5472 م - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبدُ الله بن محمد بن أبي الأسود، واسم أبي الأسود حميد، قال (حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ) بضم القاف وفتح الراء وبالشين المعجمة مصغرًا، وأَنَس، بفتح الهمزة والنون، البصري، مات سنة تسع ومائتين، وليس له في البُخاري سوى هذا الحديث (عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة، والشَّهِيد بالشين المعجمة وكسر الهاء، أنَّه (قَالَ أَمَرَنِي ابْنُ سِيرِينَ) هو محمد (أَنْ أَسْأَلَ الْحَسَنَ) البصريَّ (مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ) أي المروي في «السُّنن» عنه مرفوعًا بلفظ (( الغلام مرتهنٌ ) ) (فَسَأَلْتُهُ) أي قال ابن سيرين فسألت الحسن (فَقَالَ مِنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ) أي سمعته منه، وسَمُرة، بفتح السين المهملة وضم الميم، وجُنْدَب، بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة وضمها، الفزاريُّ، بالفاء وتخفيف الزاي وبالراء، الكوفي الصَّحابي، فإن قيل لم يبين البُخاري حديث العقيقة؟
أُجيب بأنَّه كأنَّه اكتفى عن إيراده بشهرته، وقد أخرجه أصحاب «السُّنن» من رواية قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 23 ص 542
قال (( الغلام مرتهنٌ بعقيقتهِ تذبح عنه يوم السَّابع ويحلق رأسه ويُسَمَّي ) ). قال التِّرمذي حسن صحيحٌ، والعَمَلُ على هذا عند أهل العلم يَسْتَحِبُّون أن يُذْبَحَ عن الغلام العقيقة يوم السَّابع، فإن لم يتهيَّأ يوم السَّابع فيوم الرَّابع عشر، فإن لم يتهيَّأ عقَّ عنه يوم أحد وعشرين، وورد فيه حديث ضعيفٌ، قوله (( مرتَهَن ) )بفتح التاء والهاء، معناه رهنَ بعقيقته يعني العقيقة لازِمَةٌ له لا بدَّ منها، فشبَّهها بلزومها له وعدم انفكاكه منها بالرَّهن في يد المرتَهَن، وهذا يقويِّ القول بالوجوب، وقيل لا ينمو نمو مثله حتَّى يُعَقَّ عنه.
وقال الخطَّابيُّ تكلَّم النَّاس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهبَ إليه أحمد بن حنبل قال هذا في الشَّفاعة يريد أنَّه إذا لم يُعَقَّ عنه فمات طفلًا لم يشفعْ في والديه يوم القيامة، وتُعُقِّب بأنَّ لفظَ الحديث لا يساعدُ المعنى الذي أتى به، بل بينهما من المباينة ما لا يخفى على عموم النَّاس فضلًا عن خصوصهم، وإنَّما يؤخذ المعنى عن اللَّفظ بالقرينة التي يُسْتَدَلُّ بها عليه، والحديثُ إذا استبهم معناه فأقرب السَّبب إلى إيضاحه استيفاء طرقه، فإنَّه قلَّما يخلو عن زيادة أو نقصان، أو إشارة بالألفاظ المختلفة فيها فينكشف بها ما أُبهم منه.
وفي بعض طُرق هذا الحديث (( كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقته ) )أي مرهونٌ، والرَّهن والرَّهينة بمعنى والهاء للمبالغة كالشَّتيمة والشَّتم، ثمَّ استُعْمِلا بمعنى المرهون يقال هو رهنٌ بكذا ورهينة بكذا، والمعنى أنَّه كالشَّيء المرهون لا يتمُّ الانتفاع والاستمتاع بدون فَكِّه، والنِّعمة إنَّما تتم على المنعم عليه بقيامه بالشُّكر، ووظيفة الشُّكر في هذه النِّعمة ما سنَّهُ نبيُّهُ صلى الله عليه وسلم، وهو أن يعقَّ عن المولود شكرًا لله تعالى وطلبًا لسلامة المولود، ويحتمل أنَّه أراد بذلك أنَّ سلامةَ المولود ونشوءَه على النَّعت المحبوبِ رهينة بعقيقته، وهذا هو المعنى، اللَّهمَّ إلَّا أن يكون التَّفسير الذي سبق ذِكْرُه يُتَلَقَّى من قبل الصَّحابي، ويكون الصَّحابي قد اطَّلع على ذلك
ج 23 ص 543
من مفهوم الخطاب، أو قصَّة الحال ويكون التَّقدير شفاعة الغلام لأبويه مرتهنةٌ بعقيقته.
وتعقبه الطِّيبي فقال لا ريب أنَّ الإمام أحمد ما ذهب إلى هذا القول إلَّا بعد ما تلقى عن قول الصَّحابة والتَّابعين، وهو إمام جليلٌ يجب أن يُتَلَقَّى كلامُه بالقَبولِ ويَحْسُنُ الظَّن به.
فقوله لا يتمُّ الانتفاع والاستمتاع بدون فكِّه يقتضِي عكوسه في الأمور الأخروية والدُّنيوية، ونظرُ الألباءِ مقصورٌ على الأوَّل، وأوَّلُ الانتفاع بالأولاد في الآخرة الشَّفاعة في الوالدين. انتهى. وقيل مرهون بأذى شعره.
