فهرس الكتاب

الصفحة 8010 من 11127

5393 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبدي الملقَّب ببُندار، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ)

ج 23 ص 428

أي ابن عبد الوارث بن سعيد التَّنوري، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ) بالقاف والدال المهملة (ابْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عُمر رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (لاَ يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى) بضم التحتية وفتح الفوقيَّة على البناء للمفعول (بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا) هو أبو نهيك، كما أخرجه البُخاري من وجه آخر في هذا الباب (يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ) أي ابن عُمر رضي الله عنهما (يا نَافِعُ، لاَ تُدْخِلْ) بضم التاء، من الإدخال (هَذَا عَلَيَّ) بتشديد الياء، وإنَّما قال ذلك لما فيه من الاتِّصاف بصفة الكافر، وهي كثرة الأكل، ونفس المؤمن تنفر ممَّن هو متَّصف بصفة الكافر، وممَّا يؤيد أنَّ كثرةَ الأكل صفةُ الكافر قوله تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} [محمد 12] ثمَّ استدل لذلك بقوله

(سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) واختُلِفَ المرادُ بهذا الحديث، فقيل هو مثل ضُرِبَ للمؤمن وزهده في الدُّنيا، وللكافر وحرصه عليها، وقيل هو تحضيضٌ للمؤمن على أن يتحامى ما يجره كثرة الأكل من القسوة والنَّوم، ووصف الكافر بكثرة الأكل ليتجنب ما هو صفة للكافر، كما قال عزَّ وجلَّ {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ} [محمد 12] الآية، مع أنَّ قِلَّة الأكل من محاسن الأخلاق، فيكون تخصيصُ السَّبعة للمبالغة والتَّكثير، كما في قوله تعالى {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} [لقمان 27] .

فالمراد [1] أنَّ المؤمنَ يقل حرصه وشرهُه على الطَّعام، ويبارك له في مأكله ومشربه فيشبع بالقليل، والكافر يكون كثيرَ الحرص شديدَ الشَّرَه لا يطمح بصره إلَّا إلى المطاعم والمشاربِ كالأنعام، فمثل ما بينهما من التَّفاوت في الشَّره بما بين من يأكل في مِعَىً واحد، ومن يأكلُ في سبعة أمعاء، وهذا في الغالب الأكثر وإلَّا فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرًا بحسب العادة أو لعارض، ويكون في الكفَّار من يعتاد قلَّة الأكل إمَّا لمراعاة الصِّحة كالأطباء أو للتَّقلل

ج 23 ص 429

كالرُّهبان، أو لضعف المعدة. وقيل يمكن أن يرادَ به أنَّ المؤمنَ يسمِّي الله عزَّ وجلَّ عند طعامه فلا يشركه الشَّيطان، والكافر لا يسمِّي الله عند طعامه. وقيل المراد بالمؤمن التَّام الإيمان لأنَّه من حَسُن إسلامه وكَمُل إيمانه اشتغلَ فكرُه فيما يصل إليه من الموت وما بعده فيمنعه ذلك من استيفاء شهوته، وأمَّا الكافر فمن شأنه الشَّرَه فيأكل بالنَّهم، كما تأكلُ البهيمة، ولا يأكلُ بالمصلحة لقيام المنية.

وقال الطَّحاوي سمعت ابن أبي عمران يقول قد كان قوم حملوا هذا الحديث على الرَّغبة في الدُّنيا كما تقول فلانٌ يأكل الدُّنيا أكلًا؛ أي يرغبُ فيها ويحرصُ عليها، فالمؤمن يأكلُ في مِعَىً واحدٍ لزهادته في الدُّنيا، والكافر في سبعةِ أمعاءٍ؛ أي لرغبتهِ فيها، ولم يحملوا ذلك على الطَّعام قالوا وقد رأينا مؤمنًا أكثر طعامًا من الكفَّار، ولو تأول ذلك على الطَّعام استحال معنى الحديث، وقيل هو رجلٌ خاصٌّ بعينه وكان كافرًا ثمَّ أسلم، وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك، واختلفوا في هذا الرَّجل، فقيل ثمامة بن أثال، وبه جزم الماذري والنَّووي، وقيل جهجاه الغفاري، وقيل نَضْلة بن عَمرو الغفاري، وقيل أبو بصرة الغفاري، وقيل ابنه بَصْرة بن أبي بصرة، وقيل أبو غزوان غير مسمَّى.

وروى الطَّبراني بإسناد صحيحٍ من رواية أبي عبد الرَّحمن الجبلي عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما، قال جاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم سبعةُ رجالٍ فأخذ كلُّ رجلٍ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلًا فأخذ النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلًا فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما اسمك؟ ) )قال أبو غزوان، فحلب له النَّبي صلى الله عليه وسلم سبعَ شياهٍ فشرب لبنها كلَّها، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (( هل لك يا أبا غزوان أن تسلم؟ ) )قال نعم فأسلم، فمسح النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم صدره، فلمَّا أصبحَ حلب له النَّبي صلى الله عليه وسلم شاةً واحدةً فلم يتم لبنها، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما لك يا أبا غزوان؟ ) )

ج 23 ص 430

فقال والذي بعثك بالحقِّ لقد رويت فقال (( إنَّك أمس كان لك سبعة أمعاء وليس لك اليوم إلَّا واحد ) ).

وأبو بَصْرة، بالباء الموحدة وسكون الصاد المهملة، واسمه حُمَيل، بضم الحاء المهملة وفتح الميم مصغرًا، وقال النَّووي يحتمل أن يراد بالسَّبعة الصِّفات السَّبعة في الكافر وهي الحرصُ، والشَّرَه، وطول الأمل، والطَّمع، وسوء الطَّبع، والحسد، وحبُّ السِّمَن، وبالواحد في المؤمن سدُّ خلته.

وقال القرطبي شهوات الطَّعام سبع شهوة الطَّبع، وشهوة النَّفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع، وهي الضَّرورية التي يأكل بها المؤمن، وأمَّا الكافر فيأكل بالجميع.

ومطابقُة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في الأطعمة.

[1] في هامش الأصل قاله القاضي البيضاوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت