5412 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنِديُّ، قال (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابنُ أبي خالد (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازم (عَنْ سَعْدٍ) هو ابنُ أبي وقَّاص، أحد العشرة المبشرة بالجنَّة، ووقع في «التَّوضيح» عن قيس بن سعد عن أبيه، كأنَّه توهمه أنَّه قيس بن سعد بن عبادة، وهو غلطٌ فاحش، وقد وقع في رواية مسلم عن قيس، سمعتُ سعدَ بنَ أبي وقَّاص، أنَّه (قَالَ رَأَيْتُنِي) أي رأيت نفسي (سَابِعَ سَبْعَةٍ) أي من السَّابقين في الإسلام (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أراد به أنَّه كان قديمَ الإسلام، وأنَّه سابعُ من أسلم أولًا، ووقع عند أبي خيثمة (( هؤلاء السَّبعة ) )وهم أبو بكر وعُثمان وعلي وزيد بن حارثة والزُّبير وعبد الرَّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنهم (مَا لَنَا طَعَامٌ) نأكله (إِلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة ثمرة العضاه، وهو شجرٌ له شوك كالطَّلح والعَوْسَج وثمر السَّمر يُشْبِه اللُّوبيا، أو المراد عروق الشَّجر (أَوِ الْحَبَلَةِ) شك من الرَّاوي، والحَبَلة، بفتحتين ورق الكرم. وقال الجوهريُّ وربما تسكنَّ الباء. وقال في «المطالع» الحلبة الكرم، قاله ثعلب، وقيل الحبلة، بفتح المهملة والموحدة وسكونها القضيبُ من الكرم، وفي الحديث (( لا تسمُّوا العنب الكرم ولكن قولوا الحلبة ) )، وأشار به إلى أنَّهم كانوا في ذلك الوقت في قلَّة وضيقِ معيشةٍ ولم يكن طعامُهم إلَّا ورق الحبلة.
(حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ) يريد أنَّ أحدهم كان إذا قضَى حاجته ألقى شيئًا كالبعر الذي تلقيه الشَّاة (ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ) قيل أراد به قبيلةَ عُمر رضي الله عنه إذ هو من بني أسد كما نقله الكِرمانيُّ عن بعضهم وليس بصحيحٍ ولكنَّه معذور؛ لأنَّه نقله
ج 23 ص 453
من كلام ابن بطَّال، حيثُ قال وعُمر بن الخطَّاب من بني أسد، وهذا خلافُ الإجماع على أنَّ عُمر رضي الله عنه من رهط عدي بن كعب وليسو من بني أسد.
(تُعَزِّرُنِي) ويروى وهي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بزاي مشددة بعدها راء، من التَّعزير بمعنى التَّأديب؛ أي يؤدِّبونني (عَلَى الإِسْلاَمِ) ويعلمونني أحكامه، وذلك أنَّهم كانوا وشوا به إلى عُمر رضي الله عنه، حتَّى قالوا لا يحسن أن يصلِّي (خَسِرْتُ) بسكون الراء (إِذًا) بالتَّنوين جواب وجزاء؛ أي إن كنت كما قالوا محتاجًا إلى تأديبهم وتعليمهِمْ خَسِرْتُ حينئذٍ (وَضَلَّ سَعْيِي) فيما سبق.
فإن قيل ما وجه قول سعد رضي الله عنه ما لنا طعام إلَّا ورق الحبلة والنَّبي صلى الله عليه وسلم يدفع ممَّا أفاء الله عليه من بني النَّضير، وفَدَك قوته وقوت عياله لسنة، وأنَّه كان يُعطي الأعطية التي لا يذكر مثلها عن من تقدَّم من الملوك مع كونه بين أرباب الأموال العظام كأبي بكر وعُثمان وشبههما رضي الله عنهم، وكذلك قول عائشة رضي الله عنها «ما شبع آل محمد منذُ قدم المدينة من طعام البرِّ ثلاث ليال حتَّى قبضَ» وشبهه ممَّا جاء مثل ذلك.
فالجواب أنَّه قال الطَّبري كان ذلك حينًا بعد حين؛ لأنَّ من كان منهم ذا مال كان مستغرقًا في نوائب الحقوقِ ومواساة الضِّيفان حتَّى يَقِلَّ كثيرُه، أو يذهب جميعُه، فغير مُسْتَنْكَرٍ أن يكون لهم ضيق الحال التي يحتاجون معها إلى الاستسلاف وأكلهم الحبلة، كما قال سعد رضي الله عنه.
وأمَّا قولُ عائشة رضي الله عنها فوجْهُه أنَّ البرَّ كان قليلًا عندهم فغير نكير أن يُؤْثِرَ صلى الله عليه وسلم لِأَهْلِ بَلَدِه الشَّعيرَ والتَّمرَ، ويكره أن يخصَّ نفسه بما لا سبيل للمسلمين إليه من الفداء، وهذا هو الأشبَه بأخلاقه صلى الله عليه وسلم، وأمَّا ما رُوِيَ من أنَّه لم يشبع من خبز الشَّعير، فإن ذلك لم يكن لعوز ولا لضيقٍ في غالب أحواله؛ لأنَّ اللهَ تعالى أفاء عليه قبل وفاته بلادَ العربِ كلَّها ونقلَ إليه الخراجَ من أكثر بلاد العجم، ولكن بعضه لإيثار نوائبِ الحقِّ
ج 23 ص 454
وبعضه كراهيةً منه للشِّبع وكثرة الأكل.
فإن قيل كيف جازَ لسعد رضي الله عنه أن يمدحَ نفسَه ومن شأن المؤمن التَّواضع؟ فالجواب أنَّه إذا اضطر المرءُ إلى التَّعريف بنفسه حَسُنَ ذلك قال الله عزَّ وجلَّ حاكيًا عن يوسف عليه السَّلام {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف 55] .
وقد مضى الحديثُ في مناقب سعد رضي الله عنه، وفي آخره «وكانوا وشوا به إلى عُمر رضي الله عنه قالوا لا يحسن أن يصلِّي» .
ومطابقتُه للتَّرجمة من حيثُ إنَّ فيه إشعارًا لبيان ما كان عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في قلَّةٍ من العيش مع القناعة والرِّضى بما قسم الله عزَّ وجلَّ.