5518 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، هو عبدُ الله بن عَمرو المُقْعَد البصري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيد البصري، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ) السَّختياني، وقد ذكره هنا بكنية أبيه أبي تميمة، واسمه كيسان (عَنِ الْقَاسِمِ) أي ابن عاصم الكلبي (عَنْ زَهْدَمٍ) وفي الرِّواية السَّابقة (( عن أيُّوب، عن أبي قلابة، عن زَهْدَم ) ).
(قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) رضي الله عنه (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ) بكسر الهمزة والمد؛ أي مؤاخاة، وقال ابن التِّين ضبطه بعضُهم بالقصر، وهو خطأ. والحي بالجرِّ صفة لاسم الإشارة، وهكذا وقع في رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي والمُسْتَملي بالرَّفع. وقال ابن التِّين هذا الحي بالجرِّ بدل من الضَّمير في بينه، ورد بأنَّه يصير تقدير الكلام أنَّ زَهْدَمًا الجَرْمي، قال كان بيننا وبين هذا الحي من جَرْمٍ إِخاءٌ. وليس المراد ذلك، وإنَّما المراد أنَّ أبا موسى رضي الله عنه وقومه الأشعريين كانوا أهل مودَّة وإخاءٍ لقوم زَهْدَمٍ، وهم بنو جَرْم. ورواية الكُشْمِيْهَني السَّابقة هنا تؤيِّد ما قال ابن التِّين، إلَّا أنَّ المعنى غير صحيحٍ. وفي آخر كتاب التَّوحيد
ج 23 ص 646
عن زَهْدَمٍ قال (( كان بين هذا الحيِّ من جَرْمٍ وبين الأشعريين ودٌّ وإخاء ) )، وهذه الرِّوايةُ هي المعتمدةُ، كما قال الحافظُ العسقلاني.
(فَأُتِيَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (بِطَعَامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ) أي أحمر اللُّون، وفي رواية حماد بن زيد (( رجل من بني تميم أحمر كأنَّه من الموالي ) )أي العجم. قيل هذا الرَّجل هو زهدم الرَّاوي أبهم نفسه، وكان زهدمُ ينتسبُ تارةً لبني تميم، وتارةً لبني جرم، وجرم قبيلة في قضاعة ينتسبون إلى جرم بن زبان، بزاي وموحدة، ينتسبون إلى تيم الله بن رُفَيْدَة، بفاء مصغر، ابن ثور بن كلب بن وَبْرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، فحلوان عمُّ جَرْم.
قال الرَّشاطي في «الأنساب» وكثيرًا ما ينسبون الرَّجل إلى أعمامهِ، قاله الحافظُ العسقلاني. وقد روى أحمد هذا الحديث عن عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان الثَّوري، فقال في روايته رجل من بني تيم الله، يقال له ابنُ زَهْدَم، قال كنَّا عند أبي موسى فأُتِيَ بلحمِ دجاج.
(فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ فَقَالَ ادْنُ) فكلُّ (فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ) وفي رواية التِّرمذي من طريق قتادة عن زَهْدَم قال دخلت على أبي موسى، وهو يأكلُ دجاجًا فقال (( ادنُ فكلْ ) )ففيه أنَّ المبهم هو زهدم الرَّاوي أبهم نفسه، كما تقدَّم.
(قَالَ) أي الرَّجل لأبي موسى معتذرًا عن كونه لم يدنُ (إِنِّي رَأَيْتُهُ) أي جنس الدَّجاج (أَكَلَ شَيْئًا) قذرًا (فَقَذِرْتُهُ) بكسر الذال المعجمة وفتحها؛ أي كرهته، وفي رواية أبي عَوَانة (( إنِّي رأيتُها تأكل قذرًا ) ) (فَحَلَفْتُ أَنْ لاَ آكُلَهُ) وكأنَّه ظنَّه أنَّه أكثر من أكله بحيث صار من الجلَّاله [1] ، فبيَّن له أنَّه ليس كذلك (فَقَالَ ادْنُ) أي اقرب (أُخْبِرْكَ) بالجزم جواب الأمر، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي والمستملي بكسر الهمزة وفتح المعجمة وسكون النون، وأخبرك نصب بإذن.
(أَوْ أُحَدِّثْكَ) شكٌّ من الرَّاوي (إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ
ج 23 ص 647
مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ، وَهْوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ)أي طلبنا منه إبلًا تحملنا (فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَحْمِلَنَا، قَالَ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبٍ) من غنيمة (مِنْ إِبِلٍ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ؟ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ) مرَّتين (قَالَ) أبو موسى رضي الله عنه (فَأَعْطَانَا) صلى الله عليه وسلم (خَمْسَ ذَوْدٍ) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة، وهو من الإبل ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، وقوله (( خمسَ ذود ) )بالإضافة. واستنكرهُ أبو البقاء في «غريبه» فقال الصَّواب تنوين خمس، وأن يكون ذود بدلًا من خمس، فإنَّه لو كان من غير تنوين وأُضِيْفَ لتغيَّر المعنى؛ لأنَّ العددَ المضافَ غيرُ المضافِ إليه، فيلزم أن يكون خمسُ ذَودٍ خمسةَ عَشَرَ بعيرًا؛ لأنَّ الإبلَ الذَّودَ ثلاثةٌ. انتهى.
وردَّه الحافظُ العسقلانيُّ فقال وما أدري كيف حَكَمَ بفساد المعنى إذا كان العدد كذا، وليكن عددُ الإبل خمسةَ عشر، فما الذي يضرُّ، وقد ثبتَ في بعضِ طرقه (( خذْ هذين القرينين، وهذين القرينين ) )، إلى أن عدَّ ستَّ مرَّات، والذي قال إنَّما يتم أن لو جاءت رواية صريحة أنَّه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة.
