5499 - (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) أبو الهيثم، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي ابْنَ الْمُخْتَارِ) وفي نسخة عبد العزيز بإسقاط لفظ يعني، والمختار، بالخاء المعجمة، البصري الدَّباغ، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) مولى آل الزُّبير، ويقال مولى أمِّ خالد
ج 23 ص 617
زوج الزُّبير، الإمام في المغازيِّ (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابنُ عبد الله بن عمر (أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (عَبْدَ اللَّهِ) أي ابن عُمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما (يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو) بفتح العين (ابْنِ نُفَيْلٍ) بضم النون وفتح الفاء، وزيد هذا هو والد سعيد بن زيد العدوي، أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة (بِأَسْفَلِ بَلْدَحَ) بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الدال المهملة وآخره مهملة منصرفًا، وفي رواية أبي ذرٍّ غير منصرف، وهو اسم موضع بالحجاز قريبٍ من مكَّة (وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ) وكان زيدٌ في الجاهليَّة يتعبَّد على دين إبراهيم عليه الصَّلاة السَّلام، ومن أشعاره
~أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفُ رَبٍّ أدِينُ إِذَا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ
~تَرَكْتُ اللاَّتَ والعُزَّى جَمِيعًا كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ
(فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره ، وفي هذا الموضع اختلاف، فرواية الأكثرين هكذا، وهو أنَّ الضَّمير في (( إليه ) )يرجع إلى زيد، و (( رسول الله ) )مرفوع على أنَّه فاعل، قدم على البناء للفاعل، و (( سفرة ) )منصوب على المفعوليَّة. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني على أن (( قُدِّم ) )مبني للمفعول، و (( سفرة ) )مرفوع به، ويجمع بينهما بأنَّ القوم الذين كانوا هناك قدَّموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرةً، فقدَّمها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد.
(فَأَبَى) أي فامتنع زيد (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ) مخاطبًا للقوم الذين قدَّموا السُّفرة للنَّبي صلى الله عليه وسلم (إِنِّي لاَ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلاَ آكُلُ إِلاَّ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) عند ذبحه.
قال البيهقي إنَّما قال زيد ذلك برأي منه، لا بشرعٍ بَلَغَه، فإنَّ الذي في شرعِ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام تحريم الميتة، لا ما ذُبح لغير الله. وتُعُقِّبَ بأنَّ الذي في شرع إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام تحريمُ ما ذُبِحَ لغير الله أيضًا، وقد كان عدوًا للأصنام.
وقال الخطَّابيُّ امتناعُ زيد من أكل ما في السُّفرة إنَّما هو من خوفه أن يكون اللَّحم ممَّا ذُبِحَ على الأنصاب المنصوبة للعبادة، وقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
ج 23 ص 618
أيضًا لا يأكلُ من ذبائحهم التي كانوا يذبحونها لأنصابهم، فأمَّا ذبائحهم التي يذبحونها لمأكلهم، فلم نجدْ في الحديث أنَّه كان يتنزَّه عنها، وقد كان بين ظهرانيهم مقيمًا، ولم يذكر أنَّه كان يتميَّز عنهم إلَّا في أكلِ الميتة، وقد أباح الله تعالى لنا طعام أهل الكتاب والنَّصارى، والمشركون يذبحون ويشركون في ذلك بالله. انتهى.
فإن قيل هل أَكَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من ذلك؟ فالجواب أنَّ الظَّاهرَ لم يأكلْ وكونه في سفرته لا يدلُّ على أنَّه كان يأكل منه، فكم من شيءٍ يوضع في سفرة المسافر ممَّا لا يأكل هو منه، وإنَّما لم ينه صلى الله عليه وسلم من معه من أكله؛ لأنَّه لم يوح إليه بعد، ولم يؤمر بتبليغ شيءٍ تحريمًا ولا تحليلًا، وقد مرَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يأكلُ من ذبائحهم التي يذبحونها لأصنامهم.
وقال ابن زيد ما ذبح على النَّصب وما أُهِلَ به لغيرِ الله واحدٌ، ومعنى ما أُهِلَ به لغير الله ذُكِرَ عليه اسمُ غير الله من أسماء الأوثان التي كانوا يعبدونها، وكذا المسيح، وكلُّ اسم سوى الله عزَّ وجلَّ. واختلف العُلماء في ذلك، فكَرِهَ عمرُ وابنُه وعلي وعائشة رضي الله عنهم ما أهلَّ به لغير الله، وعن النَّخعي والحسن والثَّوري مثله، وكره مالكٌ ذبائح النَّصارى لكنائسهِم وأعيادهِم، وقال يكره ما سمي عليه المسيح من غير تحريم، وقال أبو حنيفة لا يؤكل ما سمِّي المسيح عليه. وقال الشَّافعي لا يحلُّ ما ذبح لغير الله، ولا ما ذبح للأصنام، ورخَّص ذلك آخرون، وروي ذلك عن عبادة بن الصَّامت وأبي الدَّرداء وأبي أمامة رضي الله عنهم.
وقال عطاء والشَّعبي قد أحلَّ الله ما أُهِلَ به لغيرِ الله؛ لأنَّه قد عَلِمَ أنَّهم سيقولون هذا القول، وأحلَّ ذبائحهم، وإليه ذهب اللَّيث وفقهاء أهل الشَّام مكحول وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي، قالوا سواء سمِّي المسيح على ذبيحتهِ أو ذُبِحَ لعيد أو كنيسة، وكلُّ ذلك حلال؛ لأنَّه كتابي قد ذبح لدينه، وكانت هذه ذبائحهم قبل نزولِ القرآن، وأحلَّها الله تعالى في كتابه.
وقد مضى الحديثُ في آخر المناقب، في باب حديثِ زَيْدِ بن عَمرو بن نفيل مطولًا [خ¦3826] .
ج 23 ص 619
ومطابقتُه للتَّرجمة ظاهرةٌ.