قوله (( تذبح عنه يوم السابع ) )على البناء للمفعول، وقد احتجَّ به من قال إنَّ العقيقة مؤقَّتة باليوم السَّابع وأنَّ من ذبح قبله لم يقع الموقع وأنَّها تفوت بعده، وهذا قول مالك. وقال أيضًا إن مات قبل السَّابع سقطتْ، وعند الحنابلة في اعتبار الأسابيع بعد ذلك روايتان، وعند الشَّافعي أنَّ ذِكْرَ السَّابع للاختيار لا للتَّعيين.
وذكر الرَّافعي أنَّه يدخل وقتها بالولادةِ، قال وذكر السَّابع في الخبر بمعنى أن لا تُؤخر عنه اختيارًا، ثمَّ قال والاختيار أن لا تؤخَّر عن البلوغ فإن أُخِّرَتْ عن البلوغ سقطتْ عمَّن كان يريد أن يعقَّ عنه لكن إن أراد هو أن يعقَّ عن نفسه فَعَلَ، واختاره القفَّالُ، ونقل عن نصِّ الشَّافعي في البويطيِّ أنَّه لا يعق عن الكبير، ثمَّ المراد من يوم السَّابع هو السَّابع من يوم الولادة، وقال ابنُ عبد البر نصَّ مالك على أنَّ أوَّلَ السَّبعة اليومُ الذي يلي يوم الولادة إلَّا إنْ وُلِدَ قبل طلوعِ الفجر، وكذا نَقَلَه البُويطي عن الشَّافعي.
قوله (( ويحلق رأسه ) )على البناء للمفعول أيضًا؛ أي يحلق جميع رأسه لثبوت النَّهي عن القزع، وحكى الماورديُّ كراهةَ حَلْقِ رأس الجارية، وعن بعضِ الحنابلة أنَّه يُحْلَقُ، قال العينيُّ هذا أولى؛ لأنَّ في حديث سلمان (( أميطوا عنه الأذى ) )، ومن جملة الأذى
ج 23 ص 544
شعرُ رأسِه الملوَّث من البطن، وبعمومهِ يتناول الذَّكَر والأنثى، وروى التِّرمذي حديث علي رضي الله عنه، قال عقَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشاة قال (( يا فاطمةُ احلقي رأسَه وتصدَّقي بزنة شعره فضَّة ) )فوزناه، فكان وزنه درهمين وبعض درهم، وقال هذا حديثٌ غريب.
قوله (( ويُسَمَّى ) )على البناء للمفعول أيضًا، وإن لم يستهل لم يُسَمَّ، وقال محمَّد بن سيرين وقتادة والأوزاعي إذا ولد وقد تمَّ خلقه يسمَّى في الوقت إن شاؤوا.
وقال المهلَّب وتسميةُ المولود حين يُولد وبعد ذلك بليلة وليلتين وما شاء إذا لم ينو الأبُ العقيقةَ يومَ سابعه جائزٌ، وإن أرادَ أن ينسك عنه فالسُّنة أن يؤخِّر تسميتَه إلى يوم النُّسك وهو السَّابع.
هذا، ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه التِّرمذي في الصَّلاة عن محمد بن المثنى، عن قريش بن أنس، والنَّسائي أيضًا في العقيقة عن هارون بن عبد الله، عن قريش.
وقريش صدوق مشهورٌ وثَّقه ابن معين والنَّسائي لكنَّه تغيَّر قبل موته، قال النَّسائي بستِّ سنين، وكذا قال البُخاري ولذا عدَّه في الضُّعفاء. وزاد ابن حبَّان فقال حتَّى كان لا يدري ما يحدِّث به فظهر في روايته أشياء مناكير لا تشبه حديثه القديم، فلمَّا ظهرَ ذلك من غير أن يتميَّز مستقيم حديثه من غيره لم يجز الاحتجاج به فيما تفرَّد به، فأمَّا ما وافق فيه الثِّقات فهو المعتبر.
وقد توقَّف البَرْدَنْجِي في صحَّة هذا الحديث، كما نقله الحافظُ العسقلانيُّ لما ذكره من اختلاط قريش، وزعم أنَّه تفرد به وأنَّه وهم. وكأنَّه تبع في ذلك ما حكاه الأثرم عن أحمد أنَّه ضعَّف حديث قريش هذا، وقال ما أراه بشيءٍ.
وقال الحافظُ العسقلانيُّ وقد وجدنا له متابعًا أخرجه أبو الشَّيخ والبزَّار عن أبي هُريرة رضي الله عنه، وقد أخرجه التِّرمذي عن البُخاري، عن ابن المديني، عن قريش، وسماع ابنِ المديني وأقرانِه عنه كان قَبْلَ اختلاطه، وقال العينيُّ قريش تغير سنة ثلاث ومائتين، واستمرَّ على ذلك ستَّ سنين، ومات سنة
ج 23 ص 545
تسع ومائتين، ولقريش متابع، روى الطَّبراني في «الأوسط» أنَّ أبا حمزة رواه عن الحسن كرواية قريش سواء، وقال ابنُ حزم لا يصحُّ للحسن سماعٌ عن سمرة إلَّا حديث العقيقة وحدَه.
ورُدَّ عليه بما رواه البُخاري في «تاريخه الكبير» قال لي علي بن المديني سماعُ الحَسَنِ من سَمُرة صحيحٌ، والله تعالى أعلم.