وتعقَّبه العينيُّ فقال رَدُّه مردودٌ عليه؛ لأنَّ أبا البقاء إنَّما قال ما قاله في هذه الرِّواية، ولم يَقُلْ إنَّ الذي قاله يتأتى في جَمِيْعِ طُرُقِ هذا الحديث، وأجاب في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ القصَّةَ واحدةٌ، والطَّرقَ تُفَسِّرُ بعضُها بَعْضًَا، فلا وجهَ لردِّ روايةِ الإضافة مع توجيهها؛ لورودِ بَعْضِ طرقِ الخبر بما يصحِّحها. انتهى.
وفي «المصابيح» إنَّ قولَ أبي البقاء هذا خيالٌ فاسدٌ يلزم عليه أن يكون المأخوذ في قولك أخذْتُ خمسةَ أسياف خمسة عشر سيفًا؛ لأنَّ أقلَّ الأسياف ثلاثة، عين ما قاله، وبطلانه مقطوعٌ به.
ج 23 ص 648
(غُرَّ الذُّرَى) الغُر، بضم الغين المعجمة جمع الأغر، وهو الأبيضُ، والذُّرى، بضم الذال، مقصورًا جمع الذُّروة، وذروة كلِّ شيءٍ أعلاه، والمراد هنا أسنمةُ الإبل، ولعلَّها كانت بيضاءَ حقيقةً، أو أراد وصفها بأنَّها لا علَّةَ فيها ولا دَبَرَ.
(فَلَبِثْنَا) أي مكثنا (غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ) الذي حَلَفَ أن لا يحملنا (فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ) أي طلبنا غفلته عن يمينه، إذ سألناه في وقت شغله (لاَ نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ) أي طلبنا منك إبلًا تحملنا (فَحَلَفْتَ أَنْ لاَ تَحْمِلَنَا، فَظَنَنَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ هُوَ حَمَلَكُمْ) أي ساق هذا النَّهب إلينا، ورزقنا هذه الغنيمة (إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي محلوفِ يمين، فسمَّاه يمينًا مجازًا؛ للملابسةِ بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، أو على بمعنى الباء، وعند النَّسائي (( إذا حلفت بيمين ) ). لكن قوله (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) يدلُّ على الأوَّل؛ لأنَّ الضَّميرَ لا يصحُّ عوده على اليمين بمعناه الحقيقي، والمراد أن يظهر له بالعلم، أو بغلبة الظَّن أنَّ غير المحلوف عليه خير منه، والمراد بغيره إن كان فِعْلًا فَعَلَه، وإن كان تَركًا تركه [2] .
(إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) من الذي حَلَفْتُ عليه (وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة؛ يعني تَفَصَّيْتُ عن عُهْدةِ اليمين، وخرجتُ منها بالكفَّارة، وفي الحديث جوازُ أكل لحم الدَّجاج مطلقًا. وفي «التَّوضيح» قام الإجماع على حلِّه، وهو من رقيقِ المطاعم وناعمها، ومن كره ذلك من المتقشفين من الزُّهاد، فلا عبرة بكراهتهِ، وقد أكلَ سيِّد الزُّهاد، وإن كان يُحْتَمَلُ أن تكون جلَّالةً، وهي التي تأكلُ العذرة اليابسةَ أخذًا من الجَلَّة، بفتح الجيم؛ أي الرَّائحة والنَّتن في عرقها وغيره. وقيل إذا ظهرَ تغير لحم الجلالة من دجاج أو نَعَمٍ
ج 23 ص 649
حَرُمَ أَكْلُها. وقيل يُكره وإن عُلِفَتْ طاهرًا، وطابَ لحمُها بزوال الرَّائحة حلَّ الأكل بالذَّبح من غيرِ كراهة، ويجرِي الخلاف في لبنها وبيضها، وعلى الحرمةِ يكون اللَّحمُ نجسًا، وهي في حياتها طاهرة.
وقد روى الطَّبري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان لا يأكلُها حتَّى يقصرها أيامًا. وروي عنه أيضًا أنَّه كان إذا أراد أن يأكلَ بيض الدَّجاجة قصرها ثلاثة أيام. وعن ابن عُمر رضي الله عنهما «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الجَلالة، وشرب ألبانها حتَّى تعلف أربعين ليلة» . رواه الدَّارقطني والبيهقي، وقال ليس بالقوي. وقال الحاكم صحيح الإسناد، ولفظُ نهى، يصدق بالحرمة والكراهة.
وقال أبو حنيفة الدَّجاجة تَخْلِطُ، والجَلالة لا تأكلُ غير العذرة، وهي التي تكره. وزعم ابنُ حزم أنَّ الجَلالةَ من ذوات الأربع خاصَّة، ولا يسمَّى الطَّير والدَّجاج جَلَّالة.
وقال ابن بطَّال والعُلماء مجمعون على جوازِ أكل الجَلالة، وقد سُئل سُحنون عن خروف أرضعته خنزيرة، فقال لا بأس بأكله، وقال الطَّبري والعُلماء مُجْمِعُون على أنَّ حملًا أو جديًّا غذي بلبن كلبة أو خنزيرة غير حرامٍ أكله، ولا خلاف أنَّ ألبانَ الخنازيرِ نجسةٌ كالعذرة.
وقد مضى الحديثُ في باب قدوم الأشعريين [خ¦4385] . ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.
[1] بياض في الأصل.
[2] في هامش الأصل وبعبارة أخرى إن كان فعلًا ترك ذلك الفعل، وإن كان ترك شيء فعل ذلك الشيء، فليتأمل. منه.