5364 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيد القطان (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عُروة بن الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه
ج 23 ص 378
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ) كذا بغير صرف في هند في الفرع. وقال الحافظُ العسقلاني في هذه الرِّواية (( هندًا ) )بالصَّرف، وفي اليونينيَّة بالوجهين. وفي رواية الزُّهري عن عُروة في المظالم [خ¦2460] بغير صرف، وقد علم أنَّ ساكن الوسط يجوز فيه الأمران الصَّرف وتركه، كما في هند ودعد ونحوهما.
قال وكانت هند لما قُتِلَ أبوها عتبة وعمُّها شيبة وأخوها الوليد يوم بدر شقَّ عليها، فلمَّا كان يوم أحد، وقُتِلَ حمزةُ رضي الله عنه فرحت بذلك، وعمدت إلى بطنه فشقَّتها، وأخذت كَبِدَه فلاكتها، ثمَّ لفظتها، فلمَّا كان يوم الفتح ودخل أبو سفيان مكَّة مسلمًا غضبت هند لأجل إسلامه، وأخذت بلحيته، ثمَّ إنَّها بعد استقراره صلى الله عليه وسلم أسلمت وبايعت.
ثمَّ (قَالَتْ) إذ ذاك (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ) أي بخيلٌ مع الحرص، فالشُّح أعمُّ من البُخل، لأنَّ البخلَ يختصُّ بمنع المال والشُّحَ بكلِّ شيءٍ، وقيل الشُّحُّ لازمٌ كالطَّبع والبُخلُ غيرُ لازم، وفي الرِّواية المتقدِّمة (( رجل مِسِّيك ) ) (وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي) من النَّفقة (إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهْوَ) أي والحال أنَّه (لاَ يَعْلَمُ، فَقَالَ) النَّبي صلى الله عليه وسلم (خُذِي) من ماله (مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) يجوز أن تَتَعَلَّقَ الباءُ بالكفاية وبقوله (( خذي ) ). فافهم.
وقد احتجَّ بهذا الحديث من قال يلزمه نفقةُ ولده وإن كان كبيرًا، وردَّ بأنَّها واقعةُ عينٍ، ولا عموم في الأفعال، ولعلَّ الولد فيه كان صغيرًا أو كبيرًا زمنًا عاجزًا عن الكسب، وبعض المالكيَّة قالوا يلزمه إذا كان زمنًا مطلقًا وفي الحديث أنَّ وصف الإنسان بما فيه من النَّقص على وجه التَّظلم منه والصَّيرورة إلى طلب الانتصاف من حق عليه جائز وليس بغيبة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُنكر عليها قولها.
واستدلَّ بعض الشَّافعيَّة على الحنفيَّة في منعهم القضاء
ج 23 ص 379
على الغائب بقضية هند؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قضى على زوجها، وهو غائبٌ، قالت الحنفيَّة هذا ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ هذه القضيَّة كانت بمكَّة، وكان أبو سفيان حاضرًا، ففي «طبقات ابن سعد» بسند رجاله رجال الصَّحيح من مرسل الشَّعبي أنَّ النِّساء حين بايَعْنَ قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( تبايعنَ على أنَّ لا تشركنَ بالله شيئًا ) )فقالت هند إنَّا لقائلوها، (( ولا تسرقنَ ) )فقالت هند كنتُ أصبتُ من مال أبي سفيان، قال أبو سفيان فما أصبت من مالي فهو حلالٌ لك، قال (( ولا تزنينَ ) )فقالت هند وهل تزني الحرَّة؟ (( ولا تقتلْنَ أولادكنَّ ) )فقالت هند أنت قتلتهم. وهذا صريحٌ في أنَّه كان معها في المجلس، فليُتَأَمَّل.
وقد اختلف العُلماء في مقدار ما يفرض السُّلطان للزَّوجة على زوجها. فقال مالك يفرضُ لها بقدرِ كفايتها في اليُسر والعُسر، ويعتبرُ حالها من حاله، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وليست مقدَّرة، وقال الشَّافعي مقدَّرةٌ باجتهاد الحاكم فيها، وهي تعتبر بحاله دون حالها، فمن كان موسرًا فمدَّان كل يوم، وإن كان متوسِّطًا فمدٌّ ونصف، ومن كان معسرًا فمدٌّ، فيجب لبنت الخليفة ما يجبُ لبنت الحارس، قيل وفي الحديث أيضًا أنَّ القولَ في قبض النَّفقة قولُ الزَّوجة؛ لأنَّه لو كان القول قوله لكُلِّفتْ هند البيِّنة على إثبات عدم الكفاية. وأجاب المازري بأنَّه من باب الفتيا لا القضاء، وقد تقدَّم.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.