرسل الذي أشار إليه البزَّار رواه أحمد في «مسنده» مرفوعًا حدَّثنا هُشيم حدَّثنا أشعث، عن عبد الملك، عن الحسن مرفوعًا (( لا قود إلَّا بحديدة ) )، وكذلك أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» حدَّثنا عيسى بن يونس، عن أشعث وعَمرو، عن الحسن مرفوعًا نحوه.

فإن قيل في حديث النُّعمان عن جابر الجُعفي، وهو ضعيفٌ، وقال ابنُ الجوزي اتَّفقوا على ضَعْفِه، قاله في «التَّنقيح» . فالجواب أنَّه يُعْجَبُ منه، فإنَّه قال في غيره وجابر الجعفي قد وثَّقه الثَّوريُّ وشعبة، وناهيك بهما، فكيف يقول هذا، ثمَّ يحكي الاتفاق على ضَعْفه، هذا تناقضٌ بين، وأبو عازب اسمه مسلم بن عَمرو.

فإن قيل في سند حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه عبد الكريم بن أبي المُخارق، وهو ضعيفٌ.

فالجواب أنَّ حديثَه قد يقوى بغيره، فإن قيل في سند حديث أبي هريرة سليمان بن أرقم، وهو متروكٌ. فالجواب أنَّ المتروكَ قد يُسْتَعملُ عند وجود المقبول، وقد يُسْكَتُ عنه؛ لحصول المقصود بغيره، ولا شكَّ أنَّ بعضَ هذه الأحاديث يشهدُ لبعض، وأقلُّ أحواله

ج 23 ص 250

أن يكون حسنًا فيصحُّ الاحتجاج به.

قال العينيُّ والعَجَبُ من الكِرمانيِّ، حيث يقول وفيه؛ أي وفي حديث الباب ثبوت القصاص بالمثْلِ خلافًا للحنفيَّة، فلِمَ لا يقول في هذه الأحاديث (( لا قودَ إلَّا بالسَّيف ) )خلافًا للشَّافعية؟

وأعجبُ منه قول صاحب «التَّوضيح» حيثُ يقول وهو حجَّة على أبي حنيفة في قوله لا يقاد إلَّا بالسَّيف، فما معنى تخصيص أبي حنيفة من بين الجماعة الذين قالوا بقوله، وهم الشَّعبي والحسن البصري وإبراهيم النَّخعي وسفيان الثَّوري، وهؤلاء أساطين في أمور الدِّين؟ ولكن هذا من نبض عرق العصبيَّة الباردة. وأجاب أصحاب أبي حنيفة عن حديث الباب بأجوبة

الأوَّل أنَّه كان في ابتداءِ الإسلام، وكان يقتلُ القاتل بقولِ المقتول، وقوله كان يقبل فيه.

الثَّاني ما قتله النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلَّا باعترافهِ؛ فإنَّ لفظَ الاعترافِ أخْرَجَه البُخاريُّ وأبو داود والتِّرمذي. وفي «صحيح مسلم» «فأُخِذَ اليهوديُّ فاعترفَ» . وفي لفظ للبُخاري (( فلم يزل به حتَّى أقر ) ).

الثَّالث أنَّه صلى الله عليه وسلم عَلَّمه بالوحي، فلذلك لم يحتجْ إلى البينة، ولا إلى الإقرار.

الرَّابع ما قاله الطَّحاوي أنَّه يحتمل أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم رأى أنَّ ذلك القاتل يجبُ قَتْلُه لله، فإذا كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جَعَلَ دم ذلك اليهوديِّ قد وَجَبَ لله عزَّ وجلَّ، كما يجبُ دمُ قاطعِ الطَّريق لله تعالى، فكان له أن يَقْتُلَه كيف شاء بسيف، أو غير ذلك.

الخامس إنَّما كان هذا في زمنٍ كانت المثلة مُباحةً، كما في العرنيين، ثمَّ نُسِخَ ذلك بانتساخ المُثْلَة.

[1] في هامش الأصل وهو بقية الروح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت